_________________
(١) المدخل إلى مذهب أحمد، المرجع والمكان السابق.
(٢) فتاوى الشيخ عليش، المرجع السابق، وصفحة ٧٦.
(٣) المستصفى، المرجع السابق.
(٤) العامي في اصطلاح الأصوليين: هو كل من ليس أهلًا للاجتهاد، وإن كان عالمًا بفن غير فن استنباط الأحكام من أدلتها.
(٥) مسلم الثبوت: ٣٥٦/ ٢، إرشاد الفحول: ص ٢٤٠، شرح المحلي على جمع الجوامع ٣٢٨/ ٢، شرح الإسنوي: ٢٦٦/ ٣، رسم المفتي في حاشية ابن عابدين: ٦٩/ ١ ومابعدها، الفوائد المكية للسقاف: ص٥٢.
[ ١ / ١٠١ ]
لم يوجد في الشرع مايمنع من ذلك، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، بأن لم يكن عمل بآخر، بدليل أن سنة الرسول ﷺ الفعلية والقولية تقتضي جوازه، فإنه ﵊ «ماخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن مأثمًا» (١) وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يحب ماخفف عن أمته».
وقال ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة» (٢) وقال أيضًا: «إن هذا الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه» (٣). وقال ﵇ أيضًا: «إن الله قد فرض فرائض وسن سننًا وحد حدودًا وأحل حرامًا وحرم حلالًا، وشرع الدين فجعله سهلًا سمحًا واسعًا ولم يجعله ضيقًا» (٤).
وقال الشعبي: «ماخير رجل بين أمرين، فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله تعالى».
وقال القرافي في هذه المسألة: يجوز تتبع الرخص بشرط ألا يترتب عليه العمل بما هو باطل عند جميع من قلدهم، أي أن شرط جواز تقليد مذهب الغير ألا يؤدي إلى التلفيق (٥) أي ألا يكون موقعًا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه، كما إذا قلد الإمام مالك في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة بغير شهوة، وقلد الإمام الشافعي في عدم وجوب ذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري ومالك والترمذي.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، والخطيب البغدادي، ورواه الديلمي في مسند الفردوس، وفي آخره عند الخطيب: «ومن خالف سنتي فليس مني».
(٣) أخرجه البخاري والنسائي.
(٤) رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄.
(٥) التلفيق: هو الإتيان بكيفية لايقول بها المجتهد. كما سأبيِّن. الأعضاء في الوضوء، أو عدم وجوب مسح جميع الرأس، فإن صلاته تكون باطلة عند الإمامين، لعدم صحة الوضوء عند كل منهما.
[ ١ / ١٠٢ ]
ويلاحظ أن هذا القيد الذي ذكره القرافي وهو: (ألا يترتب على تتبع الرخص العمل بما هو باطل لدى جميع من قلدهم) لادليل عليه من نص أو إجماع، وإنما هو قيد متأخر، كما قرر الكمال بن الهمام في (التحرير). فإذا جاز للشخص مخالفة بعض المجتهدين في كل ماذهب إليه، كما بينا، جازت مخالفته في بعض ماذهب إليه من باب أولى، كما قال صاحب تيسير التحرير. ثم قال: وليس هناك دليل من نص أو إجماع يدل على أن الفعل إذا كانت له شروط، فإنه يجب على المقلد أن يتبع مجتهدًا واحدًا في هذه الشروط التي يتوقف عليها هذا الفعل، ومن ادعى دليلًا على ذلك فعليه الإتيان به.
وأما مانقل عن ابن عبد البر، من أنه «لايجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا، فلا نسلم صحة هذا النقل عنه، ولو سلم فلا يسلم صحة الإجماع، إذ في تفسيق متتبع الرخص عن أحمد روايتان. وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولامقلد. وقال ابن أمير الحاج في التقرير على التحرير: وذكر بعض الحنابلة: أنه إنْ قوي الدليل، أو كان عاميًا، لايفسق. وفي روضة النووي حكاية عن ابن أبي هريرة: لايفسق. والخلاصة: أن مبدأ الأخذ بالرخص أمر محبوب، ودين الله يسر، وماجعل عليكم في الدين من حرج، والمفروض أن المقلد لم يقصد تتبع الرخص في كل الوقائع وإنما في بعض المسائل، وكثيرًا ماقال العلماء: «من قلد عالمًا فقد برئ مع الله» «اختلاف العلماء رحمة» وربما قال بعضهم: «حجَّرت واسعًا» إذا التزم العمل بالقول المشهور في جميع تصرفاته.
[ ١ / ١٠٣ ]