اختلف الفقهاء في نجاسة دم الآدمي:
١ - فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى القول بنجاسته، إلا أنه يعفى عن يسيره، واستثنوا من ذلك دم الشهيد، فقالوا بطهارته ما دام عليه؛ لقوله - ﷺ - لقتلى أحد: "زَمِّلوهم بدمائهم؛ فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ في الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدم وريحه ريح المسك" (٥).
٢ - ذهب بعض الفقهاء إلى القول بطهارة دم الآدمي عدا دم الحيض والنفاس والاستحاضة، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة، ولا نعلم أنه - ﷺ - أمر بغسل الدم إلا دم الحيض مع كثرة ما يصيب الإنسان من جروح ورعاف وحجامة وغير ذلك، فلو كان نجسًا لبينه - ﷺ -؛ لأن الحاجه تدعو إلى ذلك.
_________________
(١) الاختيار شرح المختار (١/ ٨، ٣٠، ٣١).
(٢) حاشية الدسوقي (١/ ٥٧).
(٣) الإقناع، للشربيني (١/ ٨٢، ٨٣).
(٤) كشاف القناع (١/ ١٩٠، ١٩١).
(٥) أخرجه النسائي، في كتاب الجنائز، باب مواراة الشهيد في دمه، برقم (٢٠٠٢) وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٥ ]
٢ - أن المسلمين ما زالوا يصلون في جراحاتهم، كما ذكر ذلك الحسن البصري -﵀- وقد يسيل منهم الدم الكثير الذي ليس محلًا للعفو.
٣ - وروى أبو داود في سننه: "أن أحد الصحابة قام يصلي في الليل، فرماه المشرك بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد ومضى في صلاته وهو يموج دمًا" (١)، فلو كان الدم نجسًا لانصرف من صلاته، ولكن لعلمهم وفقههم بطهارته لم ينصرفوا من صلاتهم.
٤ - أن الآدمي أجزاؤه طاهرة، فلو قطعت يده لكانت طاهرة، وهذه اليد تحمل دمًا، وربما يكون الدم كثيرًا، فإذا كان العضو أو الجزء الذي يقطع من الإنسان طاهرًا وهو يعد ركنًا من بنية الإنسان، فالدم الذي ينفصل منه من باب أولى.