١ - الماءُ القليل أو الكثير إذا وَقَعَتْ فيه نجاسةٌ؛ فغيَّرت طعْمَهُ أو لونَهُ أو ريحَهُ، فإنه نجسٌ ولا يجوز التطهيرُ به.
ودليله الإجماع:
قال ابن المنذر (^١): "وأجمعوا على أن الماءَ القليلَ والكثيرَ إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فغيَّرت الماءَ طعْمًا، أو لونا، أو ريحًا؛ أنه نجسٌ ما دام كذلك" اهـ.
وقال ابن رشد (^٢): "واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسةُ؛ إما طعمه أو لونَه أو ريحهُ أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف، فإنه لا يجوزُ به الوضوءُ ولا الطهورُ" اهـ.
٢ - الماءُ القليل أو الكثير، إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ ولم تُغيِّر لونَهُ أو طعمهُ أو ريحه فهو طاهرٌ مطهِّر:
للأدلة التالية:
• حديث أبي سعيد الخدري الصحيح الوارد عند الكلام على "ماء البئر".
• وحديث ابن عمرَ - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمِلِ الخبثَ"، وفي لفظ ابن ماجة: "لم يُنَجِّسْهُ شيء" وهو حديث صحيح (^٣).
• فالشارع قد نفى النجاسةَ عن مطلق الماء؛ كما في حديث أبي سعيد المتقدم، وما يشهدُ له، ونفاها عن الماء المقيَّد بالقُلَّتينِ كما في حديث ابن عمر المتقدم أيضًا، وكان النفي بلفظٍ هو أعم صيغ العامِّ.
فقال في الأول: "الماء طهور لا ينجِّسهُ شيء"، وقال في الثاني - أيضًا - كما في تلك الرواية: "لم ينجِّسْهُ شيء".
فأفاد ذلكَ أنَّ كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهرٌ، إلا ما ورد فيه التصريحُ بما
_________________
(١) الإجماع (ص ٣٣ رقم ١٠)، ونقله عنه النووي في المجموع (١/ ١١٠)، وابن قدامة في المغني (١/ ٥٣) وغيرهم.
(٢) "بداية المجتهد" (١/ ٧٢) بتحقيقي.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٥١ رقم ٦٣)، والترمذي (١/ ٩٧ رقم ٦٧)، والنسائي (١/ ١٧٥)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٧)، وابن خزيمة في "صحيح" (١/ ٤٩ رقم ٩٢)، والحاكم (١/ ١٣٢)، وابن حبان رقم (١١٧، ١١٨ - موارد)، وأحمد (٢/ ٢٧)، والدارقطني في "السنن" (١/ ١٣ - ٢٣ رقم ١ - ٢٥) وأطال في طرقه.
[ ٢٤ ]
يخصِّصُ هذا العامَّ، مصرِّحًا بأنه يصيرُ الماء نجسًا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها، فإنها وردتْ بصيغةِ الاستثناء من ذلك الحديث، فكانت من المخصصاتِ المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد، ومن المخصَّصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث ابن عمرَ عَلى القول الراجح في الأصولِ، وهو أنه يبنى العامُّ على الخاصِّ مطلقًا.
فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القُلتين، وبين سائر الأحاديث، بل يقال فيه: إن ما دون القلتين إن حملَ الخبَثَ حملًا استلزم تغير ريح الماءِ، أو لونِهِ أو طعمِهِ، فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغيِّر أَحَدَ تلك الأوصافِ فليس هذا الحملُ مستلزمًا للنجاسة" (^١).