وأما الصلاة عليه في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوفين وغيرها فقد اختلف في أشتراطها لصحة الخطبة فقال الإمام الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما لا تصح الخطبة إلا بالصلاة على النبي - ﷺ -، وقال أبو حنيفة ومالك تصح بدونها وهو وجه في مذهب أحمد ثم اختلف في وجوبها في الثانية أيضًا ومذهب الشافعي الوجوب فيهما وأستدل للوجوب بقوله ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . وتفيير ابن عباس لذلك بقوله فلا يذكر إلا ذكر معه، وقول قتادة رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا مشهد ولا صاحب صلاة إلا ابتدأها اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وفي الاستدلال بهذا نظر لأن ذكره - ﷺ - هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالواحدانية وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا بل هو ركنها الأعظم لكن الدليل على مشروعية الصلاة على النبي - ﷺ - في الخطبة ما روي عن عون بن أبي جحيفة قال كان أبي من شرط علي - ﵄ - وكان تحت المنبر فحدثني يعني عن علي - ﵁ - أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - ﷺ - وقال خير هذه الأمة بعد نبيه أبو بكر والثاني عمر وقال يجعل الله الخير حيث شاء، أخرجه أحمد وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه كان يقول بعدما يفرغ من خطبة الصلاة ويصلي على النبي - ﵌ -
[ ٢٠٢ ]
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينة في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفيوق والعصيان أولئك هم الراشدون اللهم بارك لنا في أسماعنا وأزواجنا وقلوبنا وذريتنا أخرجه النميري ومحمد بن الحسن بن صفر الأسدي.
وعن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه حمدًا موجزًا وصلى على النبي - ﷺ - ووعظ الناس فأمرهم ونهاهم رواه الدارقطني من طريق ابن الهيعة. وعن أبي إسحاق يعني السبيعي أنه رآهم يستقبلون الإمام إذا خطب ولكنهم لا يسبتون إنما هو قصص وصلاة على النبي - ﷺ - أخرجه إسماعيل القاضي. وعن ضبة بن محصن أن أبا موسى الأشعري كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصل على النبي - ﷺ - دعا لعمر فأنكر عليه ضبة الدعاء لعمر قبل الدعاء لأبي بكر فرفع ذلك لعمر فقال لضبة أنا أوفق وأرشد قلت: قال ابن القيم فدل هذا على أن الصلاة على النبي - ﷺ - في الخطب كان أمرًا مشهورًا معروفًا عند الصحابة وأما وجوبها فلم نر فيه دليلًا يحبب المصير إلى مثله انتهى. وقرأت في مصنف المجد اللغوي ﵀ ويمكن أن يقال إنما أعتمد الشافعي فيه على فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم فإنه لم ينقل عن أحد منهم ولا ممن يعدهم خطبة في أمر مهم فضلًا عن الجمعة إلا بدأ فيها بالحمد والصلاة وكان السلف يسمون الخطبة بغير الصلاة على النبي - ﷺ - البتيراء. قال أصحابنا وكما أن الصلاة ركن في الخطبة الواجبة فكذلك هي ركن في المستحبة كخطبتي العيدين والكسوفين ولم يتعرضوا لاشتراطها في الحج والله أعلم. وقد روي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال خطبنا أمير بالمدينة يوم الجمعة فأنسى الصلاة على النبي - ﷺ - فلما أنقضت خطبته ونهض إلى الصلاة صاح الناس عليه من كل جانب فتقدم إلى مصلاة فأتم الصلاة فلما قضاها كر راجعًا إلى المنبر فرقيه وقال إيها الناس إن الشيطان لا يدع أن يكيد إبن آدم في كل وقت وقد كادنا في يومنا هذا فأنسانا الصلاة على نبينا - ﷺ - فأرغموا انفه بالصلاة عليه اللهم صل على محمد كثيرًا كما تحب وترضى أن يصلي عليه أخرجه ابن بشكوال. قلت: وقد اختلف في وجوب الصلاة على الآل أيضًا والوجه الاستحباب والله أعلم.
[ ٢٠٣ ]