وقال سفيان الثوري يكره أن يصلي على غير النبي - ﷺ - أخرجه البيهقي، وفي رواية أخرجها هو وعبد الرزاق أيضًا يكره أن يصلى إلا على نبي وجاء عن عمر بن عبد العزيز فيما رويناه في فضل الصلاة لإسماعيل القاضي وأحكام القرآن له من طريق أبي بكر بن أبي شيبة بإسناد حسن أو صحيح أن عمر كتب أما بعد فإن ناسًا من الناس قد التمسوا عمل الدنيا بعمل الأخرة وإن ناسًا
[ ٦٢ ]
من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وامرائهم عدل صلاتهم على النبي - ﷺ - فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين خاصة وعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك. قلت وقد قال عياض في هذه المسألة أعني هل يصلي على غير الأنبياء عامة، أهل العلم على الجواز، ووجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك، لا يجوز أن يصلي إلى على محمد وهذا غير معروف عن مالك وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن تتعدى ما أمرنا به، وخالفه يحي ين يحيفقال: لا بأس به وأحتج بأن الصلاة دعلء بالرحمة فلا تمنع إلا بنص أو إجماع، قال عياض والذي أميل إليه قول مالك وسفيان وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء قالوا يذكر غير الأنبياء بالرضى والغفران، والصلاة على غير الأنبياء يعني استقلالًا لم يكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم انتهى.
وما حكي عن مالك من أنه لا يصلي على غير الأنبياء أوله أصحابه بمعنى أنا لا تتعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء كما قد تعبدنا بالصلاة عليه - ﷺ -، إذا عرف هذا فقد قال شيخنا أنه لا يعرف في الصلاة على الملائكة حديثًا نصًا وإنما يؤخذ ذلك الذي قبله يعني صلوا على أنبياء الله ورسله أن ثبت لأن الله تعالى سماهم رسلًا، نعم قد اختلف في الصلاة على المؤمنين فقيل لا يجوز إلا على النبي - ﷺ - خاصة، وحكي عن الإمام مالك كما تقدم وقالت طائفة لا يجوز مطلقًا استقلالًا ويجوز تبعًا فيما ورد به النص أو الحق به لقوله تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ولأنه لما علمهم السلام قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته.
وهذا القول أختاره القرطبي في المفهم وأبو المعالي من الحنابلة وهو اختيار ابن تيمية من المتأخرين فحينئذ لا يقال قال أبو بكر - ﷺ - وإن كان معناه صحيحًا ويقال صلى الله على النبي وعلى صديقه أو خليفته ونحو ذلك، وقريب من هذا أنه لا يقال قال محمد ﷿ وإن كان معنها صحيحًا لأن هذا الثناء صار شعار الله سبحانه فلا يشاركه غيره فيه، وقالت طائفة يكره استقلالًا لا تبعًا وهي
[ ٦٣ ]
رواية عن أحمد وقال الثوري هو خلاف الأولى، وقالت طائفة يجوز تبعًا مطلقًا ولا يجوز استقلالًا وهذا قول أبي حنيفة وجماعته، وقال أبو اليمن بن عساكر: وقالت طائفة يجوز مطلقًا وهو مقتضي صنيع البخاري حيث صدر بالآية وهي قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم علق الحديث الدال على الجواز مطلقًا وعقبه بالحديث الدال على الجواز تبعًا وذلك لما ترجم باب هل يصلي على غير النبي - ﷺ -، أي استقلالًا أو تبعًا فدخل في الغير الأنبياء والملائكة والمؤمنون قل شيخنا وأشار بالحديث الجال على الجواز إلى حديث عبد الله بن أبي أوفى في قوله - ﷺ - اللهم صل على آل أبي أوفى في قوله - ﷺ - اللهم صل على آل أبي أوفى وقد وقع مثله عن قيس بن سعد بن عباجة أن النبي - ﷺ - رقع يديه وهو يقول اللهم أجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة أخرجه أو داود والنسائي وسنده جيد.
وفي حديث جابر أن امرأة قالت للنبي - ﷺ - صل علي وعلى زوجي ففعل أخرجه أحمد مطولًا ومختصرًا وصححه ابن حبان وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد ونص عليه أحمد في رواية أبي داود وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبراني، واحتجوا بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا أن الملائكة تقول لروح المؤمن صلى الله عليك وعلى جسدك، وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله ورسوله ولهما أن يخصا من شاء بما شاء وليس كذلك لأحد غيرهما إلا بأذنهما ولم يثبت عنهما إذن في ذلك.
وقد ذكر القاضي الحسين في الزكاة من تعليقه والمتولي في باب الجمعة أنه - ﷺ - كان له أن يصلي على غيره مقصودًا كما فعل في قصة ابن أبي أو في امتثالًا لقوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وأنه لا يجوز لغيره ذلك إلا إذا كان المصلي عليه تبعًا للأنبياء لا مقصودًا، وحكاه الشاشي في المتعمد عن الخرسانيين في باب الجمعة ثم قال وفيه نظر لأن معنى الصلاة هو الدعاء وهي من الله بمعنى الرحمة وليس فيه ما يقتضي التحريم وأدنى مراتب فعله - ﷺ - الجواز وليس فيه دليل يدل على الخصوصية، وقال البيهقي ﵀ عقب حديث ابن العباس
[ ٦٤ ]
وقول الثوري بالمنع ما نصه وإنما أرادوا والله أعلم، إذا كان ذلك على وجه التعظيم والتكريم عند ذكره تحية فإنما ذلك للنبي - ﷺ - خاصة فأما إذا كان ذلك على وجه الدعاء والتبرك فإن ذلك جائز لغيره انتهى، هذه عبارته في الشعب وقال نحوه في السنن الكبرى.
قال ابن القيم وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي - ﷺ - أما أن تكون على آله وأواجه وذريته أو غيرهم فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي - ﷺ - وجائزة منفردة وأما الثاني فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضًا كان يقال اللهم معينًا صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصًا معينًا أو طائفة معينة كره ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ولا سيما إذا جعله شعارًا له ومنع منه نظيره أو من هو خير منه كما يفعل الرافضة لعلي - ﵁ - أما غذا صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما يصلي على دافع الزكاة وكما صلى النبي - ﷺ - على المرآة وزوجها وكما ورد عن علي من صلاته على عمر فهذا لا بأس به وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله الموفق.
وقد اختلفوا في السلام هل هو في معنى فيكره أن يقال عن علي ﵇ وما أشبه ذلك فكرهه طائفة منهم أبو محمد الجويني ومنع أن يقال عن علي ﵇ وفرق آخرون بينه وبين الصلاة بأن السلام يشرع في حق كل مؤمن من حي وميت وغائب وحاضر وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول - ﷺ - وآله ولهذا يقول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يقول الصلاة علينا فعلم الفرق والحمد لله.