- يمكن إبراز بعض مزايا هذا الكتاب في الفقه على النحو الجديد في التأليف تحقيقًا واستنباطًا وأسلوبًا وتبويبًا وتنظيمًا وفهرسة واستدلالًا بما يأتي:
- ١ً - إنه كتاب فقه الشريعة الإسلامية المعتمد على الدليل الصحيح من القرآن والسنة والمعقول، لا فقه السنة وحدها، ولا فقه الرأي وحده، إذ ليس عمل المجتهد معتبرًا بغير الاعتماد على القرآن والسنة. ومعرفة أحكام الشرع الفقهية التي هي مجرد أمر وصفي وبيان مسلَّمات، لاتكوِّن قناعة عقلية ولا متعة نفسية، ولا طمأنينة للعالم والمتعلم إذا جاءت من غير دليل، كما أن العلم بدليل الحكم يخرج من ربقة الجمود على التقليد المذموم في القرآن إلى الاتباع المقرون بالبصيرة الذي اشترطه الأئمة فيمن يتلقى العلم عنهم، ثم إن أدلة الأحكام هي روح الفقه، ودراستها رياضة للعقل، وتربية له، وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه.
- وبكلمة موجزة: يمتاز هذا الكتاب الشامل فقه المذاهب باعتماده
_________________
(١) وهو اعتماد المذاهب الإسلامية نفسها على استنباط أحكامه من مختلف مصادر التشريع الإسلامي النقلية والعقلية (الكتاب والسنة والاجتهاد بالرأي المعتمد على روح التشريع الأصلية العامة) فمن قصر الفقه الإسلامي على القرآن وحده فقد بتر أو مسخ الإسلام من جذوره، وكان أقرب لأعداء الدين، ومن حصر الفقه بالسنة
[ ١ / ٢٢ ]
وحدها فقد قصَّر وأساء، وعاش قاصر الطرف عن شؤون الحياة، وبعد عن التفاعل أو التجاوب مع متطلبات الناس، وتحقيق مصالحهم، ومن المعروف أنه حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ودينه، وأن زعماء مدرسة الحديث (مالك والشافعي وأحمد) أخذوا بالمصالح المرسلة والعرف والعادة وسد الذرائع وغيرها من أدلة الاجتهاد بالرأي، كما أن زعماء مدرسة الرأي كالنخعي وربيعة الرأي وأبي حنيفة وأصحابه لم يهملوا بتاتًا سنة أو أثرًا أو اجتهادًا عن السلف.
- ٢ً - وهو ليس كتابًا مذهبيًا محدودًا، وإنما هو فقه مقارن بين المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) وبعض المذاهب الأخرى أحيانًا، بالاعتماد الدقيق في تحقيق كل مذهب على مؤلفاته الموثوقة لديه، والإحالة على المصادر المعتمدة عند أتباعه؛ لأن نقل حكم في مذهب من كتب المذاهب الأخرى لايخلو من الوقوع في غلط في بيان الرأي الراجح المقرر، وقد عثرت على أمثلة كثيرة من هذا النوع، آثرت عدم الإشارة إليها، حرصًا على الموضوعية والإيجابية فيما يقرر، وبعدًا عن تفسيرات فجة، وعصبيات مذهبية ضيقة، وتنزهًا عن المغالاة في تقديس كل جزئيات الكتب الفقهية. وقد لقي هذا النوع من الدراسة والبيان لفقه المذاهب الأربعة إقبالًا شديدًا وحرصًا تامًا على المطالعة والاستفادة، وهو يتفق مع الاتجاه العالمي للدراسة المقارنة، ويسهم في البعد عن العصبية المذهبية أو يزيلها من النفس. ومع ذلك فإني أحاول دائمًا التنويه بالرأي الموحد بين فقهاء المذاهب، لا في مجرد العناوين لأحكام فقهية، بل في الشروط والتفصيلات أيضًا.
- ٣ً - فيه الحرص على بيان صحة الحديث، وتخريج وتحقيق الأحاديث التي استدل بها الفقهاء، حتى يتبين القارئ طريق السلامة، فيأخذ الرأي الذي صح دليله، ويترك من دون أسف كل رأي متكئ على حديث ضعيف. وإذا لم أذكر ضعف الحديث فلأنه مقبول صحيح، عملًا بالأصل العام في الحديث.
- ٤ً - إنه كتاب يستوعب مختلف الأحكام الفقهية للمسائل الأصلية، وموازنة
[ ١ / ٢٣ ]
القضايا الفقهية في كل مذهب مع المذاهب الأخرى، حتى يتحقق التقابل بين الآراء، ويجد الباحث ضالته المنشودة لمعرفة الحكم المطلوب في المذهب الذي يطمئن إليه، ومقابلة الجزئيات المذهبية مع المذاهب الأخرى والموازنة بين الآراء. وبالرغم من كونه أمرًا عسيرًا، فإنه يحقق هدف القارئ، ويروي ظمأه.
- ٥ً - فيه تركيز على الجوانب العملية أو الواقعية، وبعد عن المسائل الفرضية البعيدة الحصول، وإهمال لكل مايتعلق بالرق والعبيد، لعدم الحاجة إليه بعد إنهاء هذه المشكلة وإلغاء الرق من العالم، إلا على سبيل الإلمام التاريخي واستكمال تصور المسائل الفقهية أحيانًا.
- ٦ً - قد أذكر ترجيحًا بين الآراء بحسب مايبدو لي، وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف، أو لما أرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة.
- وإذا لم أصرح بالترجيح، فالأولى العمل برأي الأكثرين أو الجمهور؛ لأن الكثرة يحصل بها الترجيح، فيقدم رأي الجمهور إلا إذا لم يكن ملائمًا لظروف الحياة الشرعية المعاصرة في المعاملات أو لم يترجح لدى مجتهد ما.
- ويجوز تقليد كل مذهب إسلامي معتمد عند الأغلبية، وإن أدى إلى التلفيق (١)، عند الضرورة أو الحاجة أو العجز والعذر؛ لأن الصحيح جوازه عند المالكية وجماعة من الحنفية، كما يجوز الأخذ بأيسر المذاهب أو تتبع الرخص (٢) عند الحاجة أو المصلحة لاعبثًا وتلهيًا وهوى؛ لأن دين الله يسر لا عسر، فيكون القول بجواز التلفيق من باب التيسير على الناس، قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر، ولايريد بكم العسر﴾ [البقرة:٢/ ١٨٥]، ﴿وما جعل عليكم في الدين من
_________________
(١) التلفيق: هو الإتيان بكيفية لايقول بها كل مجتهد على حدة.
(٢) تتبع الرخص: أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون له وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل. حرج﴾ [الحج:٢٢/ ٧٨]، ﴿يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء:٤/ ٢٨].
[ ١ / ٢٤ ]
- ولايجوز تتبع الرخص عبثًا أو لهوى ذاتي، بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ماهو الأخف عليه، من غير ضرورة ولا عذر، سدًا لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية، ولايجوز التلفيق الذي يؤدي إلى نقض حكم الحاكم؛ لأن حكمه يرفع الخلاف درءًا للفوضى، ولا التلفيق الذي يؤدي إلى الرجوع عما عمل به المرء تقليدًا، أو إلى مصادمة أمر مجمع عليه، أو الوقوع في محظور شرعي، كالتزوج بامرأة بلا ولي ولاصداق ولا شهود، مقلدًا كل مذهب فيما لايقول به الآخر، أو تحليل المبتوتة بتزويجها من غلام صغير.
- ٧ً - سهولة الأسلوب، وتبسيط الكلام، وبيان الأمثال، والتبويب والمنهج الأقرب لفهم أهل العصر ومألوفهم، وتحقيق الرأي الراجح في كل مذهب، ووضع الضوابط الكلية، ليسهل التعرف على الأحكام من غير استطراد ولابعثرة للمسائل، فيصبح الفقه قريب المنال بأسلوبه وتنظيمه وتبويبه، بعد أن كان أحيانًا عصي الفهم، غريب الأسلوب، بعيد الإدراك، حتى بالنسبة للمتخصص الذي يلقى صعوبة في التعرف على حكم فقهي معين في ثنايا المسائل الكثيرة المتشابكة، وقد يحتاج لجهد كبير ووقت طويل للاطلاع على باب فقهي برمَّته، أو اللجوء إلى أكثر من كتاب في الموضوع ذاته. وحينئذ لايبقى عذر لأحد في محاولة التهرب من تطبيق أحكام الفقه الإسلامي، بعد أن أزيل غموضه، ورفعت حواجز الوهم والتعقيد والصعوبة في فهمه من بطون الكتب القديمة الغاصة بثروة وكنوز لامثيل لها في التاريخ.
- ٨ً - حاولت بحث بعض القضايا الجديدة وبخاصة في هذه الطبعة التاسعة، ليتعايش الناس معها، مستلهمًا قواعد الشريعة ومبادئها ومقررات الفقهاء، ويظل الباب مفتوحًا أمام المزيد من البحوث والاجتهادات الجزئية؛ لأن فضل الله
[ ١ / ٢٥ ]
لاينقطع، ومواهبه وعطاياه لاتنحصر في زمن دون آخر، ولا على أشخاص دون غيرهم.
- ويظل رائدي إلى الأبد قوله تعالى: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء﴾ [فاطر:٣٥/ ٢٨]، وقوله سبحانه: ﴿وقل: رب زدني علمًا﴾ [طه:٢٠/ ١١٤]، وقوله ﷺ فيما يرويه البخاري ومسلم: «من يرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين» وما يرويه البخاري: «رب مبلَّغ أوعى من سامع».
- ومع أن هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وصبر وأناة، وتعاون فئة من العلماء، فقد صممت على الكتابة مستعينًا بالله تعالى، لتقريب الفقه إلى الناس، سواء العالم والمتعلم، من غير تعصب لرأي مذهبي معين؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، ولأن المساهمة في تقدم العلم بحسب مايرى العالم من الحاجة أمر واجب على العلماء، لأن «العلم يزكو بالإنفاق» كما قال سيدنا علي ﵁، خصوصًا مايتطلب البحث والتتبع والاستقصاء، والتحقيق وبيان الراجح دليلًا ومذهبًا، راجيًا من الله تعالى أن يحقق به النفع، وأن يكون سبيلًا للأجر وادخار الثواب عند الله تعالى بعد الموت وانتهاء الأجل، قال النبي ﷺ فيما يرويه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة: «إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١) وقال ابن عمر ﵁: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة» وجزى الله والدي ﵀ الذي حبب إلي هذا العلم، وجزى الله أيضًا أساتذتي في الأزهر وسورية على أفضالهم علي خير الجزاء.
- فإن أصبت الهدف المرجّى، فهو من فضل الله تعالى، ولا أدعي العصمة والكمال والإحاطة بكل شيء في الفقه، فذلك من صفات الله وحده، وأعترف سلفًا بعجزي وقصوري، قال الله سبحانه: ﴿وماأوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء:١٧/ ٨٥]، وإنما هو عمل لايعدو أن يكون محاولة في البيان والترتيب
_________________
(١) لكن رمز له السيوطي بالضعف ويظهر أنه تصحيف مطبعي؛ لأن الحديث صحيح.
[ ١ / ٢٦ ]
وتقريب الفقه للناس، والموازنة بين أحكامه في المذاهب الأربعة ونحوها، والله ولي التوفيق.
- ﴿رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾ [الشعراء:٢٦/ ٨٣ - ٨٤ - ٨٥].