- الإمام أبو عبد الله، محمد بن إدريس القرشي الهاشمي الْمُطَّلبي بن العباس بن عثمان بن شافع ﵀، يلتقي نسبه مع الرسول ﷺ في جده عبد مناف، ولد في غزة بفلسطين الشام عام (١٥٠هـ)، وهو عام وفاة أبي حنيفة، وتوفي في مصر عام (٢٠٤هـ).
- بعد موت أبيه في غزة وبعد سنتين من ميلاده، حملته أمه إلى مكة موطن آبائه، فنشأ بها يتيمًا، وحفظ أشعارهم، ونبغ في العربية والأدب، حتى قال الأصمعي عنه: «وصححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس»، فكان بذلك إمامًا في العربية وواضعًا فيها.
- تتلمذ في مكة على مفتيها مسلم بن خالد الزنجي، حتى أذن له بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم ارتحل إلى المدينة، فتفقه على مالك بن أنس، وسمع منه
[ ١ / ٤٩ ]
الموطأ، وحفظه في تسع ليال، وروى الحديث أيضًا عن سفيان بن عيينة، والفضيل ابن عياض، وعمه محمد بن شافع وغيرهم.
- وارتحل إلى اليمن، فولي عملًا فيها، ثم ارتحل إلى بغداد عام (١٨٣هـ) و(١٩٥هـ)، فأخذ عن محمد بن الحسن كتب فقهاء العراق، وكانت له مناظرات معه، سر منها الرشيد.
- ولقيه أحمد بن حنبل في مكة سنة (١٨٧هـ)، وفي بغداد سنة (١٩٥هـ)، وأخذ عنه فقهه وأصوله، وبيانه ناسخ القرآن ومنسوخه. وفي بغداد صنف كتابه القديم المسمى بالحجة الذي ضمن فيه (مذهبه القديم)، ثم ارتحل إلى مصر عام (٢٠٠هـ) حيث أنشأ (مذهبه الجديد) وتوفي بها شهيد العلم (١) في آخر رجب يوم الجمعة سنة (٢٠٤هـ)، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه، ﵀.
- ومن مؤلفاته (الرسالة) أول مدون في علم أصول الفقه، وكتاب (الأم) في فقه مذهبه الجديد.
- كان مجتهدًا مستقلًا مطلقًا، إمامًا في الفقه والحديث والأصول، جمع فقه الحجازيين والعراقيين، قال فيه أحمد: «كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله» وقال عنه أيضًا: «مامن أحد مسَّ بيده محبرة وقلَمًا، إلا وللشافعي في عنقه منَّة» وقال عنه طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: «اتفق العلماء من أهل الفقه والأصول والحديث، واللغة والنحو وغير ذلك، على أمانته وعدالته وزهده، وورعه وتقواه وجوده، وحسن سيرته، وعلو قدره، فالمطنب في وصفه مقصر، والمسهب في مدحته مقتصر».
_________________
(١) قيل: ضربه أشهب الفقيه المالكي المصري، حين تناظر مع الشافعي، فأفحمه، فضربه بمفتاح في جبهته، فمرض بسبب ذلك أيامًا، ثم مات، وكان أشهب يدعو عليه في سجوده، قائلًا: اللهم أمت الشافعي، وإلا ذهب علم مالك. والمشهور أن الضارب له: فتيان المغربي (بجيرمي الخطيب: ٤٩/ ١ ومابعدها).
[ ١ / ٥٠ ]
وأصول مذهبه: القرآن والسنة، ثم الإجماع، ثم القياس. ولم يأخذ بأقوال الصحابة، لأنها اجتهادات تحتمل الخطأ، وترك العمل بالاستحسان الذي قال به الحنفية والمالكية، وقال: (من استحسن فقد شرع)، ورد المصالح المرسلة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وسماه أهل بغداد (ناصر السنة).
- روى عنه كتابه القديم (الحجة) أربعة من أصحابه العراقيين وهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والزعفراني، والكرابيسي، وأنفسهم رواية له: الزعفراني.
- وروى عنه مذهبه الجديد في (الأم) في أبواب الفقه كلها أربعة أيضًا من أصحابه المصريين وهم: المزني، والبويطي، والربيع الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي راوي (الأم) وغيرها عن الشافعي. والفتوى على مافي الجديد، دون القديم، فقد رجع الشافعي عنه، وقال: «لاأجعل في حل من رواه عني» إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة، يفتى فيها بالقديم إلا إذا اعتضد القديم بحديث صحيح لامعارض له، فإن اعتضد بدليل فهو مذهب الشافعي، فقد صح أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عُرْض الحائط».
- وقد كثر تلاميذه وأتباعه في الحجاز والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية، وأترجم بصفة خاصة لخمسة مصريين منهم أخذوا عنه مذهبه الجديد وهم (١):
- ١ ً - يوسف بن يحيى البويطي، أبو يعقوب (توفي عام ٢٣١هـ) وهو مسجون ببغداد بسبب فتنة القول بخلق القرآن التي أثارها الخليفةالمأمون، استخلفه الشافعي في حلقته، له مختصر مشهور اختصره من كلام الشافعي.
_________________
(١) كتاب الشافعي لأستاذنا أبي زهرة: ص١٤٩ ومابعدها.
[ ١ / ٥١ ]