٢٢٠٣ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ الْمُنَافِقِينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ؟ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ عَرَفَ الْمُنَافِقِينَ، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ - وَوَاجَهَهُ رَجُلٌ بِالتَّجْوِيرِ، وَأَنَّهُ يُقَسِّمُ قِسْمَةً لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ - وَهَذِهِ رِدَّةٌ صَحِيحَةٌ فَلَمْ يَقْتُلْهُ.
قَالُوا: فَصَحَّ أَنْ لَا قَتْلَ عَلَى مُرْتَدٍّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَتْلٌ لَأَنْفَذَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَنَحْنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ذَاكِرُونَ كُلَّ آيَةٍ تَعَلَّقَ بِهَا مُتَعَلَّقٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَرَّفَ الْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَمُبِينُونَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأْيِيدِهِ - أَنَّهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ - لَمْ يُعَرِّفْهُمْ قَطُّ - ﵇ -.
وَقِسْمٌ آخَرُ - افْتَضَحُوا، فَعَرَّفَهُمْ فَلَاذُوا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُمْ - ﵇ - أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ أَوْ صَادِقُونَ فِي تَوْبَتِهِمْ فَقَطْ.
فَإِذَا بَيَّنَّا هَذَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - بَطَلَ قَوْلُ مَنْ احْتَجَّ بِأَمْرِ الْمُنَافِقِينَ فِي أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَى مُرْتَدٍّ، وَبَقِيَ قَوْلُ: مَنْ رَأَى الْقَتْلَ بِالتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا إنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ، فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[ ١٢ / ١٢٧ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] .
فَهَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَرَفَهُمْ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، فَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] فَإِذْ هُمْ مِنْ غَيْرِنَا فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْيَهُودِ مَكْشُوفِينَ.
وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] أَيْ بِمَا عِنْدَهُمْ.
وَقَدْ يُمْكِنُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ.
وَمُمْكِنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ لَا نَتَّخِذَهُمْ بِطَانَةً إذَا أَطْلَعَنَا مِنْهُمْ عَلَى هَذَا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَقْوَى لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَإِذْ كِلْتَاهُمَا مُمْكِنٌ فَلَا مُتَعَلَّقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ ذَهَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَيَدْرِي أَنَّ بَاطِنَهُمْ النِّفَاقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ﴾ [النساء: ٦٠] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] .
وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَيْضًا - نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا جَمِيعًا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا
[ ١٢ / ١٢٨ ]
خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، إذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
فَقَدْ صَحَّ أَنَّ هَاهُنَا نِفَاقًا لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا، وَنِفَاقًا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّحَاكُمَ إلَى الطَّاغُوتِ لَا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مُظْهِرِينَ لِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عُصَاةً بِطَلَبِ الرُّجُوعِ فِي الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ مُعْتَقِدِينَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ، لَكِنْ رَغْبَةً فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا بَلْ عُصَاةً، فَنَحْنُ نَجِدُ هَذَا عِيَانًا عِنْدَنَا، فَقَدْ نَدْعُو نَحْنُ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَى الْقُرْآنِ وَإِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الثَّابِتِ عَنْهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ فَيَأْبَوْنَ ذَلِكَ وَيَرْضَوْنَ بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، هَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، فَلَا يَكُونُونَ بِذَلِكَ كُفَّارًا، فَقَدْ يَكُونُ أُولَئِكَ هَكَذَا حَتَّى إذَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَجَبَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَبَى وَعَنَدَ فَهُوَ كَافِرٌ؟ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ: أَنَّ أُولَئِكَ عَنَدُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِذْ لَا بَيَانَ فِيهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَرَفَهُمْ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ وَأَقَرَّهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ [النساء: ٨١] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكِيلا﴾ [النساء: ٨١] فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ، بَلْ لَعَلَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا مُعْلِنِينَ، وَكَانُوا يَلْتَزِمُونَ الطَّاعَةَ بِالْمُسَالَمَةِ، فَإِذْ لَا نَصَّ فِيهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَعْرِفُهُمْ وَيَدْرِي أَنَّ عَقْدَهُمْ النِّفَاقَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] .
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْوَلِيدِ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: «لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]» فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ: مُنَافِقِينَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]
[ ١٢ / ١٢٩ ]
إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠] فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ تَعَالَى عَنَى بِذَلِكَ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ كَانَ الْأَظْهَرَ لَوْلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] فَهَذَا يُوَضِّحُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ فِي قَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مِنْ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ بِلَا شَكٍّ، وَلَيْسَ عَلَى سُكَّانِ الْمَدِينَةِ هِجْرَةٌ، بَلْ الْهِجْرَةُ كَانَتْ إلَى دَارِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحُكْمُ الْآيَةِ كُلِّهَا أَنَّهَا فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ، وَادَّعُوا أَنَّهُمْ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَكَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ: أَنَّ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِإِيمَانِهِ، وَكَانَ كَافِرًا كَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَلَا فَرْقَ، حَتَّى يُهَاجِرَ، إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى بَلَدِهِ، كَمَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَسَائِرِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى أَرْضِهِ، إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْوِلَايَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَلَيْسُوا مُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨] الْآيَةَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْنَى ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] أَيْ حَتَّى يُجَاهِدُوا مَعَكُمْ، بِخِلَافِ فِعْلِهِمْ حِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنْ أُحُدٍ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَذَا مُمْكِنٌ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] فَأَخْبِرُونَا هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﵇ - فَقَتَلَ الرَّاجِعِينَ عَنْ أُحُدٍ حَيْثُ وَجَدَهُمْ؟ وَهَلْ أَخَذَهُمْ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَذَبُوا كَذِبًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ شَكٌّ فِي أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا نَبَذَ الْعَهْدَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ - ﵇ - وَلَا الْمُؤْمِنُونَ؟
[ ١٢ / ١٣٠ ]
قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، فَأَمَرَهُ تَعَالَى إنْ تَوَلَّوْا بِقَتْلِهِمْ، حَيْثُ وَجَدَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ ظَنَّهُ بِلَا شَكٍّ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَتَوَلَّوْا بَلْ تَابُوا وَرَجَعُوا وَجَاهَدُوا؟ قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَنْهُمْ - بِلَا شَكٍّ - وَحَصَلَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِعْلَامِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ - بِلَا شَكٍّ - فَقَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ جُمْلَةً فِي أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ. وَلَكِنْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠] بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ مِنْ الْأَوْسِ وَلَا مِنْ الْخَزْرَجِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوْمٌ مُحَارِبُونَ لِلنَّبِيِّ - ﵇ - وَلَا نُسِبُوا قَطُّ إلَى قَوْمٍ مُعَاهِدِينَ النَّبِيَّ - ﵇ - بِمِيثَاقٍ مَعْقُودٍ، هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإِنَّ هَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ الْأَنْصَارِ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُنَافِقِينَ، لَكِنْ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ بِالْكُفْرِ.
إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ ﴿آخَرِينَ﴾ [النساء: ٩١] وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَلَى أُولَئِكَ إنْ كَانَ هَكَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] أَنَّهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْكُفَّارِ غَيْرِ أُولَئِكَ، فَحَسْبُنَا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى أُولَئِكَ الرَّاجِعِينَ " مُنَافِقِينَ " فَصَارُوا مَعْرُوفِينَ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: وَقَدْ قُلْنَا إنَّ النِّفَاقَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَيُبْطِنُ الْإِيمَانَ، وَقِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُضْمِرُ فِيمَا سِوَى الدِّينِ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى الْإِمَامِ فَيَقْضِي بِالْقَضَاءِ فَنَرَاهُ جَوْرًا فَنَمْسِكُ؟ فَقَالَ: إنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا، فَلَا نَدْرِي مَا تَعُدُّونَهُ أَنْتُمْ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَإِنْ صَلَّى وَإِنْ صَامَ وَقَالَ إنِّي مُسْلِمٌ» .
[ ١٢ / ١٣١ ]
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِسْلَامِ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَكِنَّا نَقْطَعُ عَلَيْهِمْ بِمَا قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ اسْمِ النِّفَاقِ، وَالضَّلَالَةِ، وَالْإِرْكَاسِ، وَخِلَافِ الْهُدَى - وَلَا نَزِيدُ وَلَا نَتَعَدَّى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِآرَائِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَمُنَافِقُونَ النِّفَاقَ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، فَلَا شَكَّ لِنَصِّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ، لَا إلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا إلَى الْمُجَاهِرِينَ بِالْكُفْرِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْ الْكُفَّارِ، بِكَوْنِهِمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ.
وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا أَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَهُمْ، بِأَعْيَانِهِمْ، وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَهُمْ، وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] مُوجِبًا لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إذَا تَابُوا - وَهُمْ قَدْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ، وَالنَّدَمَ، وَالْإِقْرَارَ بِالْإِيمَانِ بِلَا شَكٍّ، فَبَطَلَ عَنْهُمْ بِهَذَا حُكْمُ النِّفَاقِ جُمْلَةً فِي الدُّنْيَا، وَبَقِيَ بَاطِنُ أَمْرِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْضِي عَلَى كُلِّ آيَةٍ فِيهَا نَصٌّ بِأَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَ مُنَافِقًا بِعَيْنِهِ، وَعَرَفَ نِفَاقَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ يُسَارِعُونَ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا حَذَرًا أَنْ تُصِيبَهُمْ دَائِرَةٌ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْكَافِرِينَ ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] يَعْنُونَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا خَبَرًا عَنْ قَوْمٍ أَظْهَرُوا الْمَيْلَ إلَى الْكُفَّارِ فَكَانُوا مِنْهُمْ كُفَّارًا خَائِبِي الْأَعْمَالِ وَلَا يَكُونُونَ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا مَعْرُوفِينَ، لَكِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]
[ ١٢ / ١٣٢ ]
دَلِيلٌ عَلَى نَدَامَتِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْلَمُونَهُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُخَاطَبٌ بِهَذَا الْخِطَابِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا شَكٍّ فَهُوَ لَا يَعْلَمُهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة: ٤٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: لَيْسَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذِهِ صِفَةُ كُلِّ عَاصٍ فِي مَعْصِيَتِهِ.
وَفِي الْآيَةِ أَيْضًا: مُعَاتَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ - ﵇ - عَلَى إذْنِهِ لَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] فَإِنَّ وَجْهَ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ لَا تُصْرَفَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَلَا إجْمَاعٍ: أَنَّهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ الِاسْتِقْبَالِ.
وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ تَبُوكَ غَزْوَةٌ أَصْلًا، وَلَكِنَّا نَقْطَعُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هُنَاكَ غَزْوَةٌ بَعْدَ تَبُوكَ وَبَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ فَاسْتَأْذَنَ قَوْمٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ - ﵌ - فِي الْقُعُودِ دُونَ عُذْرٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَكَانُوا بِلَا شَكٍّ مُرْتَابَةً قُلُوبُهُمْ كُفَّارًا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ مُتَرَدِّدِينَ فِي الرَّيْبِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
ثُمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] فَهَذِهِ أَخْبَارٌ عَمَّا خَلَا لَهُمْ وَعَنْ سَيِّئَاتٍ اقْتَرَفُوهَا، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُوجِبُ لَهُمْ الْكُفْرَ، حَتَّى لَوْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠] .
[ ١٢ / ١٣٣ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَهَذَا لَا يَنْسَنِدُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُقَالُ: هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَا شَكٍّ.
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَفَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ عَصَى و(. . .) وَأَذْنَبَ، وَبَلَى ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ.
وَأَمَّا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ إنْ أَصَابَتْ رَسُولَهُ - ﵇ - سَيِّئَةٌ وَمُصِيبَةٌ تَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ، أَوْ أَنَّهُ إنْ أَصَابَتْهُ حَسَنَةٌ سَاءَتْهُمْ، فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ: ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، كَانَ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَهُمْ وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَكُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، مُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ - ﵇ - عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ لِيُمَيِّزُوهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نِفَاقَهُمْ، بَلْ قَدْ كَانَ لِلْفُضَلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ - ﵃ - الْأَمْوَالُ الْوَاسِعَةُ، وَالْأَوْلَادُ النُّجَبَاءُ الْكَثِيرُ: كَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيْرِهِمَا - فَهَذِهِ صِفَةٌ عَامَّةٌ يَدْخُلُ فِيهَا الْفَاضِلُ الصَّادِقُ، وَالْمُنَافِقُ، فَأَمَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ أَنْ لَا تُعْجِبَهُ أَمْوَالَهُمْ، وَلَا أَوْلَادَهُمْ، عُمُومًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ وَيَمُوتُوا كُفَّارًا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]؟
[ ١٢ / ١٣٤ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَهَذَا لَا يَدُلُّ أَلْبَتَّةَ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ عَلَى كُفْرِ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَلَكِنَّهَا مَعْصِيَةٌ بِلَا شَكٍّ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣] .
قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ حِينَئِذٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُذُنٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَافِرًا مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَآذَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَنُزُولِ الْقُرْآنِ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَنَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - ﷺ - فَلَهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا.
فَقَدْ جَاءَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك لَأَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَّا الْآنَ فَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَصِحُّ أَنَّ أَحَدًا عَادَ إلَى أَذَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَمُحَادَّتِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّازِلِ فِي ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا كَانَ كَافِرًا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ امْرَأً لَوْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْخَمْرَ - حَلَالٌ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ صَلَاةٌ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِلَا خِلَافٍ يُعْتَدُّ بِهِ، حَتَّى إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَتَمَادَى حِينَئِذٍ بِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَيُبَيَّنُ هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] فَقَدْ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَإِرْضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَحَقُّ عَلَيْهِمْ مِنْ إرْضَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَصَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا لَا نَصَّ فِيهَا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] .
[ ١٢ / ١٣٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ بِلَا شَكٍّ فِي قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَلَكِنَّ التَّوْبَةَ مَبْسُوطَةٌ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] فَصَحَّ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَالنَّدَامَةَ وَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَتَهُ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَهُ لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِصِحَّتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ فِي الْبَاطِنِ فَهُمْ الْمُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَقَدْ تَابَ جَمِيعُهُمْ بِنَصِّ الْآيَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] .
قَالَ: فَهَذِهِ صِفَةٌ عَامَّةٌ لَمْ يَقْصِدُ بِهَا إلَى التَّعْرِيفِ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَهَذِهِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] .
قَالَ: فَهَذِهِ آيَةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - ﷺ - بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْجِهَادُ قَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَالْمَوْعِظَةِ، وَالْحُجَّةِ: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٧٤] صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَذَلَ لَهُمْ التَّوْبَةَ وَقَبِلَهَا مِمَّنْ أَحَاطَهَا مِنْهُمْ وَكُلُّهُمْ بِلَا شَكٍّ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ: حَلِفُهُمْ وَإِنْكَارُهُمْ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[ ١٢ / ١٣٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] .
قَالَ: وَهَذِهِ أَيْضًا صِفَةٌ أَوْرَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِّينَا أَثَرًا لَا يَصِحُّ، وَفِيهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ - وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ ثَعْلَبَةَ بَدْرِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا أَثَرٌ: نا حُمَامٌ نا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي غَسَّانَ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْبَاجِيَّ ني سَهْلٌ السُّكَّرِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَرَّازُ نا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ نا مَعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلَامِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «جَاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ بِصَدَقَتِهِ إلَى عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا أَقْبَلُهَا؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَبْضِ زَكَوَاتِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ - ﵇ - عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ لَا يَبْقَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، فَلَا يَخْلُو ثَعْلَبَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَفَرَضَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ قَبْضَ زَكَاتِهِ وَلَا بُدَّ، وَلَا فُسْحَةَ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَفَرَضَ أَنْ لَا يُقِرَّ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ - فَسَقَطَ هَذَا الْأَثَرُ بِلَا شَكٍّ، وَفِي رُوَاتِهِ: مَعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَلْهَانِيُّ - وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ، وَمِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدَّمْنَا هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةُ الْمَعَانِي بِاَلَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - ثُمَّ نَذْكُرُ الْقَوْلَ فِيهِمَا جَمِيعًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهَا: أَنَّهُمْ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ،
[ ١٢ / ١٣٧ ]
وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ - وَهَذَا لَيْسَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] . فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ إلَى أَنْ مَاتُوا، وَلَكِنْ يَدُلُّ يَقِينًا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ سُخْرِيَّتِهِمْ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا غَيْرُ مَغْفُورٍ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا فِيمَا خَلَا، فَكَانَ مَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ مُوجِبًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ لَمْزُهُمْ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُخْرِيَّتُهُمْ بِاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جَهْدَهُمْ - وَإِنْ تَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ - وَأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ لَا عَلَى الْكُفْرِ، بَلْ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ بِلَا شَكٍّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصًا يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ: إنَّهُ مُنَافِقٌ؟ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]» قَالَ مُسْلِمٌ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ «فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ونا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: نا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ نا ابْنُ الْوَرْدِ نا ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
[ ١٢ / ١٣٨ ]
لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَامَ إلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ إلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؟ الْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ كَذَا، وَالْقَائِلِ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، أُعَدِّدُ أَيَّامَهُ حَتَّى إذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ يَا عُمَرُ أَخِّرْ عَنِّي إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ قَدْ قِيلَ لِي ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ قَالَ: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَشَى مَعَهُ حَتَّى قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، قَالَ: فَعَجِبْتُ لِي وَلِجُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مُنَافِقٍ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ نا حُجَيْرُ بْنُ الْمُثَنَّى نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَثَبَتَ، ثُمَّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ؟ وَقَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا، أُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ فَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَا مَكَثَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٍ الْمَذْكُورَتَانِ، قَالَ عُمَرُ: فَعَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ «لَمَّا حَضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ الْمَوْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: قَدْ أَفْقَهُ مَا تَقُولُ وَلَكِنْ مُنَّ عَلَيَّ الْيَوْمَ وَكَفِّنِّي بِقَمِيصِكَ هَذَا، وَصَلِّ عَلَيَّ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَفَّنَهُ
[ ١٢ / ١٣٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَمِيصِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ» - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَخْدَعْ إنْسَانًا قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: كَلِمَةً حَسَنَةً، قَالَ الْحَكَمُ: فَسَأَلْت عِكْرِمَةَ مَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ؟ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا حَبَّابٍ إنَّا قَدْ مَنَعْنَا مُحَمَّدًا طَوَافَ هَذَا الْبَيْتِ، وَلَكِنَّا نَأْذَنُ لَك؟ فَقَالَ: لَا، لِي فِي رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «أَتَى النَّبِيُّ - ﵌ - قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ - فَوَقَفَ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - ظَاهِرُ الْآيَةِ كَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُمْ كَفَرُوا قَبْلُ، وَمَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ. وَالثَّانِي - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى النَّبِيَّ - ﵌ - وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ جُمْلَةً لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] فَلَوْ كَانَ ابْنُ أُبَيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ تَبَيَّنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُمْ كُفَّارٌ - بِلَا شَكٍّ - لَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ - ﵌ - وَلَا صَلَّى عَلَيْهِ. وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ بِالنَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ خَالَفَ رَبَّهُ فِي ذَلِكَ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يَعْلَمْ قَطُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَالْمَذْكُورِينَ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ نا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَوْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَا عَمِّ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
[ ١٢ / ١٤٠ ]
يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ، آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَمَا وَاَللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ نَزَلَ بِمَكَّةَ - بِلَا شَكٍّ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يُوقِنْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ مُشْرِكٌ وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ أَصْلًا، وَلَا اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ تَعْدِيدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَقَالَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: لَا، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كَافِرًا لَصَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَصَدَ إلَيْهِ، وَلَمْ يُطَوِّلْ بِغَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ - شَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَتَعَجَّبَ عُمَرُ مِنْ مُعَارَضَةِ النَّبِيِّ - ﵌ - فِي صَلَاتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَإِقْرَارِهِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَعْرَفُ مِنْهُ. وَالرَّابِعُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى نَبِيَّهُ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ فَقَطْ، وَلَمْ يَنْهَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا نُنْكِرُهُ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُتْرَكُ لَهُ وَفَاءٌ وَيَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ. فَصَحَّ يَقِينًا بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَاتِ إنَّمَا هُوَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - ﵇ - وَالْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ تَابُوا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَمِنْهُمْ مِنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ فِي التَّوْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَاطِنَهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﵇ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] .
قَالَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ [التوبة: ٨١] الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ أَتَوْا كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ كَانُوا بِهَا عُصَاةً فَاسِقِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ بِأَعْيَانِهِمْ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ.
وَبَيَّنَ تَعَالَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُنَالِكَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ هَاهُنَا، فَقَالَ تَعَالَى ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [الفتح: ١١]
[ ١٢ / ١٤١ ]
إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨] فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخَلَّفِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَاَلَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ لَا تُعْجِبَهُ أَمْوَالَهُمْ وَلَا أَوْلَادَهُمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ: أَنَّهُمْ مَقْبُولَةٌ تَوْبَتُهُمْ إنْ تَابُوا فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِمْ، وَفِي الْحُكْمِ بِأَنَّ بَاطِنَهُمْ: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَحِيحَ التَّوْبَةِ مُطِيعًا إذَا دُعِيَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى الْجِهَادِ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وَأَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَذَابًا أَلِيمًا.
فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُمْ كَفَرُوا فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُمْ كَفَرُوا ثُمَّ تَابُوا فَقَبِلَ تَوْبَتَهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ - ﵇ - بَعْدَ التَّوْبَةِ مَنْ مِنْهُمْ الصَّادِقُ فِي سِرِّ أَمْرِهِ، وَلَا مَنْ مِنْهُمْ الْكُفْرُ فِي بَاطِنِ مُعْتَقَدِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ بِشَهَادَةِ النُّصُوصِ، كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٨٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَهَذِهِ نَصُّ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَيْضًا وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] .
قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّنُ مَا قُلْنَاهُ نَصًّا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كُفَّارٌ، إلَّا أَنَّ كُلَّهُمْ عُصَاةٌ، فَأَمَّا الْمُبْطِنُونَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ فَلَمْ يَعْلَمْهُمْ النَّبِيُّ - ﵇ - وَلَا عَلِمَهُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَقَطْ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَهَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ فِيهِمْ مَنْ كَفَرَ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْجَأَ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] .
فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَاتَّفَقَتْ الْآيَاتُ كُلُّهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[ ١٢ / ١٤٢ ]
وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] وَجَهَنَّمُ تَكُونُ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ وَتَكُونُ جَزَاءً عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَرْضَى تَعَالَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَافِرِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ نَصَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِيهِمْ كُفَّارًا فِي الْبَاطِنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: لَا يَعْلَمُ سِرَّهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا رَسُولُهُ - ﵇ - فَلَا.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَةُ مُبَيِّنَةٌ نَصَّ مَا قُلْنَاهُ بَيَانًا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَا يَعْلَمُ الْمُنَافِقِينَ - لَا مِنْ الْأَعْرَابِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُهُمْ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتُوبُ فَيَعْفُو اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - مَأْمُورٌ بِأَخْذِ زَكَوَاتِ جَمِيعِهِمْ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَهَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَفِيهَا، أَنَّ بُنْيَانَهُمْ لِلْمَسْجِدِ قَصَدُوا بِهِ الْكُفْرَ، ثُمَّ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ، فَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى صِدْقَ مَنْ صَدَقَ فِيهَا، وَكَذِبَ مَنْ كَذَبَ فِيهَا.
وَنَعَمْ ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] وَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَمُمْكِنٌ أَنْ لَا يَغْفِرَهُ لَهُ أَبَدًا حَتَّى يُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ [التوبة: ١٢٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]؟
[ ١٢ / ١٤٣ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَهَذِهِ لَا دَلِيلَ فِيهَا أَصْلًا عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مَعْرُوفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ لَكِنَّهَا صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْرِفُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ إذَا سَمِعُوهَا فَقَطْ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ [النور: ٤٧] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ مَنْ سَمِعَهَا عَرَفَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَهِيَ تَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَافِرًا وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ النِّفَارَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَيَدِينُ بِأَنْ لَا يَرْضَى بِهِ فَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فَاعِلٌ ذَلِكَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ فِي الظُّلْمِ وَمُحَابَاةِ نَفْسِهِ عَارِفًا بِقُبْحِ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ وَمُعْتَقِدًا أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِ فِعْلِهِ - فَهَذَا فَاسِقٌ، وَلَيْسَ كَافِرًا.
وَالثَّانِي - أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مُقَلِّدًا لِإِنْسَانٍ فِي أَنَّهُ قَدْ شَغَفَهُ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ وَحُبُّهُ مُوهِمًا نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ فَأَهْلُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ مُخْطِئُونَ عُصَاةٌ وَلَيْسُوا كُفَّارًا وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] أَيْ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُطِيعِينَ، لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ إيمَانٌ، وَكُلَّ إيمَانٍ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي شَيْءٍ مَا فَهُوَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ - وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِيهِ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَذِهِ الْآيَةُ يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا أَنَّ أَهْوَاءَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكْفُرَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] فَإِذْ أَهْوَاؤُهُمْ مَعْرُوفَةٌ فَفَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يُطِيعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ مُرَادُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِرَأْيٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -
[ ١٢ / ١٤٤ ]
مُشِيرِينَ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ رَاجِينَ أَنْ يَتْبَعَهُمْ فِيهِ، فَإِذْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَدْرِي أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَلَكِنَّهُمْ مَعْرُوفَةٌ صِفَاتُهُمْ جُمْلَةً، وَمِنْ صِفَاتِهِمْ بِلَا شَكٍّ إرَادَتُهُمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ النَّاسِ كُفَّارًا.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] الْآيَةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ قَائِلِينَ قَالُوا ذَلِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَيْضًا مُمْكِنٌ أَنْ يَقُولَهُ يَهُودٌ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَقُولَهُ أَيْضًا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَوَرًا وَجُبْنًا، وَإِذْ كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] فَإِنَّ هَذَا قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ نَزَلَ فِي بَنِي حَارِثَةَ، وَبَنِي سَلَمَةَ - وَهُمْ الْأَفَاضِلُ الْبَدْرِيُّونَ الْأُحُدِيُّونَ - وَلَكِنَّهَا كَانَتْ وَهْلَةً فِي اسْتِئْذَانِهِمْ النَّبِيَّ - ﷺ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَقَوْلُهُمْ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] وَفِيهِمَا نَزَلَتْ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] . كَمَا نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] قَالَ جَابِرٌ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ.
قَالَ جَابِرٌ: وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ أَصْلًا، فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] .
[ ١٢ / ١٤٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَكِنَّهَا صِفَةٌ يَعْرِفُهَا مِنْ نَفْسِهِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] بَيَانٌ جَلِيٌّ عَلَى بَسْطِ التَّوْبَةِ لَهُمْ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ مُعْتَرِفٌ بِالْإِسْلَامِ، لَائِذٌ بِالتَّوْبَةِ فِيمَا صَحَّ عَلَيْهِمْ، مِنْ قَوْلٍ يَكُونُ كُفْرًا وَمَعْصِيَةً.
فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ ادَّعَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْكُفْرَ فِي بَاطِنِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [النساء: ٨١]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ مَضَى قَوْلُنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] لَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ قِتَالِ الْكَافِرِينَ وَإِصْغَارِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ وَنَصَحَ نَفْسَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ، وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: لَيُغْرِيَنَّ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَهُ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - وَإِعْرَابُ - مَلْعُونِينَ - أَنَّهُ حَالٌ لِمُجَاوَرَتِهِمْ - مَعْنَاهُ لَا يُجَاوِرُونَهُ إلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ.
وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ هَذَا لَقَالَ: مَلْعُونُونَ عَلَى خَبَرِ ابْتِدَاءٍ مُضْمَرٍ ثُمَّ أَكَّدَ تَعَالَى بِأَنَّ هَذَا هُوَ سُنَّتَهُ تَعَالَى الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ.
فَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - عَلِمَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَعَلِمَ نِفَاقَهُمْ، هَلْ انْتَهَوْا أَوْ لَمْ يَنْتَهُوا؟ فَإِنْ قَالَ: انْتَهَوْا، رَجَعَ إلَى الْحَقِّ، وَصَحَّ أَنَّهُمْ تَابُوا وَلَمْ يَعْلَمْ بَاطِنَهُمْ - فِي
[ ١٢ / ١٤٦ ]
صِحَّةِ التَّوْبَةِ أَوْ كَذِبِهَا - إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - قَطُّ إلَّا الظَّاهِرَ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، أَوْ كُفْرًا رَجَعُوا عَنْهُ فَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ مِنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَنْتَهُوا، لَمْ يَبْعُدْ عَنْ الْكُفْرِ، لِأَنَّهُ يَكْذِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ تَعَالَى بَدَّلَ سُنَّتَهُ الَّتِي قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُبَدِّلُهَا أَوْ بَدَّلَهَا رَسُولُهُ - ﵇ -.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ثُمَّ تَمَادَى فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ مُجَوِّرٌ لِرَسُولِهِ - ﵇ - وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ كُفْرٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: مَا انْتَهَوْا وَلَا أَغْرَاهُ بِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا، فَإِنَّ قَائِلَهُ آفِكٌ كَاذِبٌ، عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَهُ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ طَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي عَصَى فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَطْبَعْ عَلَى قَلْبِهِ فِيهِ لَمَا عَصَى؟ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ مُنَافِقِينَ فَإِعْلَانُهُمْ بِالتَّوْبَةِ مَاحٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْبَاطِنِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد: ٢٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّظَرُ يُبَيِّنُ مُعْتَقَدَهُمْ وَإِظْهَارَهُمْ الْإِسْلَامَ تَوْبَةً تَصِحُّ بِهِ قَبُولُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّظَرُ دَلِيلًا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ وَلَا فَرْقَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ صِفَةٌ مُجْمَلَةٌ لِمَنْ ارْتَدَّ مُعْلِنًا أَوْ مُسِرًّا، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ
[ ١٢ / ١٤٧ ]
- ﵇ - عَرَفَ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ مُسِرُّونَ لِلْكُفْرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد: ٢٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَرَاهُمْ نَبِيَّهُ - ﵇ - وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فَهَذَا كَالنَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ إنْ كَانَ لَحْنُ الْقَوْلِ بُرْهَانًا يَقْطَعُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، فَإِظْهَارُهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِعْلَانُهُمْ الْإِسْلَامَ تَوْبَةٌ فِي الظَّاهِرِ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَإِنْ كَانَ - ﵇ - لَا يَقْطَعُ بِلَحْنِ قَوْلِهِمْ عَلَى ضَمِيرِهِمْ، فَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ يَعْرِفُهُ فِي الْأَغْلَبِ لَا يَقْطَعُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي " بَرَاءَةٍ، وَالْفَتْحِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ [الفتح: ١١] الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَبَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ إنْ تَابُوا وَأَطَاعُوا لِمَنْ دَعَاهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﵇ - إلَى الْجِهَادِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ تَعَالَى غَلَبَةً وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَسَطَ لَهُمْ التَّوْبَةَ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإِظْهَارُهُمْ الطَّاعَةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ - ﵇ - مُدْخِلٌ لَهُمْ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَمُبْطَلٌ لَأَنْ يَكُونَ - ﵇ - عَرَفَ بَاطِنَهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [الحديد: ١٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ [الحديد: ١٤] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ حِكَايَةٌ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﵌ - وَلَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ يُوَافِقُهَا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ
[ ١٢ / ١٤٨ ]
نا أَبِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ فِي حَدِيثٍ «فَيَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ؟ فَيَتْبَعُ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ [المجادلة: ٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَؤُلَاءِ مَعْرُوفُونَ بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ مَبْسُوطَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ صِفَةُ قَوْمٍ لَمْ يُسْلِمُوا إلَّا أَنَّهُمْ يَتَبَرَّءُونَ مِنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالْكُفْرِ فَالتَّوْبَةُ لَهُمْ مَبْسُوطَةٌ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى فِي سَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي تَلَوْنَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر: ١١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر: ١٤]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَدْ يَكُونُ سِرًّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ فَالتَّوْبَةُ لَهُمْ مَبْسُوطَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا نَزَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ نا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَرْسَلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالُوا: كَذَبَ
[ ١٢ / ١٤٩ ]
زَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالَ شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقِي فِي إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ فَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ - ﵌ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ؟ فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ» .
قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ: فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا، أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﵌ - فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»، فَقَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عُمَرَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﵌ -؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] فَهُمْ قَوْمٌ كَفَرُوا بِلَا شَكٍّ بَعْدَ إيمَانِهِمْ ارْتَدُّوا بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، إلَّا أَنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ بِيَقِينٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْآيَةِ، وَفِيمَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] .
وَأَمَّا مَنْعُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ بِلَا شَكٍّ فِيمَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، لَا فِي مُرَاجَعَةِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْكُفْرِ، فَإِنَّ هَذَا مَقْبُولٌ مِنْهُمْ بِلَا شَكٍّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا سَلَفَ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَا قَبْلُ، وَأَيْضًا إطْلَاقُهُمْ فِيهِ نَبِيَّهُ - ﵌ - عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] وَهُمْ قَدْ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِلَا شَكٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّاتِهِمْ.
[ ١٢ / ١٥٠ ]
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ شَكِّ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُمَرَ - ﵃ - فِي ابْنِ أُبَيٍّ بِعَيْنِهِ صَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ عَنْ جَابِرٍ إذْ «قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - ﵇ - دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ» فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مُنَافِقٌ، لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ نَافَقَ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - ﵁ - مِثْلَ هَذَا فِي مُؤْمِنٍ بَرِئَ مِنْ النِّفَاقِ جُمْلَةً - وَهُوَ حَاطِبُ بْنُ بَلْتَعَةَ - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى تَحْرِيمِ دَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِقَوْلِهِ - ﵇ - " دَعْهُ " وَهُوَ - ﵇ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِأَنْ يَدَعَ النَّاسُ فَرْضًا وَاجِبًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - ﵇ - «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» بَيَانٌ جَلِيٌّ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، مَقْطُوعٌ عَلَى غَيْبَةٍ بِصِحَّةِ بَاطِنٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - بِظَاهِرِ إسْلَامِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَاَلَّذِينَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى دِمَاءَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا؟ وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ حَلَّ دَمُ ابْنِ أُبَيٍّ لَمَا حَابَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَمَا ضَيَّعَهُ - ﵇ -؟ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَقْتُلُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، لِنِسْبَتِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْبَاطِلَ، وَمُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهِ: لَقَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَصْحَابَهُ الْفُضَلَاءَ الْمَقْطُوعَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْجَنَّةِ، إذْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ، كَمَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ - ﵃ - فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ، وَالضَّلَالِ الْبَحْتِ، وَالْفُسُوقِ الْمُجَرَّدِ: بَلْ مِنْ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ: أَنْ يَعْتَقِدَ، أَوْ يَظُنَّ - مَنْ هُوَ مُسْلِمٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - يَقْتُلُ مُسْلِمِينَ فَاضِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَشْنَعَ قِتْلَةً بِالْحِجَارَةِ، وَيَقْتُلُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد الْأَنْصَارِيَّ قِصَاصًا بِالْمُجَدَّرِ بْنِ خِيَارٍ الْبَلَوِيِّ بِعِلْمِهِ - ﵇ - دُونَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي أَمَرَ أُنَيْسًا بِرَجْمِهَا، إنْ اعْتَرَفَتْ.
وَبِقَطْعِ يَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ - وَيَقُولُ «لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
[ ١٢ / ١٥١ ]
وَبِقَوْلِهِ - ﵇ - «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَصَابَ الضَّعِيفُ مِنْهُمْ الْحَدَّ أَقَامُوهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ» .
ثُمَّ يَفْعَلُ هُوَ - ﵇ - ذَلِكَ، وَيُعَطِّلُ إقَامَةَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ عَلَى كَافِرٍ يَدْرِي أَنَّهُ ارْتَدَّ الْآنَ، ثُمَّ لَا يَقْنَعُ بِهَذَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ كَافِرٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ.
وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ دَانَ بِهَذَا وَاعْتَقَدَهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، مُشْرِكٌ، مُرْتَدٌّ، حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ - نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ وَمِنْ وِلَايَتِهِ - مَنْ يَظُنُّ بِهِ النِّفَاقَ بِلَا خِلَافٍ، فَالْأَمْرُ فِيمَنْ دُونَهُ بِلَا شَكٍّ أَخْفَى - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَصَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ أَنْ كَفَرَ هُوَ وَمَنْ سَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَالْإِسْلَامَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ بَاطِنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ؟ أَمْ عَلَى مَا أَظْهَرُوا مِنْ التَّوْبَةِ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ الْمُجَازِي عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: أَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَكَفَرَ فَإِنَّهُ - ﵇ - يُجَاهِدُهُ بِعَيْنِهِ بِلِسَانِهِ، وَالْإِغْلَاظُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ - وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ جَاهَدَهُ جُمْلَةً بِالصِّفَةِ، وَذَمِّ النِّفَاقِ، وَالدُّعَاءِ إلَى التَّوْبَةِ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ الْبَحْتِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا بِعَيْنِهِ مُنَافِقٌ مُتَّصِلُ النِّفَاقِ ثُمَّ لَا يُجَاهِدُهُ، فَيَعْصِي رَبَّهُ تَعَالَى، وَيُخَالِفُ أَمْرَهُ - وَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ نَسَبَ الِاسْتِهَانَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى رَسُولِهِ - ﷺ -، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَقِيَتْ آثَارٌ نَذْكُرُهَا الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
[ ١٢ / ١٥٢ ]
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ني اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - نا عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ «عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - قَالَ فِي حَدِيثٍ فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدِّخْشَنِ - أَوْ ابْنُ دَخْشَنٍ - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ نا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدًا، فَإِنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا جَرِيرٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا يَعْدِلُ فِيهَا، مَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قَالَ فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُلْت: لَا جَرَمَ، لَا أَرْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ
[ ١٢ / ١٥٣ ]
أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: نا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: أَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ - وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ؟ قَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ أَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَتْ الْأَنْصَارُ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ؟ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ؟ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﵌ - فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ مَا شَأْنُهُمْ؟ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ - دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: قَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَا تَقْتُلُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ؟ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ: أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ - هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - مِنْ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُخَلَّصْ مِنْ تُرَابِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ - وَشَكَّ فِي الرَّابِعِ - فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﵌ - فَقَالَ: أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينٌ فِي
[ ١٢ / ١٥٤ ]
السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ. فَقَالَ: وَيْلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي. قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ، إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ: قَالَ: سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ «عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ هَذَا؟ أَرَأْيٌ رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ؟ أَوَعَهِدَ إلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَحَسَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ: أَنَّهُ قَالَ: فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ يَكْفِيهِمْ الرَّسْلَةُ، سِرَاجٌ مِنْ النَّارِ يَظْهَرُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ» .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو أَحْمَدَ - هُوَ الزُّبَيْرِيُّ - نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عِيَاضٍ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُ فَلْيَقُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ - حَتَّى عَدَّ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ - ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِنْكُمْ وَإِنَّ فِيكُمْ، فَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ؟ فَمَرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ مُقَنَّعٍ قَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ» .
[ ١٢ / ١٥٥ ]
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - كَانَ إذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﵇ - اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا أَحْمَدُ الْكُوفِيُّ نا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ نا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إذْ سَأَلَكَ؟ قَالَ - يَعْنِي حُذَيْفَةَ -: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حِزْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً؟ قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْعَقَبَةُ الْفَاضِلَةُ الْمَحْمُودَةُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، تِلْكَ كَانَتْ لِلْأَنْصَارِ خَالِصَةً شَهِدَهَا مِنْهُمْ - ﵃ - سَبْعُونَ رَجُلًا وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَحْدَهُ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ يَوْمَئِذٍ، لَكِنَّهُ شَفَقَةٌ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ جَعْفَرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ: بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَحَادِيثُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى حُذَيْفَةَ فِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يَدْرِي الْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ: أَهُوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَخْبَرَ أَحَدًا بَعْدَك بِمِثْلِ هَذَا، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَإِذَا حَضَرَ حُذَيْفَةُ جِنَازَةً حَضَرَهَا عُمَرُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا حُذَيْفَةُ لَمْ يَحْضُرْهَا عُمَرُ، وَفِي بَعْضِهَا مِنْهُمْ: شَيْخٌ لَوْ ذَاقَ الْمَاءَ مَا وَجَدَ لَهُ طَعْمًا: كُلُّهَا غَيْرُ مُسْنَدَةٍ.
[ ١٢ / ١٥٦ ]
وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَلَمْ أَذْهَبْ إلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ثَنْي «عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيُّ، قَالَ: قُلْت لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: هَلْ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ النِّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَخِيهِ، وَمِنْ أَبِيهِ، وَمِنْ بَنِي عَمِّهِ، وَمِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ يُلْبِسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ - قَالَ مَحْمُودٌ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفٍ نِفَاقُهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - حَيْثُ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَجَرِ مَا كَانَ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - حِينَ دَعَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فَأَمْطَرَتْ حَتَّى ارْتَوَى النَّاسُ، أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ: وَيْحُكَ أَبَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - سَارَ حَتَّى كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضَلَّتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ - وَكَانَ فِي رَحْلِ يَزِيدَ بْنِ نَصِيبٍ الْقَيْنُقَاعِيِّ وَكَانَ مُنَافِقًا، فَقَالَ يَزِيدُ - وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ - وَعُمَارَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﵇ -: أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَلَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ: إنَّ رَجُلًا قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ - هُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ - وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ إلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي عَلَيْهَا - وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي مِنْ شِعْبِ كَذَا وَكَذَا - وَقَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بِهَا؟ فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا، فَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَعْجَبُ شَيْءٍ حَدَّثْنَاهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - آنِفًا عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا - لِلَّذِي قَالَ يَزِيدُ بْنُ نَصِيبٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -: يَزِيدُ، وَاَللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ؟ فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى يَزِيدَ يَجَأُ فِي عُنُقِهِ وَيَقُولُ: يَا آلَ عِبَادِ اللَّهِ، إنَّ فِي رَحْلِي الرَّاهِبَةَ، وَمَا أَشْعُرُ، اُخْرُجْ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي فَلَا تَصْحَبْنِي»؟ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ - وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ - فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا ثَلَاثَةٌ، يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] قَالَ حُذَيْفَةُ: وَلَا بَقِيَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إلَّا أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ
[ ١٢ / ١٥٧ ]
لَهُ أَعْرَابِيٌّ: إنَّكُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ تُخْبِرُونَنَا بِمَا لَا نَدْرِي، فَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْقُرُونَ بُيُوتَنَا، وَيَسْرِقُونَ أَعْلَافَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ، أَجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا أَرْبَعَةٌ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ وَجَدَ لَهُ بَرْدًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ أَصْلًا.
أَمَّا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الدِّخْشَنِ فَصَحِيحٌ وَهُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَخْبَرَ بِأَنَّ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا وَهَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «نُهِينَا عَنْ قِتَالِ الْمُصَلُّونً» .
وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدًا» فَإِنَّ هَذَا عُمُومًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَخْفَى هَذَا عَلَى أَحَدٍ - وَإِذْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِذَا عَرَفْنَا الْمُنَافِقَ وَنُهِينَا أَنْ نُسَمِّيَهُ " سَيِّدًا " فَلَيْسَ مُنَافِقًا بَلْ مُجَاهِرًا، وَإِذَا عَرَفْنَا مَنْ الْمُنَافِقُ؟ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْغَيْبَ؟ وَلَا مَا فِي ضَمِيرِهِ فَهُوَ مُعْلِنٌ لَا مُسِرٌّ.
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ - وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّ خِصَالًا مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ.
وَلَيْسَ هَذَا نِفَاقُ الْكُفْرِ، لَكِنَّهُ مُنَافِقٌ لِإِظْهَارِهِ خِلَافَ مَا يُضْمِرُهُ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَذِبِهِ، وَغَدْرِهِ، وَفُجُورِهِ، وَإِخْلَافِهِ، وَخِيَانَتِهِ - وَمَنْ هَذِهِ صِفَاتُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى سَيِّدًا، وَمَنْ سَمَّاهُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطَ اللَّهَ تَعَالَى بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - بِذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - فَإِنَّ الْقَائِلَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - لَمْ يَعْدِلْ، وَلَا أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا عَمِلَ فَهُوَ كَافِرٌ مُعْلِنٌ بِلَا شَكٍّ.
وَكَذَلِكَ الْقَائِلُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ إذْ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فِي قَتْلِهِ إذْ قَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
[ ١٢ / ١٥٨ ]
وَكَذَلِكَ أَيْضًا اسْتِئْذَانُ عُمَرَ فِي قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا بِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ أَنْ قَالُوا مَا قَالُوا: حُرِّمَتْ دِمَاؤُهُمْ وَصَارُوا بِذَلِكَ جُمْلَةَ أَصْحَابِهِ - ﵇ -.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقْتَلُ أَصْلًا، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَقَدْ قَتَلَ أَصْحَابَهُ الْفُضَلَاءَ، كَمَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ، إذْ وَجَبَ الْقَتْلُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ لَمَا ضَيَّعَ ذَلِكَ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُسَمِّيَ كَافِرًا مُعْلِنًا بِأَنَّهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَلَا أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﵇ -، وَهُوَ - ﵇ - قَدْ أَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهِ.
فَصَحَّ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، فَحُرِّمَتْ بِذَلِكَ دِمَاؤُهُمْ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَبَاطِنُهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ، فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي تَوْبَتِهِمْ فَهُمْ أَصْحَابُهُ حَقًّا عِنْدَ النَّاسِ ظَاهِرُهُمْ، وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِنُهُمْ وَظَاهِرُهُمْ، فَهُمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَنَّهُمْ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُنَا مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ نُصَيْفَ مُدِّ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ، فَهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمُونَ، وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كُفَّارٌ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ إذْ اسْتَأْذَنَهُ خَالِدٌ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ فَقَالَ: لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي، فَقَدْ صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ - ﵇ - لِخَالِدٍ عَنْ قَتْلِهِ، وَلَوْ حَلَّ قَتْلُهُ لَمَا نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِالسَّبَبِ الْمَانِعِ مِنْ قَتْلِهِ - وَهُوَ أَنَّهُ لَعَلَّهُ يُصَلِّي - فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: رُبَّ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِيَشُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الظَّاهِرُ - وَأَخْبَرَنَا - ﵇ - أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنَّ ظَاهِرَهُمْ مَانِعٌ مِنْ قَتْلِهِمْ أَصْلًا.
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ، وَفِيهِ: «أَنَّهُ - ﵇ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، بِقَتْلِهِ، فَوَجَدَهُ يَرْكَعُ، وَوَجَدَهُ الْآخَرُ يَسْجُدُ فَتَرَكَاهُ، وَأَمَرَ عَلِيًّا بِقَتْلِهِ فَمَضَى فَلَمْ
[ ١٢ / ١٥٩ ]
يَجِدْهُ، وَأَنَّهُ - ﵇ - قَالَ: لَوْ قُتِلَ لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْ أُمَّتِي اثْنَانِ» وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَصْلًا، وَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ «فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا» فَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَهُوَ إخْبَارٌ بِصِفَةٍ عَنْ عَدَدٍ فَقَطْ لَيْسَ فِيهِمْ بَيَانُ أَنَّهُمْ عُرِفُوا بِأَسْمَائِهِمْ فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّنَا قَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ عَنْ أَبِيهِ: أَرَاهُ عِيَاضُ بْنُ عِيَاضٍ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُمْ قَدْ انْكَشَفُوا وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُمْ، فَلَيْسُوا مُنَافِقِينَ، بَلْ هُمْ مُجَاهِرُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونُوا تَابُوا فَحُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ بِذَلِكَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا فَهُوَ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ لَا يَرَى قَتْلَ الْمُرْتَدِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَأْمُونِينَ مِنْ الْعَذَابِ وَهَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - عَرَفَ كُفْرَهُمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَسَاقِطٌ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - وَلَا نَرَاهُ يَعْلَمُ مَنْ وَضَعَ الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى أَخْبَارًا فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵃ - أَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ - ﵌ - وَإِلْقَاءَهُ مِنْ الْعَقَبَةِ فِي تَبُوكَ - وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ الْمَوْضُوعُ الَّذِي يَطْعَنُ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِعَهُ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَاوِيه أَبُو سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا هُبُوبُ الرِّيحِ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّمَا فِي هَذَا انْكِشَافُ أَمْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يُوقِنْ قَطُّ، بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلِمَ نِفَاقَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ بِالظَّنِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَأَمَّا
[ ١٢ / ١٦٠ ]
الْمَوْقُوفَةُ عَلَى حُذَيْفَةَ - فَلَا تَصِحُّ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ بِلَا شَكٍّ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُمْ صَحَّ نِفَاقُهُمْ وَعَاذُوا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمْ يَقْطَعْ حُذَيْفَةُ وَلَا غَيْرُهُ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِمْ، فَتَوَرَّعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.
وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ: أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا، وَلَا أُخْبِرُ أَحَدًا غَيْرَك بَعْدَك - وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَرَى، لِأَنَّ مِنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَشُكُّ فِي مُعْتَقَدِ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَدْرِي أَمُنَافِقٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ جَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُنَافِقٌ، إنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَقَطْ - فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْخَبَرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ فَمُنْقَطِعٌ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَإِذْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا نِفَاقًا بَلْ هُوَ كُفْرٌ مَشْهُورٌ، وَرِدَّةٌ ظَاهِرَةٌ - هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ " لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا ثَلَاثَةٌ " فَصَحِيحٌ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ فِي نَصِّ الْآيَةِ أَنْ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَنْتَهُوا، فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَنْتَهُوا لَمَا تُرِكَ قِتَالُهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ " أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إلَّا أَرْبَعَةٌ " فَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ غَيْبَ الْقُلُوبِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَهُمْ مِمَّنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي نا الْأَعْمَشُ ني إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ، قَالَ الْأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ، فَرَمَانِي حُذَيْفَةُ بِالْحَصَى فَأَتَيْته، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْت مِنْ ضِحْكِهِ وَقَدْ عَلِمَ مَا قُلْت " لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ النِّفَاقَ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
[ ١٢ / ١٦١ ]
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ نا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: إنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا حِينَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَانِ أَثَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فِي أَحَدِهِمَا بَيَانٌ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا يُسِرُّونَ، وَفِي الثَّانِي أَنَّهُمْ تَابُوا - فَبَطَلَ تَعَلُّقُ مَنْ تَعَلَّقَ بِكُلِّ آيَةٍ وَكُلِّ خَبَرٍ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَصَحَّ أَنَّهُمْ قِسْمَانِ: إمَّا قِسْمٌ لَمْ يُعْلَمْ بَاطِنُ أَمْرِهِ، فَهَذَا لَا حُكْمَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِسْمٌ عُلِمَ بَاطِنُ أَمْرِهِ وَانْكَشَفَ فَعَاذَ بِالتَّوْبَةِ.
قَالُوا: إنَّ الَّذِي جَوَّرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ، وَلَا أَرَادَ بِقِسْمَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ مُرْتَدٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، مُنْكَشِفُ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّهُ قُتِلَ، بَلْ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ؟ قُلْنَا: أَمَّا هَذَا فَحَقٌّ، كَمَا قُلْتُمْ، لَكِنَّ الْجَوَابَ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَكُنْ أَمَرَ بَعْدُ بِقَتْلِ مَنْ ارْتَدَّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِ مَنْ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَنُسِخَ تَحْرِيمُ قَتْلِهِمْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «بَعَثَ عَلِيٌّ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ إنْ عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ فِي قَتْلِهِ - يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمَ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» .
[ ١٢ / ١٦٢ ]
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ نا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُجَيْرَمِيُّ نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نا سَلَّامٍ بْنِ سُلَيْمَانَ - هُوَ أَبُو الْأَحْوَصِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا فَقَسَمَهَا النَّبِيُّ - ﵌ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، بَيْنَ: عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْكِلَابِيِّ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: إنَّمَا أَعْطَيْتُهُمْ أَتَأَلَّفُهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إنْ عَصَيْتُهُ أَنَا؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ فَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ فِي قَتْلِهِ، فَأَبَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ كَمَا تَرَى الْإِسْنَادُ الثَّابِتُ: أَنَّ هَذَا الْمُرْتَدَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قَتْلِهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ - ﵇ - فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ: أَنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ ضِئْضِئِهِ عِصَابَةٌ إنْ أَدْرَكَهُمْ قَتَلَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْهُ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُ بَعْدَ كَوْنِهِ فَدُخُولُهُ كَدُخُولِ السَّهْمِ فِي الرَّمِيَّةِ، فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْهُ.
فَصَحَّ إنْذَارُ النَّبِيِّ - ﵇ - بِوُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَأْمُرُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ - فَثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَتْلَ مَنْ ارْتَدَّ كَانَ حَرَامًا - وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْهُ - ﵇ - وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ لَا لِعُمَرَ، وَلَا لِخَالِدٍ.
ثُمَّ إنَّهُ - ﵇ - نَذَرَ بِأَنَّهُ سَيُبَاحُ قَتْلُهُ، وَأَنَّهُ سَيَجِبُ قَتْلُ مَنْ يَرْتَدُّ فَصَحَّ يَقِينًا نَسْخُ ذَلِكَ الْحَالِ، وَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ، وَمُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ مِنْ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْمُرْتَدُّ،
[ ١٢ / ١٦٣ ]
وَصَحَّ أَنَّهُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ تَعَلَّقَ بِمَنْسُوخٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.