عاشرًا: موانع العقاب وموانع المسؤولية، وأسباب الإباحة، وإنسانية العقوبة.
حادي عشر: الآثار الإصلاحية الكبرى لسياسة العقاب في الإسلام.
أولًا - مفاهيم عامة عن الجريمة وأوضاعها في العصر الحاضر بسبب غيبة الوازع الديني: الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة ومستمرة ومتطورة، ولها تأثيرات ضارة ومؤذية وهي في مفهوم الناس سلوك شاذ يحظره قانون الدولة، ويرتب له جزاء، أو هي الخروج على أوامر قانون العقوبات ونواهيه (١). ويتطور مفهوم الجريمة من زمن لآخر، ومن مجتمع لآخر في الزمن الواحد. والجريمة هي الجناية بالمعنى الخاص في اصطلاح الفقه الإسلامي، قال القاضي الماوردي: الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير (٢). والمحظور إما إتيان منهي عنه أو ترك مأمور به. والجناية بالمعنى العام: هي كل فعل محرَّم شرعًا، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أوغيرهما. وهذا هو معنى الجريمة عند أغلب القانونيين، فإنهم صوروها بأنها كل فعل ينهى عنه القانون ويفرض له عقوبة.
والظاهرة الإجرامية إحدى سمات المجتمعات بسبب الصراع على إشباع حاجات الأفراد غير المتناهية. ووجدت فكرة الجزاء بالفطرة في كل جماعة إنسانية، وإن اختلفت صورته، أو تباينت وجهات النظر في تحديد أهداف العقوبة
_________________
(١) الجريمة والتنمية للدكتور حسني درويش عبد الحميد: ص ١٣، ١٥، قانون العقوبات القسم العام للدكتور عمر السعيد رمضان: ص ٣٥.
(٢) الأحكام السلطانية: ص ٢١١، ط صبيح.
[ ٧ / ٥٢٨٨ ]
بالانتقام من الجاني، أو تطبيق العدالة، أوإصلاح المتهم وتهذيبه (١). والواقع أن الهدف من العقوبة مجموع هذه الأمور، فإن الجزاء للردع والتخويف، وللإصلاح والتهذيب معًا، ولإرضاء الشعور بالعدالة في ضمير المجتمع، وقد أدى التطور أخيرًا إلى اعتبار العقوبة وسيلة دفاع عن المجتمع من خطر الجريمة، فالعقوبة بمعناها الحديث تؤدي وظيفتها الدفاعية عن المجتمع في لحظات ثلاث: اللحظة التشريعية: أي عند سن قانون العقوبات لإظهار الخشية من العقاب، واللحظة القضائية: أي عند إصدار الحكم بالعقوبة، لحماية المجتمع من جرائم جديدة تحدث فيه لو لم تلق الجريمة جزاءها، واللحظة التنفيذية: أي عند توقيع العقوبة المحكوم بها لإصلاح الجاني عن طريق إيلامه، حتى لا يعود إلى الجريمة مرة أخرى، وللجرائم أنواع كثيرة من الناحية الاجتماعية، فهناك جرائم ضد الممتلكات كالسرقة وتسميم الماشية، والحريق، وجرائم ضد النفوس والأفراد، كالضرب والقتل وهتك العرض، وجرائم ضد النظام العام، كجرائم أمن الدولة والتخريب والتجسس، وجرائم على الدين وأهله كالاعتداء على أماكن العبادة وعلى المصلين، وجرائم على الأسرة كإهمال الأطفال والزنا والخيانة الزوجية، وجرائم ضد الأخلاق كالأفعال الفاضحة الجارحة للحياء في الأماكن العامة (٢).
وتنوعت الجرائم وتفنن المجرمون فيها في العصر الحاضر، فارتكبوا جرائم لاتكاد تخطر على بال، كاغتصاب المرأة وهي تسير في شارع عام، وخطف الأطفال والنساء للبيع، وهو الرقيق الأبيض، ذكرت وكالة رويتر أن ضابطًا كبيرًا في قوة حرس الحدود في بنغلاديش قال: إن أفراد الحرس أنقذوا حوالي (٦٠) رجلًا وامرأة وطفلًا من البيع خارج البلاد للعمل في البغاء واستخدامهم كمصادر
_________________
(١) الإجرام والعقاب في مصر للدكتور حسن المرصفاوي: ص ٢٣١.
(٢) الجريمة والتنمية، المرجع السابق: ص ٢١ - ٢٢.
[ ٧ / ٥٢٨٩ ]
لعمليات زرع الأعضاء البشرية. وقد تقدمت الحكومة في (١٩٨٨/ ٧/١) بمشروع قانون إلى البرلمان يقضي بإعدام بائعي بنات حواء (١). وتصاعدت عملية الاتجار بالأطفال، فهناك مليون طفل يخطفون ويباعون سنويًا في العالم (٢)، ويوجد في الكيان الصهيوني اليوم ٢٠٠٠ طفل برازيلي مخطوفين، تزودهم لإسرائيل (١٦) عصابة تقوم بدراسة عمليات خطف الأطفال. وتعيش فرنسا من عدة أشهر في عامي (٨٧)، (١٩٨٨) ظاهرة اجتماعية خطيرة هي ظاهرة خطف الفتيات دون العاشرة من الأماكن العامة لاغتصابهن ثم قتلهن بصورة وحشية (٣)، وبدأت فئات كثيرة تنادي بإعادة عقوبة الإعدام.
وكثر تعاطي المخدرات والإدمان عليها، حتى ارتفع عدد ضحاياها في إيطاليا مثلًا إلى (٥٠٠) قتيل من جراء الإدمان، وكشفت إحصائية لمنظمة الصحة العالمية في عام (١٩٨٥) عن وجود (٣٢) مليون مدمن في العالم، وطالب مفتي مصر بإعدام تجار المخدرات علانية أمام الشعب في الساحات العامة، للعظة والعبرة والزجر بسبب شيوع المخدرات في مصر (٤).
وتزايدت نسبة الجرائم في بريطانيا، وكذا في المجتمع الأمريكي من قتل وسرقة واغتصاب واعتداء، حتى بلغت في أمريكا أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه بين (١٩٥٠، ١٩٦٤) بسبب الرخاء والازدهار الاقتصادي في كل من مدينة نيويورك وأطلنطا وبوسطن، وتفشت ظاهرة المخدرات في أوربا وآسيا وأفريقيا، وكثر المصابون بالإيدز أو الشذوذ الجنسي، حتى بلغ عددهم في العالم
_________________
(١) جريدة البيان في الإمارات بتاريخ ١٩٨٨/ ٧/٢م.
(٢) جريدة الاتحاد في الإمارات بتاريخ ١٩٨٨/ ٦/٢٣م.
(٣) جريدة الاتحاد المرجع السابق بتاريخ ٨٨/ ٤/٣٠، و١٩٨٨/ ١٠/٣م.
(٤) جريدة الفجر في الإمارات بتاريخ ١٩٨٨/ ٩/٢٢م، الاتحاد ١٩٨٨/ ١٠/٨م.
[ ٧ / ٥٢٩٠ ]
أكثر من عشرة ملايين من الذكور والإناث (١). وزادت نسبة جرائم النهب والسلب في بريطانيا في عام (١٩٨٧) بنسبة (١٢%) وبلغت (٠٠٠،٤٥) جريمة، بسبب زيادة معدل الرخاء، وغيبة الوازع الديني، فإن المدنية الحديثة البعيدة عن هدي الله والدين وتعاليمه أفرزت مثل هذه الظواهر الإجرامية الشاذة، كما أفرزت فلسفات مادية منحدرة، وكلها تؤذن بتدمير وتخريب معالم الحضارة الحديثة القائمة على مجرد المادة، وتغفل جانب الأخلاق والدين والقيم الإنسانية، والخروج عن مبادئ العدالة والمساواة. ومثال ذلك: يعتبر عدد السجناء الذين ينتظرون الموت في الولايات المتحدة الأمريكية أعلى رقم سجل في ذلك البلد عام (١٩٨٦)، ويتزايد معدل تنفيذ الإعدام بصورة مستمرة، وتشير الأدلة إلى أن استخدام عقوبة الإعدام في أمريكا يقوم على أساس تعسفي ومتحيز عنصريًا وغير عادل، ويشمل من ينتظرون الموت رجالًا ونساء، مرضى عقليين أو متخلفين عقليًا، وأشخاصًا ما زالت أعمارهم أقل من (١٨ عامًا)، أو كانت أعمارهم أقل من (١٨ عامًا) عندما ارتكبوا جرائمهم، ونصف هؤلاء تقريبًا من السود، والكثير منهم قد أدين بموجب سلطات قضائية، وجسدت الدراسات أن تطبيق عقوبة الإعدام فيها قائمة على التمييز العنصري (٢).
وتقدم العلوم والفنون لم يكن سببًا لمنع الجرائم؛ لأن الغالب على العلوم المعاصرة الصبغة المادية المحضة، البعيدة في الأكثر عن النزعة الإنسانية، أما العلوم الإنسانية فهي التي تهذب المشاعر، وتقوّم الطبائع، وتقلّل الجرائم، ولكن دورها في الحياة الحاضرة والحضارة المادية الحديثة ضعيف التأثير في الغالب، مع أن الشأن
_________________
(١) المجلة العربية للدراسات الأمنية في الرياض، شهر ذي الحجة ١٤٠٦هـ الموافق شهر آب «أغسطس» عام ١٩٨٦م. ص ١٠٦.
(٢) نشرة منظمة العفو الدولية عام ١٩٨٦: ص١.
[ ٧ / ٥٢٩١ ]