وعن ابن عباسٍ - ﵄ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ يُرِدِ اللّهُ بهِ خيرًا يُفقِّههُ في الدين" (^١).
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
أي: إنَّ الله يرفع المؤمن العالم على المؤمن الجاهل في الدنيا بعلو المنزلة، وَحُسْنِ الصيت، وفي الآخرة بكثرة الثوابِ، المؤدي لِرفعة الدرجات في الجنة (^٢).
وعن عامر بن وَاثِلة: أنَّ نافع بنَ عبد الحارثِ لقيَ عُمَرَ بعُسْفَان (^٣)، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي فقال: ابنُ أَبْزَى، قال: ومن ابنُ أبْزَى، قالَ: مولى من موالينا، قالَ: فاستخلفتَ عليهم مواليَ، قالَ: إنِّهُ قارئ لكتابِ الله ﷿، وإنَّهُ عالمٌ بالفرائِض، قال عمر: أمَا إنَّ نبيكم - ﷺ - قد قال: "إنَّ اللّه يرفعُ بهذا الكتابِ أقوامًا، ويضعُ به آخرينَ" (^٤).
واعْتَدَّ الله - ﷿ - بشهادة أهل العلم في وحدانيته فقال:" ﴿شَهدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلم قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
فقرن الله - ﷿ - شهادتهم بشهادته، وشهادة الملائكة؛ وفي هذا رفْعٌ لقدر أهل العلم، وزيادة في شرفهم، وبيانِ فضلهم، وهم في كل زمان ومكان قادة وسادة، يردّون الناس إلى الله، ويدعونهم إليه، ويبعدونهم عن مخالفته وعصيانه، يقولون الحقَّ بلا خوف أو وجل.
_________________
(١) وهو حديث صحيح: أخرجه أحمد (١/ ٣٠٦)، والترمذي رقم (٢٦٤٥)، وقال: حديث حسن صحيح، والبغوي في "شرح السُّنَّة" (١/ ٢٨٥ رقم ١٣٢) وقال: حديث صحيح.
(٢) "زاد المسير في علم التفسير"، لابن الجوزي (٨/ ١٩٣).
(٣) وهي منهل من مناهل الطريق بين "الجحفة" و"مكة" وسُميَّتْ عُسْفَان؛ لتعسُّف السيل فيها. [معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ١٢١ - ١٢٢].
(٤) وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦/ ٩٨ - بشرح النووي) " وهو من الأحاديث التي تتبعها الدارقطني على مسلم في كتابه: "التتبع" ص (٣٨٣)، ولم يجب عنه النووي في شرحه لمسلم، قلت: إن هذا التتبع لا يخدشُ بصحة الحديث؛ لأن الدارقطني نفسه قال في كتابه "العلل" (٢/ ٩٨ - ١٩٩) وقد سئل عن هذا الحديث قال: "رواه الزهري، عن أبي الطفيل.،. ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الفضيل موقوفًا غير مرفوع … وحديث الزهري هو الصواب؛ لأن الزهري أحفظ من حبيب بن أبي ثابت، وكلاهما مدلس من الطبقة الثالثة، لكن الزهريَّ صرَّح بالتحديث فيترجح حديثه".
[ ٤ ]
وقد حكى الله عن قارونَ وماله وكبريائه، وافتتان الناس به، وإنكار العلماء تمنى مثل ما أوتي، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٨٠].
فمن رام الفلاحَ في الدنيا والآخرة، فعليه أن يخلص النية لله في طلب العلم، والتفقه في الدين، وقد حذر النبي - ﷺ - من عدم إخلاص النية لله في ذلك.
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "من تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجْهُ الله، لا يتعلَّمُهُ إلَّا ليُصيب به عَرَضًا من الدُّنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القِيامةِ " يعني ريحها (^١).
وعن علي - ﵁ - أنه ذكر فِتنًا تكونُ في آخرِ الزمان فقال لَه عمرُ - ﵁ -: متى ذلكَ يا عليُّ؟ قال: "إذا تُفُقه لغير الدِّين، وتُعلِّم العلمُ لغير العملِ، والْتُمِسَتِ الدُّنيا بعملِ الآخرة" (^٢).
وعن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - قال: "لا تعلَّمُوا العلَم لتُباهُوا به العلماء، ولا لِتُمَاروا به السُّفَهاءَ، ولا تَخَيَّرُوا به المجالس، فمن فعلَ ذلكً فالَنَّارَ النَّارَ" (^٣).
ولقد جاء الحديث الصحيح يحمل الوعيد الشديد للثلاثة الذين أفسد الرياءُ أعمالهم، ونقلهم من ديوان المخلصين الصادقين إلى ديوان المرائين الكاذبين، فكانوا أول من تُسَعَّر
_________________
(١) وهو حديث صحيح: أخرجه أبو داود (١٠/ ٩٧ - مع العون)، وابن ماجه (١/ ٩٢ رقم ٢٥٢)، والحاكم (١/ ٨٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧) و(٨/ ٧٨)، وابن حبان (١/ ٢٤٥ - الإحسان) كلهم من طريق أبي يحيى فليح بن سليمان الخزاعي، وهو صدوق كثير الخطأ، (التقريب: ٢/ ١١٤)، ولكن يشهد له حديثُ جابر الذي أخرجه، وابن ماجه (١/ ٩٣ رقم ٢٥٤)، والحاكم (١/ ٨٦) وابنُ حبانَ (١/ ٢٤٤ - الإحسان). وحديث أنس عند البزار (١/ ١٠١ رقم ١٧٨ - كشف) والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" رقم (١٠١). وصححه الألباني - ﵀ - في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦ رقم ١٠٠).
(٢) وهو أثر صحيح: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٣٦٠ رقم ٢٠٧٤٣)، والحاكم (٤/ ٤٥١) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٤٨ رقم ١٠٧).
(٣) وهو حديث صحيح: أخرجه ابن ماجه (١/ ٩٣ رقم ٢٥٤)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٤٤ - الإحسان)، والحاكم (١/ ٨٦)، وابن عبد البر في "الجامع" (١/ ١٨٧)، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ١١٦)، "وكلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي، عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ويحيى هذا ثقة احتج به الشيخان وغيرهما، ولا يلتفت إلى من شذّ فيه". قلت: إنّ ابن جريج وشيخه أبا الزبير مُدَلِّسانِ من المرتبة الثالثة، وقد عَنْعَناهُ، غيرَ أن الحديث صحيحٌ على كل حال، فإنَّ له شواهدَ يتقوى بها، وتتقوى به. (منها): حديث ابن عمر الذي أخرجه ابن ماجه رقم (٢٥٣)، (ومنها) حديث أبي هريرة أيضًا أخرجه ابن ماجه رقم (٢٦٠)، و(منها) حديث كعب بن مالك الذي أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٤ - مع التحفة)، وقد صحح الشيخ الألباني الحديث وشواهده في صحيح الترغيب رقم (١٠٢) و(١٠٤) و(١٠٥) و(١٠١).
[ ٥ ]
بهم النارُ يوم القيامة، ومنهم: "رجلٌ تعلمَ العلم وعلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفَهُ نعَمهُ فعرفها، قال: فما عَملتَ فيها؟ قال: تعَلمتُ العلم وعلمتهُ، وقرأت فيكَ القرآنَ، قَال: كذبت، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليقالَ عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقالَ هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثم أمر به فسحب على وجههِ حتىَ أُلقي في النَّارِ" (^١).
وقد ذكر لنا رسولُ الله - ﷺ - صورة مخيفةً من صور يوم القيامة لمن خالف عملُه علْمَهُ.
فعن أبي وائل قال: قال أسامة - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يُجاءُ بالرجل يومَ القيامة فَيُلقى في النار، فتندلق أقتابُهُ في النار، فيدورُ كما يدورُ الحمارُ برحاه، فيجتمعُ أهلُ النار عليه فيقولون: أي فلانُ، ما شأنك؟ أليسَ كنتَ تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيهِ" (^٢).
وعن لقمانَ - يعني: ابن عامر - قال: كان أبو الدرداء - ﵁ - يقول: "إنما أخشى من ربِّي يومَ القيامة أن يدعوني على رؤوس الخَلائق فيقول لي: يا عُويمر! - اسمه - فأقول: لبيك ربِّ، فيقول: ما عَمِلتَ فيما عَلِمتَ" (^٣).
وقال بعضهم (^٤):
اعملْ بعلمِكَ تغنمْ أيُّها الرجلُ … لا ينفعُ العلمُ إن لم يَحسُنِ العملُ
والعلمُ زينٌ وتقوى الله زينتُهُ … والمتقونَ لهم في علمهم شُغُلُ
وَحُجَّةُ الله يا ذا العلمِ بالغةٌ … لا المكرُ ينفعُ فيها لَا ولا الحيلُ
تعلَّمِ العلمَ واعمل ما استطعتَ به … لا يُلْهينَّكَ عنهُ اللَّهُو والجدَلُ
وقد أوجب الله على المسلمين اتباعَ الرسول - ﷺ - فيما يأمرُ وينهى، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
_________________
(١) وهو حديث صحيح: أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٣ رقم ١٩٠٥) من حديث أبي هريرة.
(٢) وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري رقيم (٣٢٦٧)، ومسلم رقم (٢٩٨٩).
(٣) وهو أثر صحيح أخرجه البيهقي في "الشُّعَب" رقم (١٨٥٢) والدارميُّ (١/ ٨٢)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ٢ و٣) وابن المبارك في الزهد رقم (٣٩).
(٤) في كتاب: "اقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي، تحقيق: المحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ - ص (١٧٤).
[ ٦ ]
أي: ما أعطاكم الرسول - ﷺ - من الفيء فخذوه لكم حلالًا، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا، "وَاتَّقُوا اللهَ" وفي أمر الفيء، "إنَّ اللهَ شديدُ الْعقَاب" إذا فعلتم ما نهاكم عنه الرسول - ﷺ -. هذا هو المعنى الأصلي للآية الذي يدلّ عليه السياق.
والآية وإن نزلت في الفيء فهي عامَّةٌ في كل شيء يأتي به رسولُ - ﷺ - من أمرٍ، أو نهي، أو قولٍ، أو فعلٍ، والسبب وإن كان خاصًّا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا بهالله من الشرع؛ فقد أعطانا إياه، وأوصله إلينا.
فهذه الآية الكريمة نصٌّ صريح في أنّ كل ما أتانا به رسول الله - ﷺ - وبلغه إلينا من الأوامر وغيرها؛ سواءً كانت مذكورة في الكتاب، أي القرآن المجيد، أو السُّنَّة، أي كل ما صح رفعُه إلى النبي - ﷺ -: واجب علينا قبوله، وكذا كلُّ ما نهانا عنه من المنهيَّات والمنكرات المبيَّنة في الكتابِ أو السُّنَّة: واجب علينا اجتنابهُ والانتهاءُ عنه (^١).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "لعَنَ الله الواشماتِ والمستوشمات (^٢)، والنَّامصاتِ والمتنمصات (^٣)، والمتفلِّجات (^٤) للحُسْن، المغيِّرات خلقَ الله. قال: فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يُقال لها أمُّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآنَ، فأتَتْهُ فقالت ما حديثٌ بلغني عنك أنكَ لعنتَ الواشماتِ والمستوشمات، والمتنمِصات والمتفلجات للحُسْن، المغيِّرات خلق الله؟ فقال عبدُ الله: وما لي لا ألعنُ مَن لعنَ رسول الله - ﷺ -، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَي المصحف فما وجدتُهُ؟ فقالَ: لئن كنتِ قَرَأتيه لقد وجدتيه، قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فقالت المرأة: فإنّي أرى شيئًا من هذا على امرأتِكَ الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأةِ عبد الله فلم تر شيئًا فجاءتْ إليه، فقالت: ما رأيتُ شيئًا، فقال: أَمَا لوْ كان ذلك لم نُجَامِعهَا" (^٥) " (^٦).
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (١٨/ ١٧ - ١٩).
(٢) الواشمة: فاعلة الوشم، وهي أن تغرز إبرة أو مسلة أو نحوها في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم، ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيخضر، فإن طلبت فعل ذلك بها: فهي مستوشمة.
(٣) هي التي تُزيل الشعر من الوجه، والمتنمِّصة التي تطلب فعل ذلك بها.
(٤) المتفلِّجات هن اللواتي يُعالجن أسنانهنَّ بعدما شرعن في السنِّ حتى يكون لها تحدد ورقة وأشرٌ، فيشبهن بالشوابِّ.
(٥) أي: لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن وهي بل كنا نطلقها.
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٤/ ١٠٥ - ١٠٧ بشرح النووي).
[ ٧ ]
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
والمعنى إن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، فرُّدوه إلى الله، أي: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم فيه من كتاب الله، فإن لم تجدوا علمَ ذلك في كتاب الله، فارتادُوا معرفة ذلك عند رسول الله - ﷺ - إن كان حيًّا، أو بالنظر في سُنتهِ إن كان ميتًا (^١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه سمعَ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "ما نَهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم" (^٢).
وعن أبي رافع، عن النبي - ﷺ - قال: "لا ألفينَّ أحدَكم مُتَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمرُ من أمري مما أَمَرْتُ به أو نَهيتُ عنه فيقولُ: لا ندري، ما وجدنا في كَتاب الله اتبعْنَاهُ" (^٣).
وقد حذّر اللّه تعالى من مخالفة أمر رسول اللّه - ﷺ - فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وعن أبي موسى - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: "إنما مَثَلي ومثلُ ما بعثني اللّه به كمثل رجل أتى أقوامًا فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيشَ بعيني، وإني أَنا النذير العُرْيان (^٤)، فالنجاء، فأطاعَهُ طائفة من قومه فأدلَجوا (^٥)، فانطلقوا على مَهْلِهم فنَجَوا، وَكَذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحَهُم، فذلك مثلُ من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذَّب بما جئتُ به مَن الحقِّ" (^٦).
_________________
(١) "الجامع لأحكام القران"، للقرطبي (٥/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٢) وهو حديث صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٨٣٠ رقم ١٣٣٧).
(٣) وهو حديث صحيح: أخرجه أبو داود (١٢/ ٣٥٦ - مع العون)، والترمذي (٧/ ٤٢٤ - مع التحفة)، وقال: "حديث حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح"، وابن ماجه (١/ ٧ رقم ١٣)، والبغوي في "شرح السُّنَّة" (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، وقال: "هذا حديث حسن"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٧١٧٢).
(٤) وهو رجل من خَثْعَم، حمل عليه يوم ذي الخَلَصة .. فقطع يده ويدَ امرأته، … "لسان العرب" (١٥/ ٤٨)، أو هو ربيئة القوم وعينُهم يكون في مكانٍ عالٍ، فإذا رأى العدو قد أقبل نزع ثوبه، وألاح به لينذر قومه ويبقى عُريانًا، (النهاية: ٣/ ٢٢٥).
(٥) معناه: ساروا من أول الليل.
(٦) وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٣)، ومسلم رقم (٢٢٨٣).
[ ٨ ]
وقرن الله طاعة الرسول - ﷺ - بطاعته في آيات كثيرة من القران الكريم فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وعن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "كلُّ أمتي يدخلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى" قالوا: يا رسول اللّه ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى" (^١).
كما حثّ الله - سبحانه - على الاستجابة لما يدعو إليه النبي - ﷺ - فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ولم يبحْ للمؤمنين مطلقًا أن يخالفوا حكمه - ﷺ - أو أمرًا من أوامره، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
واعتبر ﷾ من علامات النفاقِ: الإعراضَ عن تحكيم الرسول - ﷺ - في مواطنِ الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٠].
وأقسم تعالى على نفي إيمان من لم يُحَكِّمِ الرسولَ - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وأخيرًا فمهمةُ السنة النبوية بالنسبة للقرآن الكريم تبيين المجمل، وتفسير المشكل، وتخصيص العام، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فبيانُ الرسول وتفسيره - ﷺ - في أحاديثه، ومن المعلوم أنّ الأخذ بهذه الأحاديثِ، والعملَ بمقتضاها واجب علينا.
وعلينا أن نعلم علمًا جازمًا لا يُداخلُه الشكُّ، أننا لن نضلَّ عن الطريق المستقيم، ولن نتيهَ في شِعاب الباطل، ما دمنا متمسكّين بكتاب الله العزيز، وبسنة الرسول الكريم، قال رسول الله - ﷺ -: "أيها النَّاسُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ يوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجيبَ، وأنا
_________________
(١) وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٧٢٨٠).
[ ٩ ]
تاركٌ فيكم ثِقلَيْنِ (^١) أولهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحثَّ على كتاب الله ورغبَ فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي (^٢) أُذَكركُم الله في أهلِ بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" (^٣).
وقال - ﷺ -: "يأيها الناسُ، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به؛ فَلَن تَضلُّوا أبدًا: كتابَ الله وسنةَ نبيه - ﷺ - (^٤).
فمن خالف الكتاب والسُّنَّة، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخَسِرَ خُسْرانًا مبينًا، والعاقد عليهما بكلتا يديهِ مستمسكٌ بالعروة الوثقى، ظافرٌ بكل الخير دنيا وأخرى (^٥).
قال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: "سنَّ رسول الله - ﷺ - وولاةُ الأمر بعده سُننًا، الأخذُ بها تصديقٌ بكتاب الله، واستعمالٌ بطاعة الله، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرُها ولا تبديلُها، ولا النَّظَرُ في رأي مَنْ خالفها، من اقتدى بها فهو مُهتَدٍ ومن انتصر بها منصورٌ، ومن خالفها واتبعَ غَيْرَ سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولَّى وأصلاهُ جهنَّم وساءَت مصيرًا" (^٦).
وقال الإمام الشافعي "أجمع الناسُ على أنّ: من استبانتْ له سنةٌ عن رسول الله - ﷺ -، لم يكن له أن يدعَها لقول أحد من الناس" (^٧).
وقال ابن خزيمة: "لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله - ﷺ - إذا صحَ الخبرُ عنه" (^٨).
_________________
(١) سماهما ثقلين؛ لأنّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، أو إعظامًا لقدرهما وتفخيمًا لشأنهما، (النهاية: ١/ ٢١٦).
(٢) لأنهم لم يعملوا إلا بسُنَّتي؛ فالإضافة إليهم؛ إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياهم؛ فلذا ذُكرَ أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث، [انظر "المرقاة" للقاري (١/ ١٩٩)]
(٣) وهو حديث صحيح: أخرجه مسلم (١٥/ ١٧٩ - ١٨٠ بشرح النووي) من حديث زيد بن أرقم، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (١٥٥٠) و(١٥٥١) " والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٣٦٨)
(٤) وهو حديث صحيح بطرقه: أخرجه الحاكم (١/ ٩٣) من حديث ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي " وانظر: طرق الحديث في "الصحيحة" (٤/ ٣٥٥ - ٣٦١) للشيخ الألباني ﵀.
(٥) انظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، للقاضي عياض (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٤) و(٢/ ٥٥٩ - ٥٦٢) "والفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي (١/ ١٤٣ - ١٥٤).
(٦) انظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض (٢/ ٥٥٥).
(٧) "إعلام الموقعين"، لابن القيم (٢/ ٢٨٢).
(٨) "إعلام الموقعين"، لابن القيم (٢/ ٢٨٣).
[ ١٠ ]