الطهارة
في الأصل الوَضَاءة والنظافة، يقال مِن ذلك تَطهَّر فهو مُتطهِّر ومُطَّهر، فتُدْغَمُ التاءُ في الطاءِ لقرب مخرجيهما، والطَّهُور: الماء.
قال ثعلبٌ: الطَّهور: الطاهِرُ في نَفْسِه المُطَهِّر لغيره، ويقال: فلان طاهرُ الثِّياب، إذا كان نقيًّا من الدَّنس والوسخ، وذكر أهل التفسير: أنَّ الطهارةَ في القرآنِ على ثلاثةِ عَشَر وجهًا (^١):
أحدها: انقطاعُ دمِ الحيض؛ ومنه قولهُ - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٢٢): ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
والثاني: الاغتسال، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٢٢): "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتوهُنَّ". وفي سورة المائدة الآية (٦): "وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّروا".
والثالث: الاستنجاءُ بالماء، ومنه قوله - تعالى - في سورة براءة الآية (١٠٨): " ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ " ونزلَتْ في أهل قُبَاءَ، وكانوا يستعملون الماءَ في الاستنجاء.
والرابع الطهارة من جميع الأحداث والأقذار، ومنه قوله - تعالى - في سورة الأنفال الآية (١١): " ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ".
والخامس: السلامةُ من سائر المستقْذَرَات؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٥): ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، وفي سورة آل عمران الآية (١٥): ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
والسادس: التنزُّه عن إتيان الرجال؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة النمل الآية (٥٦): ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
والسابع: الطهارة من الذنوب، ومنه قوله - تعالى - في سورة براءة الآية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وفي سورة المجادلة الآية (١٢): ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.
والثامن: الطهارةُ من الأوثان؛ ومنه قولهُ - تعالى - في سورة البقرة الآية (١٢٥):
_________________
(١) قال الراغبُ الأصفهانيُّ في "المفردات" (ص ٣٠٧): "والطهارةُ ضرْبانِ: طهارة جسمٍ، وطهارةُ نفسٍ، وحُمل عليها عامة الآيات" اهـ.
[ ١٧ ]
﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ومثلها في سورة الحج الآية (٢٦): ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
والتاسع: الطهارة من الشرك؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة عبس الآية (١٤): ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ وفي سورة البينة الآية (٢): ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾.
والعاشر: الحلال؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة هود الآية (٧٨): ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: أحلُّ.
والحادي عشر: طهارةُ القلب من الريبة؛ ومنه قوله - تعالى - في سورة البقرة الآية (٢٣٢): ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ يريد أطهرُ لقلب الرجل والمرأة من الريبة، وفي سورة الأحزاب الآية (٥٣) ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: من الريبة والدَّنَس.
والثاني عشر: التقصيرُ، ومنه ق وله - تعالى - في سورة المدثر الآية (٤): ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: قصِّرْ؛ لأن تقصيرَ الثياب: تطهيرُها.
والثالث عشر: الطهارةُ من الفاحشة" ومنه قوله - تعالى - في سورة آل عمران الآية (٤٢): ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ (^١).
وبدأت بالطهارة؛ لأنَّها شرطٌ من شروط الصلاة التي هي آكدُ أركان الإسلامِ بعد الشهادتين، والشرط مقدَّمٌ على المشروط.
قال رسول الله - ﷺ -: "مفْتَاح الصَّلاة الطهُورُ، وتحريمُهَا التكبيرُ، وتحليلُها التسلِيمُ"، وهو حديث حسن (^٢).
_________________
(١) "نُزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر"، لابن الجوزي تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، ص (٤١٩ - ٤٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٨٨ - مع العون)، والترمذي (١/ ٣٦ - مع التحفة)، وابن ماجه (١/ ١٠١ رقم ٢٧٥)، وأحمد (٣/ ١٥٩ - الفتح الرباني)، والدارمي (١/ ١٧٥)، والبيهقي (٢/ ١٧٣، ٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٢)، والخطيب في تاريخه (١٠/ ١٩٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٠ رقم ٤) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي - ﵁ - مرفوعًا، وقال الإمام البغوي في "شرح السنة" (٣/ ١٧): "هذا حديث حسن"، وقال المحدث الألباني في "الإرواء" (٢/ ٨ رقم ٣٠١): "الحديث صحيح بلا شك فان له شواهد يرقى بها إلى درجة الصحة". قلت: انظر: شواهد الحديث في "نصب الراية"، للزيلعي (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
[ ١٨ ]