أن محمد هو اشهر اسمائه - ﷺ - وقد تكرر في القرآن في قوله، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿محمد رسول الله﴾ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ .
وهو منقول من صفة الحمد وهو بمعنى محمود وفيه معنى المبالغة وقد أخرج البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وسمي بذلك لأنه محود عند الله ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عن أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محموة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحودًا وعنادًا أو جهلًا باتصاله بها - ﷺ - أختص من مسمى الحمد بما لم يحتمع لغيره فإن اسمه محمد وأحمد وأمته الحمادون، يحمدون الله على السراء والضراء، وحمد ربه قبل أن يحمده الناس وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبه مفتحة بالحمد، هكذا كان في اللوح المحفوظ عند الله، أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتحًا بالحمد، وبيده - ﷺ - لواء لحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين ربه للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبط به الآخرون والأولون وقد قال تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم، أولهم وآخرهم فجمعت له معاني الحمد وأنواعه - ﷺ -
[ ٧٧ ]
وهو - ﷺ - محمود بما ملأ به الأرض من الهدى والإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح وفتح به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنفذهم من أسر الشيطان ومن الشرك بالله والكفر به، والجهل به ةحتى نال به أتباعه شرف الجنيا والآخرة، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كاونا إليها واغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم، وأحيي به الخليقة بعد الموت. وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به بعد القلة وأغنى به بعد العيلة، ورفع به بعد الخمالة، وسمى به بعد القلة وأغنى به بعد العيلة، ورفع به بعد الخمالة، وسمى به بعد النكرة، وجمع به بعد الفرقة، والف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وفتح أعينا عميا، وآذانا صما، وقولوبًا غلفًا، فعرفا الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن يناله قواهم من المعرفة، وابدأ وأ'اد وأختصر وأطنب في ذكر اسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه حتى نجلت معرفته في قلوب عبادة المؤمنين، وأنجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب عن القمر ليلة ابداره ولم يدع لامته حاجة في هذا التعريف غيره لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تلكم من الأولين والآخرين بما أوتيه من جوامع الكلم وبدائع الحكم، أو لم يكفهم ذلك أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم أن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون.
ومن صفته - ﷺ - في التوارة، محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بلفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفي ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعينا عمياء وآذانًا صماء وقلوبًا غلفا حتى يقولوا لا إله إلا الله وهو أرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله تعالى وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ، الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل باصعافه، وأشدهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفيه، وأشد الخلق ذبًا عن اصحابه وحمية لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يؤملا به وأتركهم لم
[ ٧٨ ]
ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه إلى غير ذلك مما يحل عن الوصف ولا يمكن حصره - ﷺ - تسليمًا كثيرًا.
فائدة: قال القاضي عياض قد حمى الله هذين الأسمين محمد وأحمد لأن يتسمى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الذي ذكر في الكتب وبشر به عيسى ﵇ فمنه الله بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعي به مدعو قبله حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب، وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبيا يبعث اسمه محمد فيمي قوم قليل من العرب ابناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ثم ذكر ستة ممن سمي بذلك وقال لا سابع لهم ثم قال ومع ذلك فحمى الله تعالى كل من سمي به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه سبب يشكك في أمره حتى تحققت السمتان له - ﷺ - ولم ينازع فيهما انتهى.
وذكر أبو عبد الله بن خالوية في كتاب ليس والسهلي في الروض أنه لا بعرب في العرب من يسمى محمدًا قبل النبي - ﷺ - إلا ثلاثة، قال شيخنا وهو حصر مردود، والعجب أن السهيلي متأخر الطبقة عن عياض ولعله لم يقف على كلامه وقد جمعت اسماء من تسمى بذلك في جزء منفرد فبلغوا نحو العشرين لكن معى تكرير في بعضهم، وهو في بعضهم فيتلخص منهم خمسة عشر نفيًا وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة بن سوأة بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تيم التميمي السعدي، ومنهم محمد بن احيحة بن الجلاح، ومحمد بن أسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر ومحمد بن البراء وقيل البرين (ع) وطريف بن عتوراة ابن عامر، بن ليث بن بكر عبد مناة بن كنانة البكري بن العتوار (ع) ومحمد بن الحارث بن خديج بن حويص (ص) ومحمد بن حرماز بن مالك اليعمري، ومحمد بن حمران بن أبي حمران ربيعة بن مالك الجعفي المعروف بالويعر (ع ص) ومحمد بن خزاعي بن علقمة بن حزابة السلمي من بني ذكوان (ع)، ومحمد بن خولى الهمداني (ع) ومحمد بن سفيان بن مجاشع (ع ص)، ومحمد بن يحمد الأزدي، ومحمد بن يزيد بن عمر بن ربيعة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقمي
[ ٧٩ ]
ولم يدركوا الإسلام إلا الأول، ففي سياق خبره ما يشعر بذلك، وإلا الرابع فهم صحابي وفيمن ذكره عياض محمد بن مسلمة الأنصاري، وليس ذكره بجيد فإنه ولد بعد النبي - ﷺ - بأزيد من عشرين سنة لكنه قد ذكر تلو كلامه المقدم محمد بن يحمد الماضي فصار من عنده ستة لأسابيع لهم وقد رقمت على اسمائهم صورة (ع) وعلى اسماء من ذكرهم السهيلي وهم ثلاثة صورة (ص) وبالله التوفيق.
وقد ذكر العلماء هنا لطيفة وهو أنه لما كان سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله أكبر أفضل كلام الآدميين، وأفضل الأذكار على الإطلاق أحمد لأنه الجامع لمعاني الأربعة وفيه ما في الثلاثة وزيادة فهم أعمها لأن التسبيح مقام تنزيه وهو لنفي النقائص والتهليل مقام توحيد وهو لنفي الشريك والتكبير تحقيق أن الله ﷾ امن المحامد وراء ما قلناه وفوق ما ادركناه من التنزية والتوحيد وإثبات الصفات الكاملة ما لا يدكه ولا يمكن لبش الوصول إليه، ولهذا كان التكبير مطلقًا من غير نسبة إلى شيء هو أكبر من كل شيء يخطر بالبال أو يمر بالخيال إذ لا يدرك بوجه ولا يفهم بحال، وأحمد يستكمل إثبات جميع المحامد فيدخل فيه كل ذكر من التنزية والتوحيد، وإثبات صفات الكمال، ونفي جميع النقائص وإثبات ما تقصر العقول عن تفصيله وإدراكه فلهذا كانت كلمة أحمد أعم الأربعة معنى وأتم تمجيدًا فاختصت هذه الأمة بالحمد كما أختص نبينا به - ﷺ - وحعل لواءه لواء الحمد هو اللواء الجامع الذي دخل تحته آدم ومن دونه، ومما يدل على عظم موقع الحمد أن الله تعالى يلهم نبيه حين يخر ساجدًا ولله الحمد.