٢٢٤٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَهَا قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ قَالَا جَمِيعًا: فِي امْرَأَةٍ قَذَفَتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا أَنَّهُ غَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ: فَإِنَّهَا تُضْرَبُ حَدَّ الْفِرْيَةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا قَتَادَةُ أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَصَاحَتْ؟ فَجَاءَ مُؤَذِّنٌ فَشَهِدَ لَهَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ سَمِعَ صِيَاحَهَا، فَلَمْ يَجْلِدْهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَيْرَةُ بْنُ أَبِي نَاجِيَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَنِي عَلَى نَفْسِي؟ فَقَالَ: هَلْ سَمِعَكِ أَحَدٌ أَوْ رَآك؟ قَالَتْ: لَا، فَجَلَدَهَا بِالرَّجُلِ - وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ، أَوْ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَقُولُ: إنَّ فُلَانًا أَكْرَهَنِي عَلَى نَفْسِي؟ قَالَ: إنْ كَانَ لَيْسَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ؛ جُلِدَتْ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَاهُنَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ السِّجْنَ الطَّوِيلَ، وَالْأَدَبَ، وَغُرْمَ مَهْرِ مِثْلِهَا - وَهَذِهِ أَقْوَالٌ تَدُورُ عَلَى وُجُوهٍ: إمَّا جَلْدُهَا حَدَّ الْقَذْفِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ. وَإِمَّا إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْهَا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ صِيَاحَهَا فَقَطْ - وَهُوَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَإِلَّا فَتُجْلَدُ. وَإِمَّا أَنْ يَدْرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ بِأَنْ يُرَى مَعَهَا خَالِيًا، وَيُؤَثِّرَ فِيهِ أَثَرًا، أَوْ يَسْمَعَ صِيَاحَهَا - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ - وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَزَادَ: أَنْ يُعَاقِبَ الرَّجُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - إنْ كَانَ ذَلِكَ - أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ إنْ ظَهَرَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا فَالْحَدُّ عَلَى الْمَرْأَةِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَيُسْجَنُ هُوَ وَيُطَالُ سِجْنُهُ، وَيَغْرَمُ مَهْرَ مِثْلِهَا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ - فَظَاهِرُ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ فِي الِادِّعَاءِ بَيْنَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْخَيْرِ، وَالْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْفَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ رَجُلًا يَدَّعِي دَيْنًا عَلَى آخَرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ: فَإِنَّهُ يَحْلِفُ - وَلَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ - ﵃ - وَقَدْ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلِيٌّ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ - ﵃ - وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَلَا أَبْعَدَ مِنْ التُّهْمَةِ، وَالدَّعْوَى بِجَحْدِ الْمَالِ، وَالظُّلْمِ، وَالْغَصْبِ كَالدَّعْوَى بِالْغَلَبَةِ فِي الزِّنَا، وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَمَعْصِيَةٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ» وَقَالَ - ﵇ - لِصَاحِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اخْتَصَمَا «بَيِّنَتُك أَوْ يَمِينُهُ» وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ، وَمَالِكٌ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا بَرًّا فَاضِلًا عَدْلًا - وَلَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ - ﵃ -: ادَّعَى مَالًا عَلَى يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَنَّ الْيَهُودِيَّ، أَوْ النَّصْرَانِيَّ: يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ لَأُحْلِفَ لَهُ، فَكَيْفَ يَقْضِي لَهَا بِدَعْوَاهَا، فَيُغَرِّمَهُ مَهْرَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَلَا فَاسِقَ أَفْسَقُ مِنْ كَافِرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَافِرُونَ هُمْ الْفَاسِقُونَ فَهَذَانِ وَجْهَانِ مِنْ الْخَطَأِ؟ وَثَالِثٌ - وَهُوَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ وَالْعُقُوبَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ - وَهَذَا ظُلْمٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. وَرَابِعٌ - هُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ يُصَدِّقُهَا أَوْ يُكَذِّبُهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ - فَإِنْ كَانَ يُصَدِّقُهَا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا حَدَّ الزِّنَا وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ وَضَيَّعَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ يُكَذِّبُهَا فَبِأَيِّ مَعْنًى يَسْجُنُهُ وَيُغَرِّمُهُ مَهْرَ مِثْلِهَا، فَيُؤَكِّلَهَا الْمَالَ بِالْبَاطِلِ، وَيَأْخُذَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَخَامِسٌ - وَهُوَ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَتْ - وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالْعَافِيَةِ: جَلَدَهَا حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِنْ مَكَثَتْ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ: رَجَمَهَا إنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً - وَهَذَا ظُلْمٌ مَا سُمِعَ
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
بِأَشْنَعَ مِنْهُ، وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِيهِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ قَبْلَ مَالِكٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ؟ فَفَعَلْنَا - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ رَمَى أَحَدًا بِالزِّنَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الَّتِي تَشْتَكِي بِإِنْسَانٍ: أَنَّهُ غَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا؟ فَوَجَدْنَاهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ قَاذِفَةً، أَوْ تَكُونَ غَيْرَ قَاذِفَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ قَاذِفَةً فَالْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَاذِفَ الْفَاسِقِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَقَاذِفِ الْفَاضِلِ، وَلَا فَرْقَ. وَالْقَذْفُ هُوَ مَا قُصِدَ بِهِ الْعَيْبُ وَالذَّمُّ وَهَذِهِ لَيْسَتْ قَاذِفَةً إنَّمَا هِيَ مُشْتَكِيَةٌ مُدَّعِيَةٌ، وَإِذْ لَيْسَتْ قَاذِفَةً فَلَا حَدَّ لِلْقَذْفِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ تُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهَا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، لَا سِجْنَ، وَلَا أَدَبَ، وَلَا غَرَامَةَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُحَرَّمٌ، وَبَشَرَتَهُ مُحَرَّمَةٌ، وَمُبَاحٌ لَهُ الْمَشْيُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَاقْضُوا عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قُلْنَا: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّ دَعْوَاهَا انْتَظَمَ حَقًّا لَهَا وَحَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ لَهَا فِيهِ دُخُولٌ وَلَا خُرُوجٌ؟ فَحَقُّهَا: التَّعَدِّي عَلَيْهَا وَظُلْمُهَا، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: هُوَ الزِّنَا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَحْلِفَ لَهَا فِي حَقِّهَا، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا تَعَدَّيْت عَلَيْك فِي شَيْءٍ، وَلَا ظَلَمْتُك وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا زَنَى؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِفُ فِي حَقٍّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّك غَصَبْتنِي وَزَيْدًا دِينَارًا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ لَهُ فِي حَقِّهِ مِنْ الدِّينَارِ لَا فِي حَقِّ زَيْدٍ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّمِّ وَالشَّكْوَى، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ - ابْتِدَاءً أَوْ فِي
[ ١٢ / ٢٦١ ]
كَلَامٍ بَيْنَهُمَا - يَا ظَالِمٌ، يَا غَاصِبٌ، أَنَّهُ مُسِيءٌ - فَمِنْ قَائِلٍ: عَلَيْهِ الْأَدَبُ، وَمِنْ قَائِلٍ: لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ شَكَا بِآخَرَ فَقَالَ: ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مُسِيئًا بِذَلِكَ فَصَحَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّكْوَى وَبَيْنَ الِاعْتِدَاءِ بِالسَّبِّ وَالْقَذْفِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.