٢٢٣٧ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا وَحُدَّ فِيهِ أَوْ لَمْ يُحَدَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا آثَارٌ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إذَا جُلِدَ الرَّجُلُ فِي حَدٍّ ثُمَّ أُونِسَ مِنْهُ تَرْكُهُ فَعَيَّرَهُ بِهِ إنْسَانٌ نُكِّلَ بِهِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: عَلَى مَنْ أَشَاعَ الْفَاحِشَةَ نِكْلٌ، وَإِنْ صَدَقَ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ حَدًّا فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَيَّرَهُ بِهِ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ نَكَلَ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ وَلَدُ زِنًا؟ فَطَأْطَأَ الْآخَرُ رَأْسَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَذَا؟ فَسَكَتَ، وَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِالْقَائِلِ ذَلِكَ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُجَأْ قَفَاهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الدَّارِ. وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَرَى عَلَى مَنْ قَذَفَ رَجُلًا جَلْدَ الْحَدِّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْقَاذِفُ بِاَللَّهِ مَا أَرَدْت حِينَ قُلْت لَهُ مَا قُلْت إلَّا الْأَمْرَ الَّذِي جُلِدَ فِيهِ الْحَدَّ.
[ ١٢ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - وَكَانَتْ جَدَّتُهُ قَدْ زَنَتْ - أَنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا جَدَّتَهُ الَّتِي أَحْدَثَتْ ثُمَّ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُجْلَدُ الْحَدَّ فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ: يَا زَانِي، قَالَ: يُسْتَجَبْ بِالدُّرَّةِ وَيُعَزَّرُ - وَمِنَّا مَنْ يَقُولُ: إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ جُلِدَ مَنْ قَذَفَ - وَمِمَّنْ قَالَ بِجَلْدِهِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الَّذِي تَزْنِي أَمَتُهُ «فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ» فَصَحَّ أَنَّ التَّثْرِيبَ عَلَى الزَّانِي حَرَامٌ، وَأَنَّ إشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ حَرَامٌ، وَلَا يَحِلُّ - بِلَا خِلَافٍ - أَذَى الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤْذَى بِهِ. فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ سَبَّ مُسْلِمًا بِزِنًا كَانَ مِنْهُ، أَوْ بِسَرِقَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، أَوْ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَذَى - لَا عَلَى سَبِيلِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ الْجَمِيلِ سِرًّا: لَزِمَهُ الْأَدَبُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» فَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَانُ مَا قَدَّمْنَا نَصًّا؛ لِأَنَّ فِيهِ أَبَاحَ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرَاتِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَمَنْ بَكَّتَ آخَرَ بِمَا فَعَلَ عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَنْ ذَكَّرَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ أَتَى مُنْكَرًا - فَفَرْضٌ عَلَى النَّاسِ تَغْيِيرُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَصَحَّ أَنَّ عِرْضَ كُلِّ أَحَدٍ حَرَامٌ إلَّا حَيْثُ أَبَاحَهُ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ، وَسَوَاءٌ عِرْضُ الْعَاصِي وَغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قَذَفَ إنْسَانٌ إنْسَانًا قَدْ زَنَى بِزِنًا غَيْرِ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَ
[ ١٢ / ٢٤٦ ]
ذَلِكَ، وَصَرَّحَ، فَعَلَى الْقَاذِفِ الْحَدُّ - سَوَاءٌ حُدَّ الْمَقْذُوفُ فِي الزِّنَى الَّذِي صَحَّ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُحَدَّ -؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ عَنْ كُلِّ زِنًا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ " الْإِحْصَانَ " هُوَ الْمَنْعُ فَمَنْ مَنَعَ بِشَيْءٍ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ فَهُوَ مُحْصَنٌ عَنْهُ، فَإِذْ هُوَ مُحْصَنٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.