قال ابن عبد السلام في قواعده فإن قيل: أيهما أفضل النبوة أو الإرسال قلت النبوة أفضل لأن النبوة أخبار عما يستحقه الرب سبحانه تعالى من صفات الإجلال ونعوت الكمال وهي متعلقة بالله تعالى من طرفيها والإرسال دونها لأنه أمر بالإبلاغ إلى العباد فهم متعلق بالله من أحد طرفيه أفضل مما تعلق به من أحد طرفيه والنبوة
[ ٣٩ ]
سابقة على الإرسال فإن قوله سبحانه لموسى ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ متقدم على قوله ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ فجميع ما تحدث به قبل قوله ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ نبوة وما أمر به بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال.
والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعرف بالاله وبما يجب للاله والإرسال راجع إلى أمره الرسول بأن يبلغ عنه إلى عبادة أو إلى بعضهم ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته وإجتناب معصيته انتهى، ويحتاج إلى تأمل، ومنها أنه غير فيها بقوله وملائكته ولم يقل والملائكة لعدم الفرق بين الصيغتين فإن كلا منهما يفيد العموم والأولى تعرفت بالإضافة التي جاءت للتشريف والتعظيم، والثانية بال وقيل أن في الآية حذفًا تقديره أن الله يصلي وملائكته يصلوا والله أعلم.
والملائكة لا يحصي عددها إلا الله ﷿ لأن منهم الملائكة المقربين وحملة العرش وسكان سبع سموات أو خزنة الحنة والنار والحفظة على أعمال بني آدم كما في قوله يحفظونه من أمر الله والموكلين بالبحار والسحاب والامصار والأرحام والنطف والتصوير ونقخ الأرواح في الأجساد وخلق النبات وتصريف الرياح وجري الأفلاك والنجوم وإبلاغ صلاتنا على رسول الله - ﵌ - زكتابة الناس يوم الجمعة والتأمين على قراءة المصلين وقول ربنا ولك الحمد. والداعين لمنتظر الصلاة واللاعنين لمن هجرت فراش زوجها إلى غير ذلك مما وردت به الأحاديث الصحيحة وغيرها وأكثر ذلك موجود في كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حيان الحافظ.
وفي تفيير الطبري من طريق كنانة العدوى أن عثمان سأل النبي - ﷺ - عن عدد الملائكة الموكلين بالآدمي فقال: لكل آدمي عشرة ملائكة بالليل وعشرة بالنهار. وواحد عن يمينه وآخر عن شماله وأثنان من بين يديه ومن خلفه وأثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد، وأثنان على جبينه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه إن تكبر وضعه والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه: يعني إذا نام. وقيل إن كل إنسان معه ثلاثمائة وستون ملكًا وليس في العالم العلوي والعالم والسفلي مكان إلا وهو معمور بالملائكة الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ
[ ٤٠ ]
مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقد ثبت في المستدرك للحاكم من حديث عبد الله بن عمرو وإن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل الملائكة تسعة أجزاء وجزأ سائر الخلق الحديث، وفي حديث المعراج المتفق على صحته أن البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم.
وفي حديث أبي ذر عند الترمذي وإبن ماجة والبزار مرفوعًا اطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك واضع جبهته ساجدًا الحديث، وفي جابر مرفوعًا عند الطبراني ونحوه من حديث عائشة عند الطبراني ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ومعلوم أن الجميع يصلون على سيدنا رسول الله - ﷺ - بنص القرآن حيث كانوا وأين كانوا وهذا مما خصه الله به دون سائر الأنبياء والمرسلين.
ومنها أنه تعالى قال فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولم يقل الناس وإن كان الكفار مخاطبين بالفروع الإسلامية على الصحيح لأن الصلاة عليه - ﷺ - من آجل القرب فخص بها المؤمنون. قلت وقد استثنى شيخ الإسلام البلقيني من قولهم الكفار مخاطبون بفروع الشريعة مسائل منها معاملتهم الفاسدة المقبوضة. ومنها أنكحتهم الفاسدة، ومنها عدم الحد في شرب الخمر، ومنها كل خطاب جاء فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا يدخل الكفار فيه والله أعلم.
تنبيهان: أحدهما قد كثر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون الصلاة وأجاب الفاكهاني بما حاصله أن الصلاة مؤكدة بأن وكذا باعلامه تعالى أنه تعالى يصلص عليه وملائكته ولا كذلك السلام فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه. وأجاب شيخنا رحمه الله تعالى بجواب آخر ملخصه أنه لما وقع تقديم الصلاة على السلام في اللفظ وكان للتقديم مزية في الإهتمام حسن إن يؤكد السلام لتأخر مرتبته في الذكر لئلا يتوهم قلة الإهتمام به لتأخره، ورأيت في كتاب ابن بنون أن السلام قد جاء ما يتضي تأكيده مثل قوله ﵇ أن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام، وقوله إذا سلم علي أحد رد الله علي روحي وفي هذا نظر والعلم عند الله تعالى.
[ ٤١ ]