فيمكن أن يقال والله أعلم إن الساكت قد يكون مستحضرًا بقلبه للذكر فيعد ذاكرًا ولا كذلك للفاضل فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق فكل غافل ساكت من غير عكس، إن أريد بالفاعل من أغفل ذلك بقلبه ولسانه، ويحتمل أن يكون المراد بالغافل ههنا النائي عن طريق الحق كقوله الذين كذبوا باياتنا وكانوا عنها غافلين، والله أعلم، إذا علم هذا فلنرجع إلى تتمة المقالة الأولى.
قال الشافعي - ﵁ - والأفضل أن يقول يعني في التشهد اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ونقله النووي في شرح المهذب عن الشافعي والأصحاب وقال أنه الأولى لكنه قال وعلى آل إبراهيم في الموضعين بزيادة على وهي ثابتة في رواية ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي، وقال النووي في شرح المهذب أيضًا ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته ما صليت على إبراهيم على آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وقال في الأذكار مثله وزاد عبدك ورسولك بعد قوله محمد في صل ولم يزدها في بارك. وقال في التحقيق والفتاوى مثله إلا أنه أسقط النبي الأمي في وبارك.
قال شيخنا، وفاته اشياء لعلها توازي قدر ما زاده وتزيد عليه، منها قوله: أمهات المؤمنين بعد قوله أزواجه، ومنها وأهل بيته بعد قوله وذريته، وقد ورد في حديث أبي مسعود عند الدارقطني، ومنها عبدك ورسولك في بارك ومنها في العالمين في الأولى، ومنها إنك حميد مجيد، قيل وبارك، ومنها اللهم صل وبارك فإنهما ثبتا معًا في رواية النسائي، ومنها وترحم على محمد إلى آخره، ومنه في آخر التشهد
[ ٦٩ ]
وعلينا معهم وهي عند الترمذي والسراج كما تقدم وتعقب ابن العربي هذه الزيادة فقال هذا شيء تفرد به زائدة فلا يعول عليه، فإن الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافًا كثيرًا ومن جملته أنهم أمته فلا يبقى للتكرار فائدة، واختلفوا أيضًا في جواز الصلاة على غير الأنبياء فلا نرى أن نشرك في هذه الخصوصية مع محمد وآله أحدًا وتعقبه العراقي في شرح الترمذي بأن زائدة من الإثبات فأنفراده لو أنفرد لا يضر مع كونه لم يفرد فقد أخرجها إسماعيل القاضي في الصلاة له من طريقين عن يزيد ابن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ويزيد استشهد به مسلم وهي عند البيهقي في الشعب من حديث جابر كما تقدم وإما الإيراد الأول فإنه مختص بمن يرى أن معنى الآل كل ألمة ومع ذلك فلا يمتنع أن يعطف الخاص على العام ولا سيما في الدعاء.
وأما الإيراد الثاني فلا نعلم من منع ذلك تبعًا وإنما الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا وقد شرع الجعاء للآحاد بما دعا به النبي - ﷺ - لنفيه في حديث اللهم أني اسألك منه محمد وهو حديث صحيح أخرجه مسلم انتهى ملخصًا، والزيادة المذكورة أيضًا في حديث ابن مسعود كما تقدم وقد تعقب الأسنوي ما قاله النووي فقال لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه، وقال الأذرعي لم يسبق إلى ما قاله والذي يظهر أن الأفضل لمن يتشهد أن يأتي بأكمل الروايات ويقول كل ما ثبت هذه مرة وهذه مرة وإما التلفيق فإنه يستلزم أحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد انتهى.
قال شيخنا وكأنه أخذه من كلام ابن القيم فإنه قال هذه الكيفية لم يرد مجموعة في طريق من الطرق والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة فإن الغالب على الظن أنه - ﷺ - لم يقله كذلك، وقال الأسنوي أيضًا كان يلزم الشيخ أن يجمع الأحاديث الواردة في التشهد، واجب بأنه لا يلزم من كونه لم يصرح لذلك أن لا يلزمه، وقال ابن القيم أيضًا قد نص الشافعي على أن الاختلاف في الفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءة ولم يقل أحد من الأئمة
[ ٧٠ ]
باستحباب التلاوة بجميع الالفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرن انتهى.
قال شيخنا والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الأخير أجزأ سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين فالأولى الإقتصار في كل مرة عن أحدهما وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس في الآخر البتة فالأولى الإتيان به ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر وإن كان يزيد على الأخر في المعنى شيئًا ما فلا بأس بالإتيان به احتياطًا وقالت طائفة منهم الطبري إن ذلك من الاختلاف المباح فأي لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه. وأستدل على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة فذكر ما نقل عن علي وهو حديث موقوف طويل تقدم إيراده، وحديث ابن مسعود الموقوف وقد ذكر بعد حديث ععلي أيضًا ييسير والله أ'لم، وقد استدل بحديث كعب وغيره على تعيين اللفظ تالذي علمه النبي - ﷺ - لاصحابه في امتثال الأمر سواء قلنا بالوجوب مطلقًا أو مقيدًا بالصلاة، فأما تينه بالصلاة فعن أحمد فيه رواية والأصح عند اتباعه أنه لا يجب هذا بل تجزى الصلاة على النبي - ﷺ - في الأصح من الوجهين.
واختلف في الأفضل فعن أحمد أنه لا يجب كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وعنه أيضًا يخير وعنه أيضًا غير ذلك، وأما الشافعية فقالوا يكفي أن يقول اللهم صل على محمد وأختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك كأن يصلي بلفظ الخبر فيقول صلى الله على محمد مثلًا والأصح أجزاؤه وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائز بطريق الأولى ومن منع وقف عند التعبد وهو الذي رجحه ابن العربي بل كرمه يدل على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي - ﷺ - لإنما يحصلم لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة وأتفق أصحابنا على أنه لا يجزي أن يقتصر على الخبر كأن يقول الصلاة على محمد إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله واختلفوا في تعيين لفظ محمد لكن جوزوا الإكتفاء بالوصف دون الأسم كالنبي ورسول الله لأن لفظ محمد وقع التعبد به فلا يجزي عنه إلا ما كان أعلا منه ولهذا قالوا لا يجزي الإتيان بالضمير ولا بأحمد مثلًا في الأصح فيهما مع ما تقدم ذكره في التشهد بقوله النبي وبقوله محمد.
[ ٧١ ]
وذهب الجمهور إلى الأجزاء بكل لفظ أدى المراد من الصلاة على النبي - ﷺ - حتى قال بعضهم لو قال في أثناء التشهد الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزاه وكذا لوقال اشهد أن محمدًا - ﷺ - عبده ورسوله أجزاه بخلاف ما إذا قدم عبده ورسوله. قال شيخنا وينبغي أن يبنى على أن ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط وهو الأصح ولكن دليل مقابلة قوي لقولهم كما يعلمنا السورة من القرآن، وقال ابن مسعود عدهن في يدي، قال ورأيت لبعض المتأخرين فيه تصنيفًا وعمدة الجمهور في الإطتفاء بما ذكر أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم النبي - ﷺ -، واختلف النقل لتلك الألفاظ وأقتصر على ما أتفقت عليه الروايات وترك ما زاد على ذلك كما في التشهد إذ لو كان المتروك واجبًا لما سكت عنه انتهى وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في الأقليد فقال جعلهم هذا هو الأقل يحتاج إلى دليل على الإكتفاء بمسمى الصلاة فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الإقتصاد والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة وأقل ما وقع في الروايات اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم ومن ثم حكى الفوراني عن صاحبه الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين كما سأذكره وأحتج لمن يوجبه بأنه ورد بدون ذكره حديث وزيد بن خارجه عند النسائي بسند قوي ولفظه صلوا علي وقوله اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد قال شيخنا وفيه نظر لأنه من اختصار بعض الرواة فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه تامًا وكذا الطحاوي كما أشير إليه فيما مضى وبالله التوفيق.