حكم التلفيق (١) في التكاليف الشرعية: تنقسم الفروع الشرعية إلى ثلاثة أنواع (٢):
الأول - ما بني في الشريعة على اليسر والتسامح مع اختلافه باختلاف أحوال المكلفين.
الثاني - ما بني على الورع والاحتياط.
الثالث - ما يكون مناطه مصلحة العباد وسعادتهم.
أما النوع الأول - فهو العبادات المحضة، وهذه يجوز فيها التلفيق، لأن مناطها امتثال أمر الله تعالى والخضوع له مع عدم الحرج، فينبغي عدم الغلو بها؛ لأن التنطع يؤدي إلى الهلاك.
أما العبادات المالية: فإنها مما يجب التشديد بها احتياطًا خشية ضياع حقوق الفقراء، فلا يؤخذ بالقول الضعيف أو يلفق من كل مذهب ماهو أقرب لمصلحة المزكي لإضاعة حق الفقير، وإنما يجب الإفتاء بالأحوط والأنسب لمصلحة الفقراء.
وأما النوع الثاني - فهو المحظورات: وهي مبنية على مراعاة الاحتياط والأخذ بالورع مهما أمكن (٣)، لأن الله تعالى لا ينهى عن شيء إلا لمضرته، فلا يجوز فيها التسامح أو التلفيق إلا عند الضرورات الشرعية، لأن (الضرورات تبيح المحظورات).
_________________
(١) إن التلفيق في التقليد للمذاهب هو تخير أو انتقاء من أحكام المذاهب الفقهية تقليدًا لها.
(٢) عمدة التحقيق للباني: ص ١٢٧ ومابعدها.
(٣) والدليل على أنها مبنية على الورع والاحتياط أحاديث نبوية منها: «دع مايريبك إلى مالا يريبك» ومنها «مااجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال».
[ ١ / ١١٣ ]
وعليه لايجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق الله (أو حقوق المجتمع) حفاظًا على النظام العام في الشريعة، واهتمامًا برعاية المصالح العامة. كما لا يجوز التلفيق في المحظورات المتعلقة بحقوق العباد (حقوق الأشخاص الخاصة) منعًا من الاحتيال على حقوق الناس وإلحاق الضرر بهم والاعتداء عليهم.
وأما النوع الثالث - فهو المعاملات المدنية: والعقوبات الشرعية (الحدود والتعزيرات)، وأداء الأموال الواجبة شرعًا من عشر المزروعات، وخراج الأراضي، وخمس المعادن المكتشفة، والمناكحات (أو الأحوال الشخصية). فعقود الزواج (المناكحات) وما يتبعها من أنواع الفرقة الزوجية: مبناها سعادة الزوجين وأولادهما. ويتحقق ذلك بالحفاظ على الرابطة الزوجية، وتوفر الحياة الطيبة فيها، كما قرر القرآن الكريم: ﴿فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢]. فكل ما يؤيد هذا الأصل يعمل به، ولو أدى في بعض الوقائع إلى التلفيق الجائز، أما إذا اتخذ التلفيق ذريعة لتلاعب الناس بأقضية الزواج والطلاق، فيكون تلفيقًا قادحًا ممنوعًا، مراعاة للقاعدة الشرعية: وهي (أن الأصل في الأبضاع (١) التحريم) صيانة لحقوق النساء والأنساب.
وأما المعاملات، وأداء الأموال، والعقوبات المقررة في الشرع والقصاص لصيانة الدماء ونحوها من التكاليف المراعى فيها مصالح البشرية والمرافق الحيوية، فيجب الأخذ فيها من كل مذهب ما هو أقرب لمصلحة الناس وسعادتهم، ولو لزم منه التلفيق، لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي يقصدها الشرع، ولأن مصالح الناس تتغير بتغير الزمان والعرف وتطور الحضارة والعمران. ومعيار المصلحة أو تحديد المراد منها: هو كل ما يضمن صيانة الأصول الكلية الخمسة:
_________________
(١) الأبضاع جمع بضع بضم الباء: يطلق على الفرج والجماع، ويطلق أيضًا على التزويج (المصباح المنير).
[ ١ / ١١٤ ]