طريق صحيح، أو يصل من طريق واحد، ويرى أحدهم أن في بعض رواته ضعفًا لايعتقده غيره، أو لايراه مانعًا من قبول الرواية، وهذا مبني على الاختلاف في طريق التعديل والترجيح.
أو يصل إليهما من طريق متفق عليه، غير أن أحدهما يشترط في العمل به شروطًا لا يشترطها الآخر، كالحديث المرسل (وهو مارواه غير الصحابي بدون سند إلى الرسول ﷺ).
ثالثًا - اختلاف المصادر: وهناك أدلة اختلفوا في مدى الاعتماد عليها، كالاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي والاستصحاب، والذرائع ونحوها من دعوى البراءة أو الإباحة وعدمها.
رابعًا - اختلاف القواعد الأصولية أحيانًا: كقاعدة العام المخصوص ليس بحجة، والمفهوم ليس بحجة، والزيادة على النص القرآني نسخ أم لا، ونحو ذلك.
خامسًا - الاجتهاد بالقياس: هو أوسع الأسباب اختلافًا، فإن له أصلًا وشروطًا وعلة، وللعلة شروطًا ومسالك، وفي كل ذلك مجال للاختلاف، والاتفاق بالذات على أصل القياس ومايجري فيه الاجتهاد ومالايجري أمر يكاد يكون غير متحقق. كما أن تحقيق المناط (وهو التحقق من وجود العلة في الفرع) من أهم أسباب اختلاف الفقهاء.
سادسًا - التعارض والترجيح بين الأدلة: وهو باب واسع اختلفت فيه الأنظار وكثر فيه الجدل. وهويتناول دعوى التأويل والتعليل والجمع والتوفيق والنسخ وعدمه. والتعارض إما بين النصوص أو بين الأقيسة مع بعضها، والتعارض في
[ ١ / ٨٧ ]
السنة قد يكون في الأقوال أو في الأفعال، أو في الإقرارات، وقد يكون الاختلاف بسبب وصف تصرف الرسول سياسة أو إفتاء، ويزال التعارض بأسباب من أهمها الاحتكام إلى مقاصد الشريعة، وإن اختلفت النظرة إلى ترتيب المقاصد.
وبهذا يعلم أن اجتهادات أئمة المذاهب جزاهم الله خيرًا لايمكن أن تمثل كلها (شرع الله المنزل على رسوله صلّى الله عليه وسلموإن كان يجوز أو يجب العمل بأحدها، والحق أن أكثرها مسائل اجتهادية وآراء ظنية تحترم وتقدر على السواء، ولايصح أن تكون ذريعة للعصبية والعداوة والفرقة الممقوتة بين المسلمين الموصوفين في قرآنهم بأنهم إخوة، والمأمورين بالاتفاق والاعتصام بحبل الله. وقد كان المجتهد من الصحابة يتحاشى أن يسمى اجتهاده: حكم الله أو شرع الله، وإنما كان يقول: هذا رأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء. وكان مما يوصي به النبي ﷺ أمير الجيش أو السرية قوله: «وإذا حاصرت حصنًا فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلاتنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لاتدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا» (١).
وهو يدل على أن الأصح في قضية الإصابة والخطأ في الاجتهاد في الفروع الفقهية، هو مذهب المخطئة، وهم جمهور المسلمين، منهم الشافعية، والحنفية على التحقيق، الذين يقولون بأن المصيب في اجتهاده واحد من المجتهدين، وغيره مخطئ؛ لأن الحق لايتعدد. ويقولون أيضًا: إن الله تعالى في كل واقعة حكمًا معينًا، فمن أصابه فهو المصيب، ومن أخطأه فهو المخطئ. لكن بالنظر إلى العمل بثمرة الاجتهاد، لاشك أن حكم كل مجتهد هو حكم الله، لتعذر معرفته بيقين.
وأخيرًا تظل عقدة المسلمين الجاثمة فيهم في عصرنا هي العمل، العمل
_________________
(١) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
[ ١ / ٨٨ ]
بشريعتهم عقيدة وعبادة والتزامًا وتطبيقًا لأحكام الإسلام في العبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات الخارجية على حد سواء.