٢٢٣١ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ الْمُحْصَنَاتُ الْوَاجِبُ بِقَذْفِهِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ؟
[ ١٢ / ٢٢٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ، فَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ " الْمُحْصَنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ: هُنَّ النِّسَاءُ " لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ جَاءَ بِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْنَا أَصْحَابُ الْقِيَاسِ هَاهُنَا وَقَالُوا لَنَا: إنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ بِجَلْدِ الْحَدِّ مِنْ قَذْفِ امْرَأَةٍ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَى؟ وَمَا هَذَا إلَّا قِيَاسٌ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ الْقِيَاسَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَأَجَابَهُمْ أَصْحَابُنَا هَاهُنَا بِأَجْوِبَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُقْنِعٌ كَافٍ، مُبْطِلٌ لِاعْتِرَاضِهِمْ هَذَا الْفَاسِدِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَأَحَدُ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ: أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: جَاءَ النَّصُّ بِالْحَدِّ عَلَى قَذْفِ النِّسَاءِ وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ بِحَدِّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا وَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ وَأَصْلٌ مِنْ أُصُولِنَا الَّتِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهَا وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا اتِّبَاعَ الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: بَلْ نَصُّ الْآيَةِ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى النُّفُوسَ الْمُحْصَنَاتِ قَالُوا: وَبُرْهَانُ هَذَا الْقَوْلِ وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَكَان آخَرَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] قَالُوا: فَلَوْ كَانَتْ لَفْظَةُ " الْمُحْصَنَاتُ " لَا تَقَعُ إلَّا عَلَى النِّسَاءِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى " مِنْ النِّسَاءِ " مَعْنًى وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا فَصَحَّ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مُرَادَهُ هُنَالِكَ بِأَنْ قَالَ " مِنْ النِّسَاءِ " وَأَجْمَلَ الْأَمْرَ فِي آيَةِ الْقَذْفِ إجْمَالًا.
[ ١٢ / ٢٢٦ ]
قَالُوا: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وَ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَكْرَارٍ لَا فَائِدَةَ أُخْرَى فِيهِ إلَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي دَعَوَاكُمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] تَكْرَارٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا نَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِ الرَّجُلِ لَمَا كَانَ فِي الْآيَةِ احْتِجَاجٌ وَإِيجَابُنَا الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ وَقَاذِفِ الْكَافِرَةِ، لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ؟
وَأَمَّا جَوَابُنَا الَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَنَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبُرْهَانِ الْوَاضِحِ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الْفُرُوجَ الْمُحْصَنَاتِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الشُّهُودِ الْمَذْكُورِينَ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ شَهَادَتَهُمْ الَّتِي يُكَلَّفُونَهَا هِيَ أَنْ يَشْهَدُوا بِأَنَّهُمْ رَأَوْا فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا وَالِجًا خَارِجًا - وَالْإِجْمَاعُ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ شَهَادَةً بِزِنًى وَلَا يَبْرَأُ بِهَا الْقَاذِفُ مِنْ الْحَدِّ.
فَصَحَّ أَنَّ الرَّمْيَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ الْفُرُوجُ فَقَطْ.
وَأَيْضًا، بُرْهَانٌ آخَرُ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْت
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ»؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الزِّنَى إلَّا لِلْفَرْجِ فَقَطْ وَأَبْطَلَهُ عَنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْجِسْمِ - أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا - إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيهَا الْفَرْجُ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ النَّفْسَ وَالْقَلْبَ وَجَمِيعَ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ، حَاشَ الْفَرْجَ لَا رَمْيَ فِيهَا، وَلَا قَذْفَ أَصْلًا، وَأَنَّهُ لَا رَمْيَ إلَّا لِلْفُرُوجِ فَقَطْ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا وَلَا مِرْيَةَ، فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] هِيَ بِلَا شَكٍّ " الْفُرُوجُ " الَّتِي لَا يَقَعُ " الرَّمْيُ " إلَّا عَلَيْهَا، لَا يَكُونُ الزِّنَى الْمَرْمِيُّ بِهِ إلَّا مِنْهَا؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ " الْمُحْصَنَاتِ " نَعْتٌ وَلَا يُفْرَدُ النَّعْتُ عَنْ ذِكْرِ الْمَنْعُوتِ؟
قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَأَشْعَارَ الْعَرَبِ مَمْلُوءٌ مِمَّا جَاءَ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ هَذَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨] . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّعْتَ دُونَ ذِكْرِ الْمَنْعُوتِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا جَاعِلَاتِ الْعَاجِ فَوْقَ الْمَعَاصِمِ
فَذَكَرَ النَّعْتَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَنْعُوتَ وَمَا نَعْلَمْ نَحْوِيًّا مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِئَلَّا يُمَوِّهَ مُمَوِّهٌ.
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ أَرَادَ " النِّسَاءَ الْمُحْصَنَاتِ "
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
فَعَلَى كُلِّ حَالٍ قَدْ حَذَفَ الْمَنْعُوتَ وَاقْتَصَرَ عَلَى النَّعْتِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اقْتِصَارِهِ تَعَالَى عَلَى ذِكْرِ " الْمُحْصَنَاتِ " وَحَذْفِ الْفُرُوجِ عَلَى قَوْلِنَا، أَوْ حَذْفِ " النِّسَاءِ " عَلَى قَوْلِهِمْ - فَسَقَطَ اعْتِرَاضُهُمْ جُمْلَةً، وَقَوْلُنَا نَحْنُ الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ دَعْوَاهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَنَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِذَلِكَ " النِّسَاءَ " فَدَعْوَى عَارِيَّةٌ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، لِأَنَّهُمْ يَخُصُّونَ تَأْوِيلَهُمْ هَذَا، وَيُسْقِطُونَ الْحَدَّ عَنْ قَاذِفِ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ: كَالْإِمَاءِ، وَالْكَوَافِرِ، وَالصِّغَارِ، وَالْمَجَانِينِ، فَقَدْ أَفْسَدُوا دَعْوَاهُمْ مِنْ قُرْبٍ مَعَ تَعَرِّيهَا مِنْ الْبُرْهَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.