إن الأرض التي أصابتْها نجاسةٌ ففي طهارتها وجهان:
الأول: صبُّ الماء عليها؛ لحديث أنس الصحيحَ (^٢)، عن أنس بن مالك - ﵁ - أن أعرابيًّا قام إلى ناحية المسجد، فبال فيها فزجره الناسُ، فنهاهم النبي - ﷺ -، فلما قضى بوله، أمر النبي - ﷺ - بذَنُوبٍ من ماءٍ فأُهْرِيقَ عليه".
والوجه الثاني: جفافُها ويُبْسُها بالشمسِ أو الهواءِ، وذهابُ أثرِ النجاسة؛ لحديث ابن عمر - ﵁ - قال: كنت أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -، وكنتُ فتىً عَزَبًا، وكانت الكلاب تبول وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك"، وهو حديث صحيح (^٣).
قال ابن حجر (^٤): "واستدل أبو داود في السنن على أن الأرض تطهُرُ إذا لاقتْها النجاسة بالجفاف، يعني أن قولَه: "لم يكونوا يرشون" يدل على نفي صب الماء من باب أولى، فلولا أن الجفاف يفيدُ تطهير الأرض، ما تركوا ذلك، ولا يخفى ما فيه" اهـ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٣٧٦)، والنسائي (١/ ١٥٨)، وابن ماجه رقم (٥٢٦)، وصححه ابن خزيمة (١/ ١٤٣ رقم ٢٨٣)، وصححه الحاكم (١/ ١٦٦)، ووافقه الذهبي.
(٢) سبق تخريجه في النجاسات رقم (١).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤١ - مع العون)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٨٢)، وقال: حديث صحيح، والبيهقي (١/ ٢٤٣)، والبخاري في صحيحه معلقًا (١/ ٢٧٨ - مع الفتح).
(٤) في "فتح الباري" (١/ ٢٧٩).
[ ٣٦ ]
وقال محمد شمس الدين الحق العظيم آبادي (^١): تعقيبًا على كلام ابن حجر هذا: "ليس عندي في هذا الاستدلال خفاءٌ بل هو واضح … " اهـ.
وقال المباركفوري (^٢) أيضًا: "واستدلال أبي داود بهذا الحديث على أن الأرض تطهرُ بالجفاف صحيح، ليس فيه عندي خدشة … " اهـ.