ذِكْرُ مَا قِيلَ فِي آيَةِ الْمُحَارَبَةِ ٢٢٥٩ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ قَوْمٌ: آيَةُ الْمُحَارَبَةِ نَاسِخَةٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالْعُرَنِيِّينَ، وَنَهْيٌ لَهُ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
[ ١٢ / ٢٨٥ ]
«أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَهَا وَاسْتَاقُوهَا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَلَبِهِمْ قَافَةً، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]»
الْآيَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا قَطَعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ، عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الصَّمَدِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - نا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَوْلِهِ إنَّهُ مَنْسُوخٌ إلَّا بِيَقِينٍ مَقْطُوعٍ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَمَّا بِالظَّنِّ، الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ فَلَا. فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخٍ أَصْلًا - لَا بِنَصٍّ وَلَا بِمَعْنًى - وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَطَعَ أَيْدِي الْعُرَنِيِّينَ وَأَرْجُلَهُمْ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الْمُحَارَبَةِ - وَهَذَا ظَاهِرٌ: أَنَّ نُزُولَ آيَةِ الْمُحَارَبَةِ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ، كَسَائِرِ الْقُرْآنِ فِي نُزُولِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، أَوْ تَصْوِيبًا لِفِعْلِهِ - ﵇ - بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُوَافِقَةٌ لِفِعْلِهِ - ﵇ - فِي قَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَزَائِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ تَخْيِيرًا فِي الْقَتْلِ، أَوْ الصَّلْبِ، أَوْ النَّفْيِ - وَكَانَ مَا زَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْقَطْعِ مِنْ السَّمْلِ، وَتَرْكِهِمْ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا قِصَاصًا بِمَا فَعَلُوا بِالرِّعَاءِ:
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجِ - مَرْزُوقِيٌّ ثِقَةٌ - نا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ - ثِقَةٌ مَأْمُونٌ - نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إنَّمَا سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَعْيُنَ أُولَئِكَ الْعُرَنِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَا أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرِّعَاءَ، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ أُولَئِكَ الْعُرَنِيِّينَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ حُقُوقٌ: مِنْهَا الْمُحَارَبَةُ، وَمِنْهَا سَمْلُهُمْ أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وَقَتْلُهُمْ إيَّاهُمْ، وَمِنْهَا الرِّدَّةُ - فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ كُلِّ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحُدُودِ أَوْجَبَ بِالْإِقَامَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَائِرِهَا، وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَهَا لِبَعْضٍ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَحَكَمَ بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ بِلَا بُرْهَانٍ، وَخَالَفَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقِصَاصِ فِي الْعُدْوَانِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَقَطَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلْمُحَارَبَةِ، وَسَمَلَهُمْ لِلْقِصَاصِ، وَتَرَكَهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتُوا، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا؛ لِأَنَّهُمْ كَذَلِكَ قَتَلُوا هُمْ - الرِّعَاءَ - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ فَمُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَلَفْظُهُ مُنْكَرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَاتَبَهُ رَبُّهُ فِي آيَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَمَا يُسْمَعُ فِيهَا عِتَابٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ " الْعِتَابِ " إنَّمَا هُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] الْآيَاتِ. وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُحَارَبَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ لِلْمُعَاتَبَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ فَحَقٌّ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ - فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ - وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا مَنْ يَسْتَسْهِلُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ مَثَّلَ بِالْعُرَنِيِّينَ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، بَلْ هَذَا نَصْرٌ لِمَذْهَبِهِمْ فِي أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَلَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَهُمْ يَرَوْنَ عَلَى مَنْ جَدَعَ أَنْفَ إنْسَانٍ وَفَقَأَ عَيْنَيْ آخَرَ، وَقَطَعَ شَفَتَيْ ثَالِثٍ، وَقَلَعَ أَضْرَاسَ رَابِعٍ، وَقَطَعَ أُذُنَيْ خَامِسٍ: أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ كُلُّهُ، وَيُتْرَكَ، فَهَلْ فِي الْمُثْلَةِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا لَوْ عَقَلُوا عَنْ أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ؟
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، أَوْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُثْلَةً، إنَّمَا الْمُثْلَةُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا كَالرَّجْمِ لِلْمُحْصَنِ، وَكَالْقَطْعِ أَوْ الصَّلْبِ لِلْمُحَارِبِ، فَلَيْسَ مُثْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ أرنا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟ فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ نا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ نا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى ذَوْدِنَا فَكُنْتُمْ فِيهَا، فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَأَبْوَالِهَا؟ فَفَعَلُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَامُوا إلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَتَلُوهُ وَرَجَعُوا كُفَّارًا، وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. الْمُحَارِبُ يُقْتَلُ