[الأولى إن رده مختص بمن سلم عليه حال زياراته أم لا]
وهذه فوائد نختم بها الباب الرابع: الأولى: روينا عن أبي عبد الرحمن المقري إن رده - ﷺ - مختص بمن سلم عليه حال زيارته قلت: وفي ذلك نظر لعموم الحديث المذكور فدعوى التخصيص إلى دليل لا سيما وشواهد هذا المعنى كثيرة وأيضًا كما قيل إذا جوز رده - ﷺ - على من يسلم عليه من الزائرين لقبره جوز رده على من يسلم عليه من جميع الآفاق انتهى وأنشد بعضهم قوله:
الا أيها الفادي إلى يثرب مهلا لتحمل شوقا ما أطيق له حملًا
تحمل دعاك الله مني تحية وبلغ سلامي روح من طيبة حلًا
وقف عند ذاك القبر في الروضة التي تكون يمينًا للمصلى إذا صلى
وقم خاضعًا في مهبط الوحي خاشعًا وخفض هناك الصدر وأسمع لما يتلى
[ ١٦٨ ]
وناد سلام الله يا قبر أحمد على جسد لم يبل قبل ولا يبلا
تراني أراني عند قبرك واقفًا يناديك عبد ما له غيركم مولى
وتسمع عن قرب صلاتي كمثل ما تبلغ عن بعد صلاة الذي صلى
أناديك يا خير الخلائق والذي به ختم النبيين والرسلا
نبي الهدى لولاك لم يعرف الهدى ولولاك لم نعرف حرامًا ولا حلًا
ولولاك لا والله ما كان كائن ولم يخلق الرحمن جزأ ولا كلا
[الثانية في تحقيق قوله ارمت]
الثانية: قوله في الحديث أرمت هو بفتح الهمزة والراء وسكون الميم وفتح التاء المخففة، وزن ضربت قا الخطابي أصله أرمتت أي صرت رميمًا فحذفوا إحدى الميمين وهي لغة لبعض العرب كما قالوا ظلت أفعل أي ظللت، في نظائر لذلك كثيرة وقال غيره إنما هو أرمت بفتح الهمزة والراء والميم المشددة وإسكان التاء أي أرمت العظام وقيل أنه يروي بضم الهمزة وكسر الراء وقيل غير ذلك والله أعلم.
[الثالثة في تحقيق مقدار كثرة الصلاة]
الثالثة قوله أكثروا: قال أبو طالب المكي صاحب القوت أقل ذلك ثلاثماية مرة قلت ولم أقف على مستنده في ذلك ويحتمل أن يكون تلقي ذلك عن أحد من الصالحين إما بالتجارب أو بغيره، أو يكون ممن يرى بأن الكثرة أقل ما يحصل بثلاثماية كما حكوا في المتواتر قولًا إن أقل ما يحصل التواتر ثلثماية عشر وبعضه يكون هنا قد الغي الكسر الزائد على المئتين والعلم عند الله تعالى.
[الرابعة كفى بالعبد شرفًا أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله]
الرابعة كفى بالعبد شرفًا أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله - ﷺ - فقد قيل في هذا المعنى:
ومن خطرت منه ببالك خطرة حقيق بأن يسمو وأن يتقدما
[ ١٦٩ ]
وقال آخر:
أهلًا بما لم أكن أهلًا لوقعه قول المبشر بعد اليسأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ذكرت ثم على ما فيك من عوج
قلت وقد أخبرني بعذ الثقات من أصحاب الشيخ أحمد بن رسلان وغيره من الأولياء المعتبرين ختم الله لنا وله بالصالحات أنه رأس رسول الله - ﷺ - في المنام وإنه أحضر إليه هذا الكتاب ووضعه بين يديه وأقره - ﷺ - على ذلك في منام طويل فتزايد به سروري بذلك وترجيت حصول القبول له من الله تعالى ورسوله ومزيد الثواب في الجارين إن شاء الله تعالى، فأكثر من ذكر نبيك باحسان وأدم الصلاة عليه بالجنان واللسان فإن صلاتك تبلغه وهو في ضريحه واسمك معرضو على روحه - ﷺ -.
[الخامسة في معنى قوله - ﷺ - لا تجعلوا قبري عيدًا]
الخامسة قال صاحب سلاح المؤمن قوله ﵊ لا تجعلوا قبري عيدًا يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارته ولا يجعل كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين ويؤيد هذا قوله - ﷺ - لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلي فيها انتهى، وفي هذا نظر والظاهر أنه - ﷺ - إنما أشار بذلك إلى ما في الحديث الآخر من نهيه عن إتخاذ قبره مسجدًا أو يكون المراد بقوله لا تجعلوا قبري عيدًا أي من حيث الإجتماع وقد تقدم في أحاديث الباب ما يقرب من هذا وذكر بعض شراح المصابيح ما نصه في الكرم حذف تقديره لا تجعلوا زيارة قبري عيدًا ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته ﵊ اجتماعهم للعيد وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور انبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب فنهى النبي - ﷺ - أمته عن ذلك وقيل يحتمل أن يكون نهيه ﵊ لرفع المشقة عن أمته أو لكراهة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره غاية التجاوز، قلت والحث على زيارة قبره الشريف قد جاء في عدة أحاديث لو لم يكن منها إلا وعد الصادق المصدوق - ﷺ - بوجوب الشفاعة وغير ذلك
[ ١٧٠ ]
لزائره لكان كافيًا في الدلالة على ذلك وقد أتفق الأئمة من بعد وفاته - ﷺ - إلى زماننا هذا على أن ذلك من أفضل القربات. وقال شيخ الإسلام أبو الحسن السبكي في شفاء الأسقام له أعنمد جماعة من الأئمة على هذا الحديث يعني ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي الحديث في إستحباب زيارة قبر النبي - ﷺ - قال وهو أعتماد صحيح لأن الزائر إذا سلم وقع الرد عليه عن قرب وتلك فضيلة مطلوبة يسرها الله لنا عودًا على بدء وقوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا واختلف العلماء في معناه فترجم له البخاري كراهة الصلاة في المقابر فدل على أن معناه لا تجهلوها كالمقابر التي تكره الصلاة فيها.
وقال غيره بل معناه أجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا لأن العبد إذا مات وصار في قبره لم يصل ولم يعمل وهذا هو الظاهر وقال ابن الأثير أنه أوجه وسبقه ابن قرقول فقال في المطالع أنه أولى لقوله في الحديث الآخر أجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا وقد قال ابن التيمن تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعه على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذا الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور إلى أخر كلامه. ويحتمل أيضًا أن المراد النهي عن دفن الموتى في البيوت وقواه شيخنا وقال أنه ظاهر لفظ الحديث لكن قال الخطابي أنه ليس بشيء فقد دفن رسول الله - ﷺ - في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته وتعقبه الكراماني بأن ذلك من خصائصه وأشار إلى ما ورد، ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، وقال الخطابي أيضًا يحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط لا يصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي، وقال التوريشي مع ذكر الإحتمالات الثلاثة السابقة يحتمل أيضًا أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفيه كالميت وبيته كالقبر انتهى وقد ورد ما يؤيد هذا ففي صحيح مسلم مثل البيت الذي يذكر الله فيه. والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت والله أعلم.
[السادسة: رسول الله جي على الدوام]
يؤخذ من هذه الأحاديث أنه - ﷺ - حي على الدوام وذلك أنه
[ ١٧١ ]
محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم عليه في ليل ونهار ونحن نؤمن ونصدق بأنه - ﷺ - حي يرزق في قبره وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا، وزاد بعض العلماء، الشهداء والمؤذنين وقد صح أنه كشف عن غير واحد من العلماء والشهداء فوجدوا لم تتغير أجسامهم حتى الحنا وجدت في بعضهم لم يتغير عن حالها والأنبياء أفضل من الشهداء جزمًا قلت وقد جمع البيهقي جزأ في حياة الأنبياء في قبورهم وأستدل بغالب ما تقدم وبحديث أنس، الأنبياء أحياء في قبورهميصلون أخرجه من طريق يحيى بن أبي بكير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج ابن الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت البناني عنه وأخرجه أيضًا أبو يعلي في مسنده من هذا الوجه وكذا البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهو والصواب حجاج بن الأسود كما صرح البيهقي في روايته وصححه البيهقي وأخرجه أيضًا من طريق الحسن بن قتيبة عن المستلم وكذا أخرجه البزار وابن عدي والحسن ضعيف وأخرجه البيهقي أيضًا من رواية محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة عن ثابت بلفظ آخر قال إن الأنبياء لا يتركون قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور، ومحمد سيء الحفظ. وذكر الغزالي ثم الرافعي حديثًا مرفوعًا انا كرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث ولا أصل له، إلا أن أخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه وليس الأخذ بجيد كما قاله شيخنا لأن رواية ابن أبي ليلى قابلة للتأويل. قال البيهقي إن صح فالمرؤاد إنهم لا يتركون يصلون إلا هذا القدر ثم يكونون مصلين بين يدي الله قال وشاهد الحديث الأول ما ثبت في صحيح مسلم من رواية حماد بن سلمة عن أنس رفعه مررت بموسى ليلة اسرى بي عند الكثيب وهو قائم يصلي في قبره وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن أنس فإن قيل: هذا خاص بموسى قلنا قد وجدنا له شاهدًا من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن معنى الحديث وفيه وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه رجل من أزدشنئوة وفيه إذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود وإذا إبراهيم قائم يصلي اشبه
[ ١٧٢ ]
الناس به صاحبكم فحانت الصلاة فأمنتهم قال البيهقي وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس.
وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة المعراج أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء بالسموات فكلمهم وكلموه وكل ذلك صحيح لا يخالف بعضه فقد يرى موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره ثم يسري بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسرى نبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السموات كما عرج نبينا فيراهم فيها كما أحبر قال وحلولهم في أوقات مختلفة جائز في العقل كما ورد به خبر الصادقوفي كل ذلك دلالة على حياتهم انتهى.
ومن أدلة ذاك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فإن الشهادة حاصلة له - ﷺ - على أتم الوجوه لأنه شهيد الشهداء. وقد صرح ابن عباس وابن مسعود وغيرهما - ﵃ - بأنه - ﷺ - مات شهيدًا والله الموفق. وعن الحسن البصري مرفوعًا لا تأكل الأرض جسد من كلم روح القدس وهو مرسل حسن فإن قلت فقوله إلا رد الله علي روحي لا يلتئم مع كونه حيًا على الجوان بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم بل يتعدد السلام عليه في الساعة الواحدة كثيرًا، فالجواب كما قال الفاكهاني وغيره أن نقول المراد بالروح هنا النطق مجازًا فكأنه - ﷺ - قال الا يرد الله إلى نطقي وهو ﷺ حي على الدوام لكن لا يلزم من حياته النطق فالله ﷾ يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم عليه وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة فعبر - ﷺ - بأحد المتلازمين عن الأخر. ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين بدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، وكمت قالوا أيضًا في قوله: "يغان على قلبي أنه ليس المراد به وسوسة ولا ريث وإن كان أصل الغين ما يتغشى القلب ويغطيه" إنما أشار بذلك إلى ما يحصل له من السهو والفترة عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق بما كلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة مع ملازمة طاعة ربه وعبادة خالقه في ذلك كله كما بسطه
[ ١٧٣ ]
عياض في الشفا وأجاب البيهقي بما حاصله أن المعنى ألا وقد رد الله علي روحي، يعني أن النبي - ﷺ - عقب ما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل سلام من يسلم عليه، وأستمرت في جسده - ﷺ - إلا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد، وأجاب بعض العلماء بتسليم ظاهره لكن بدون فزع ولا مشقة. وقال غيره أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك. وأجاب السبكي الكبير بجواب آخر حسن جدًا فقال يحتمل أن يكون ردًا معنويًا وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم ليدرك سلام من يسلم عليه ويرد عليه، وحينئذ فقد حصلنا على خمسة أجوبة في ثالثها وقفة وقد استشكل الأخير من جهة أخرى وهو يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة عليه والسلام في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة والله أعلم.
[السابعة في معنى في أثر ابن شهاب]
السابعة قوله في معنى في أثر ابن شهاب يؤديان عنكم هو بكسر الدال المهملة المشدةة أي أن الليلة واليوم يؤديان ذلك عنكم، وقوله فيه أنه بكسر الهمزة والله أعلم.
[ ١٧٤ ]