اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فذهب الحنابلة (٢) إلى أن جلد الميتة النجسة لا يطهر بالدباغ، ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس لا مائع، بشرط أن يكون الجلد لحيوان طاهر في الحياة، سواء كان مأكول اللحم كالشاة، أو لَا كالهرة.
وقد استدل الحنابلة بما رواه أحمد وغيره عن عبد الله بن حكيم قال: "أتانا كتاب النبي - ﷺ - وأنا غلام ألا تنتفعوا بإهاب ميتة ولا عصب" (٣).
وجه الدلالة عندهم من الحديث ما يلي:
١ - أن النهي يدل على التحريم.
٢ - ولأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن تطهيره.
٣ - ولأن الجلد جزء من الميتة فكان حرامًا، ولقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤)، فلم يطهر بالدبغ كاللحم (٥).
_________________
(١) سورة النحل: ٨٠.
(٢) المغني (١/ ٩٢)، الشرح الكبير (١/ ١٦٤)، الإنصاف (١/ ١٦٦).
(٣) أخرج أحمد (٤/ ٣١٠)، وأبو داود، في كتاب الحمام، باب من روى ألا ينتفع بإهاب الميتة، برقم (٤١٢٧)، (٤١٢٨)، والترمذيُّ، في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، برقم (١٧٢٩) وقال: حديثٌ حسنٌ
(٤) سورة المائدة: ٣.
(٥) الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٥٨).
[ ١ / ٤٢ ]
٢ - وذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) وهو رواية عن أحمد (٣) إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغ إلا جلد الخنزير والكلب؛ لنجاسة عينها، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والشيخ ابن العثيمين (٥)، دليل ذلك:
١ - ما رواه مسلم عن ابن عباس -﵄- قال: تُصدّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت فمر بها رسول الله - ﷺ - فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها" (٦).
٢ - وما روى أحمد وأبو داود والنسائيُّ عن ميمونة قالت: إن النبي - ﷺ - مر بشاة يجرونها فقال: "هلا أخذتم إهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: يطهرها الماء والقرظ" (٧).
٣ - وما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٨)، فهذه الأدلة تدل على طهارة جلد الميتة إذا دبغ.
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٣٦).
(٢) المجموع (١/ ٢١٤، ٢٢١، ٢٢٥).
(٣) المغني (١/ ٦٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٩٠).
(٥) الشرح الممتع (١/ ٩٨، ١٠٢).
(٦) أخرجه البخاريُّ، في كتاب البيوع، باب جلود الميتة قبل أن تدبغ برقم (٢١٠٨)، ومسلمٌ، في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (١/ ٢٧٦) برقم (٣٦٣) واللفظ لمسلم.
(٧) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٤)، وأبو داود، في كتاب، باب في أهب الميتة، برقم (٤١٢٦)، والنسائيُّ، في كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، برقم (٤٢٤٨).
(٨) أخرجه مسلمٌ في صحيحه، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة (١/ ١٥٩) برقم (٣٦٦).
[ ١ / ٤٣ ]