٢٢٨٩ - مَسْأَلَةٌ: قَطْعُ الْيَدِ فِيمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - فِيهَا» وَذَكَر الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ - ﵌ - فِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: يَا أُسَامَةُ، أَلَا أَرَاك تُكَلِّمُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ - ﵇ - خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ» وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدِهَا» .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبِي، فَقُلْت لَهُ: تَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَقَالَ: تُقْطَعُ يَدُ الْمُسْتَعِير إذَا جَحَدَ ثُمَّ أَقَرَّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ أَبُو مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: لِتَتُبْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا»؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَكَانَ مِنْ اعْتِرَاضِ مَنْ انْتَصَرَ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُمْ: مُخْتَلِفٌ فِيهِ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ تِلْكَ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -؟ فَقَالُوا: وَمِنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﵌ - «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -؟ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَطَعَ يَدَهَا» .
فَهَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهَا سَرَقَتْ.
قَالُوا: وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهَا سَرَقَتْ وَأَنَّ مَنْ رَوَى " اسْتَعَارَتْ " قَدْ وَهِمَ: أَنَّ فِي جُمْهُورِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُمْ اسْتَشْفَعُوا لَهَا بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَنَهَاهُ أَنْ يَشْفَعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - ﵁ - قَدْ نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَنْ يَشْفَعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْفَعُ فِي حَدٍّ آخَرَ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَقَالُوا: إنَّ الْمُسْتَعِيرَ خَائِنٌ، وَلَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ، وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ، وَلَا عَلَى الْمُنْتَهِبِ: قَطْعٌ» .
قَالَ: وَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَطْعِهَا: أَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّعْرِيفَ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ اسْتَعَارَتْ الْحُلِيَّ وَسَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ لِلسَّرِقَةِ لَا لِلْعَارِيَّةِ.
قَالُوا: وَهَذَا كَمَا رُوِيَ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
«وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ»، قَالُوا: وَلَيْسَ مِنْ أَجَلِ الْحِجَامَةِ أَخْبَرَ بِأَنَّهُمَا أَفْطَرَا، لَكِنْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، لَكِنْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا كَلَامُهُمْ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْمَرًا، وَشُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ، رَوَيَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - وَهُمَا فِي غَايَةِ الثِّقَةِ وَالْجَلَالَةِ - وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - وَلَمْ يَضْطَرِبْ عَلَى مَعْمَرٍ فِي ذَلِكَ، وَلَا عَلَى شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ - وَإِنْ كَانَا خَالَفَهُمَا: اللَّيْثُ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ.
فَإِنَّ اللَّيْثَ قَدْ اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ عَلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، فَإِنْ اللَّيْثَ، وَيُونُسَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ لَيْسُوا فَوْقَ مَعْمَرٍ، وَشُعَيْبٍ، فِي الْحِفْظِ، وَقَدْ وَافَقَهُمَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - مِنْ قَوْلِهِمْ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
وَبِأَمْرِهِ - ﷺ - الَّذِي صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
فَمَا زَادُوا عَلَى أَنْ فَضَحُوا أَنْفُسَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا فِي الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَسْتَسْهِلُهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُمَا أَفْطَرَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ النَّاسَ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: فَمَنْ اغْتَابَ النَّاسَ - وَهُوَ صَائِمٌ - أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: لَا.
وَهَذِهِ مَضَاحِكُ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ وَاسْتِخْفَافٌ بِأَوَامِرِ النَّبِيِّ - ﵌ - مَعَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، أَنْ يَقُولَ - ﵇ - «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فَيَقُولُونَ هُمْ: لَمْ يُفْطِرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: أَتُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ - ﵌ - فِي قَوْلِهِ أَفْطَرَا؟ قَالُوا أَفْطَرَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْغِيبَةُ.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: أَتُفَطِّرُ الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: لَا.
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
فَرَجَعُوا إلَى مَا فَرُّوا عَنْهُ كَيْدًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلِمَنْ اغْتَرَّ بِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ الْمَخَاذِيلِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: أَمْرِ النَّبِيِّ - ﵌ - فِي الْمُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ لَمْ يَرْوِ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ أَمْرَهُ - ﵌ - بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، وَالتَّرَاصِّ فِيهَا، وَالْوَعِيدِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ: لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْذَرُوا بِالْجَهْلِ، فَكَيْف وَلَا عُذْرَ لَهُمْ؟؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُظَنَّ بِالنَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ لِأُمَّتِهِ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
وَأَمَرَ الْمُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ الْوَجْهَ الَّذِي أَفْطَرَا، بِهِ، وَلَا الْوَجْهَ الَّذِي أَمَرَ مِنْ أَجَلِهِ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الصَّفِّ، بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
فَهَذَا طَعْنٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ - ﵇ - أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَمْرٍ لَمْ يُبَيِّنُهُ عَلَيْنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُسْتَعِيرَ الْجَاحِدَ: خَائِنٌ، وَلَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ - وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فَسَادَ هَذَا الْخَبَرِ فِي صَدْرِ كَلَامِنَا فِي قَطْعِ السَّارِقِ، وَأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّدْلِيسِ.
فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ: إنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدَهَا، وَرِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهَا سَرَقَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدِهَا: صَحِيحَانِ، لَا مَغْمَزَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ فِي الدِّينِ عَلَى مَا أَوْرَدْنَا.
[ ١٢ / ٣٦٠ ]
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ فِيمَنْ يَتَعَلَّلُ فِي رَدِّ هَذِهِ السُّنَّةِ بِهَذَا الِاضْطِرَابِ، وَهُمْ يَأْخُذُونَ بِحَدِيثِ «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» .
وَبِحَدِيثِ «الْقَطْعِ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» وَهُمَا مِنْ الِاضْطِرَابِ بِحَيْثُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ الِاضْطِرَابُ أَشَدُّ مِنْ الِاضْطِرَابِ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِكَثِيرٍ، أَوْ يَأْخُذُ بِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ حَدُّ الْقَطْعِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مِثْلُهُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَإِنَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ لَيْسَ عِلَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، فَلِنَقُلْ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى: إنَّ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا: اسْتَعَارَتْ الْمَتَاعَ فَجَحَدَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَطْعِهَا - وَفِي الْأُخْرَى: أَنَّهَا سَرَقَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَطْعِ يَدِهَا: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَا فِي قِصَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، فِي امْرَأَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَإِنْ كَانَتْ فِي قِصَّتَيْنِ، وَفِي امْرَأَتَيْنِ، فَقَدْ انْقَطَعَ الْهَذْرُ، وَبَطَل الشَّغَبُ جُمْلَةً، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي شَفَاعَةِ أُسَامَةَ فِيهِمَا جَمِيعًا، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا - مِنْ الْبَيَانِ - مِنْ أَنَّهُ شَفَعَ فِي السَّرِقَةِ فَنُهِيَ، ثُمَّ شَفَعَ فِي الْمُسْتَعِيرَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ أَيْضًا الْقَطْعُ.
عَلَى أَنَّنَا لَوْ شِئْنَا الْقَطْعَ، فَإِنَّهُمَا امْرَأَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَقَضِيَّتَانِ اثْنَتَانِ، لَكَانَ لَنَا مُتَعَلَّقٌ، بِخِلَافِ دَعَاوِيهمْ الْمُجَرَّدَةِ مِنْ كُلِّ عَلْقَةٍ، إلَّا مِنْ الْمُجَاهِرَةِ بِالْبَاطِلِ، وَالْجَسْرِ عَلَى الْكَذِبِ، لَكَانَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى امْرَأَةٍ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُكِ حُلِيًّا - وَهِيَ كَاذِبَةٌ - فَأَعَارَتْهَا إيَّاهُ، فَمَكَثَتْ لَا تَرَى حُلِيَّهَا، فَجَاءَتْ الَّتِي كَذَبَتْ عَلَيَّ فِيهَا فَسَأَلَتْهَا حُلِيَّهَا، فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُ مِنْكِ شَيْئًا، فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَسَأَلَتْهَا حُلِيَّهَا، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ اسْتَعَارَتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ - ﵌ -
[ ١٢ / ٣٦١ ]
فَدَعَاهَا، فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْتُ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ: اذْهَبُوا فَخُذُوهُ مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهَا، فَأُخِذَ، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ» .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّهَا أُمُّ عَمْرٍو بِنْتِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا آخُذُ غَيْرَهَا، لَا آخُذُ غَيْرَهَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «سَرَقَتْ امْرَأَةٌ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ - ﵌ - فَجَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - ﵌ -: أَيْ إنَّهَا عَمَّتِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ - لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فَلَمْ أَشُكَّ حِين قَالَ حَسَنٌ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - ﵌ - إنَّهَا عَمَّتِي، إنَّهَا بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَهَذَا ابْنُ جُرَيْجٍ يَحْكِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَنَّ الَّتِي سَرَقَتْ بِنْتَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَيُخْبِرُ عَنْ بِشْرٍ التَّيْمِيِّ أَنَّ الَّتِي اسْتَعَارَتْ هِيَ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَهُمَا ابْنَتَا عَمٍّ مَخْزُومِيَّتَانِ، عَمُّهُمَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ - ﵁ - زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -.
وَلَكِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَبْكَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّرِقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ لَفْظِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، لَا مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - ﵌ -، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الِاسْتِعَارَةِ، وَإِنَّمَا لَفْظُ النَّبِيِّ - ﵌ - «لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُهَا» .
فَهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ، يَعْنِي ذِكْرَ السَّرِقَةِ:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي يَرَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ سَرِقَةٌ، فَيُخْبِرُ عَنْهَا بِلَفْظِ السَّرِقَةِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ - هُوَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ، ثُمَّ الْجَحْدَ سَرِقَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا أَتَى عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِأَخْذِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، يُوَرِّي
[ ١٢ / ٣٦٢ ]
بِالِاسْتِعَارَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يَمْلِكُهُ مُسْتَتِرًا مُخْتَفِيًا - فَهَذِهِ هِيَ السَّرِقَةُ نَفْسُهَا دُونَ تَكَلُّفٍ، فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ خَارِجًا عَمَّا ذَكَرْنَا أَحْسَنَ خُرُوجٍ، وَكَانَ لَفْظُ مَنْ رَوَى " الْعَارِيَّةَ " لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَتُقْطَعُ يَدُ الْمُسْتَعِيرِ الْجَاحِدِ كَمَا تُقْطَعُ مِنْ السَّارِقِ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - مِنْ الذَّهَبِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ لَا فِي أَقَلَّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» .
وَفِي غَيْرِ الذَّهَبِ فِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرْت -؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَالٍ أُخِذَ اخْتِفَاءً لَا مُجَاهِرَةً.
وَتُقْطَعُ الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، لِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ كُلِّهَا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَمِنْ مُسْقِطٍ الْقَطْعَ عَنْهَا، وَمِنْ مُوجِبٍ الْقَطْعَ عَلَيْهَا، وَلَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ بِالْأَخْذِ، وَالتَّمْلِيكِ، مَعَ الْجَحْدِ، أَوْ الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى قُطِعَتْ الْيَدُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا - وَهَذَا عُمُومٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ طَلَبَهُ الْعَارِيَّةَ مُسْتَخْفِيًا بِمَذْهَبِهِ فِي أَخْذِهِ، فَكَانَ سَارِقًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ - وَحَسْبنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ.