أما الآية (٩٠) من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فليس المراد بالرِّجْسِ هنا النجسُ الحقيقيُّ، بل المراد الرجسُ المعنوي؛ لأن لفظ "رجس" خبر عن الخمر وما عُطِفَ عليها، وهو لا يوصَفُ بالنجاسة الحسِّية قطعًا، قال تعالى في سورة الحج الآية (٣٠): "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان".
فالأوثان رجسٌ معنوي لا تُنَجِّس مَنْ مسَّها؛ ولتفسيره في الآية بأنه من عمل الشيطان، يوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ، ويصدُّ عن ذِكْرِ الله، وعن الصلاة (^٢).
قال صاحب "سبل السلام" (^٣): "والحقُّ أن الأصلَ في الأعيان الطهارةُ، وأن التحريم لا يلازمُ النجاسةَ، فإن الحشيشة محرمةٌ وهي طاهرة، وأما النجاسة فيلازمُها التحريمُ، فكل نجسٍ محرَّمٌ، ولا عكسَ؛ وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنعُ عن ملامَسَتِها على كل حالٍ، فالحكم بنجاسة العين حكمٌ بتحريمها، بخلاف الحكمِ بالتحريمِ؛ فإنه يحرمُ لُبْسُ الحرير والذهب وهما طاهران ضرورةً وإجماعًا" اهـ.
ومن هذا فتحريم الخمر لا يلزم منه نجاستُها؛ بل لا بد من دليل آخر عليه ولا دليل (^٤).