اتفق الفقهاء على أن الماء إذا خالطته نجاسة وغيرت أحد أوصافه أنه ينجس، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٤).
لكنهم اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه على قولين:
القول الأول: أن الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فهو طاهر،
_________________
(١) الدر المختار (١/ ٨٠)، المجموع (١/ ١٣٤)، الإنصاف (١/ ٤٨).
(٢) المغني (١/ ٣١).
(٣) الشرح المتع (١/ ٣٩).
(٤) المغنى (١/ ٢٣)، المجموع (١/ ١١٢).
[ ١ / ٢٣ ]
سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وهذه رواية عن مالك (١) وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، وبه قال بعض الشافعية (٣)، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) والشيخ محمد ابن صالح العثيمين (٥).
القول الثاني: أن الماء إذا خالطته النجاسة فلم تغير أحد أوصافه فإنه ينظر إلى الماء من حيث القلة والكثرة، فإن كان الماء قليلًا فإنه ينجس، وإن كان كثيرًا فإنه لا ينجس، وهذا مذهب الحنفية (٦) ورواية عن مالك (٧)، والمذهب عند الشافعية (٨)، والمشهور عند الحنابلة (٩).
الراجح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ وذلك لقوله - ﷺ -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١٠)، وهذا يشمل القليل والكثير، ولكن يستثنى من ذلك ما تغير بالنجاسة، فقد انعقد الإجماع على نجاسته، ولأن الأصل في المياه الطهارة ولا يعدل عنها إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ٤١).
(٢) الغني (١/ ٢٣).
(٣) المجموع (١/ ١١٢).
(٤) الاختيارات الفقهية (ص: ١٠)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٣).
(٥) الشرح الممتع (١/ ٤٦ - ٦٢).
(٦) بدائع الصنائع (١/ ٧١).
(٧) بداية المجتهد (١/ ٤١).
(٨) المجموع (١/ ١١٢).
(٩) المغني (١/ ٢٣)، ومراتب الإجماع، لابن حزم (ص: ٣٦). دار ابن حزم للنشر، بيروت، ط/ أولى ١٤١٩ هـ.
(١٠) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٦٢١٥)، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة برقم (٦٦)، والنسائيُّ في كتاب المياه، باب ذكر بئر بضاعة، برقم (٣٢٦).
[ ١ / ٢٤ ]
أما حديث القلتين (١) فيجاب عنه بما يلي:
أولًا: أنه حديث ضعفه كثير من أهل العلم؛ وذلك لاضطرابه.
ثانيًا: على اعتبار صحته فإن لحديث القلتين مفهومًا ومنطوقًا؛ فمنطوقه: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ومفهومه: أن ما دون القلتين ينجس، وهذا ليس على عمومه؛ لأنه يستثنى من ذلك: إذا كان الماء كثيرًا فتغيرت أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس.
ومن هنا يمكن الجمع بين الحديثين بأن يقال: ينجس إذا تغير ولا ينجس إذا لم يتغير؛ لأن منطوق حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" مقدم على مفهوم حديث القلتين.