٢١٩٦ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ فِي الْحُدُودِ نَفْيٌ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: النَّفْيُ يَقَعُ مِنْ الْحُدُودِ فِي الْمُحَارَبَةِ بِالْقُرْآنِ، وَفِي الزِّنَى بِالسُّنَّةِ، وَحَكَمَ بِهِ قَوْمٌ فِي الرِّدَّةِ، وَفِي الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ "
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَنَتَكَلَّمُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كُلِّ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا، فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَفْيُهُ سَجْنُهُ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفَى أَبَدًا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ
قَالَتْ طَائِفَةٌ: نَفْيُهُ هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُعْجِزَهُمْ فَلَا يَقْدِرُوا عَلَيْهِ
كَمَا أَنَا حُمَامٌ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْمُحَارِبِ إنْ هَرَبَ وَأَعْجَزَهُمْ فَذَلِكَ نَفْيُهُ
[ ١٢ / ٩٧ ]
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولَانِ: إنَّمَا النَّفْيُ أَنْ لَا يُدْرَكُوا، فَإِذَا أُدْرِكُوا، فَفِيهِمْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا نُفُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِبَلَدِهِمْ
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ حَارَبَ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقْتَلَ، أَوْ يُصْلَبَ، أَوْ يُقْطَعَ، أَوْ يُنْفَى، فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ - وَعَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ: هُوَ أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُعْجِزُوا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - وَقَالَ آخَرُونَ: النَّفْيُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ الْمُحَارِبِ، كَمَا كَتَبَ إلَيَّ الْمَرْجِيُّ بْنُ زَرْوَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الرَّحَبِيُّ أَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مُحَارِبًا فَأَخَافَ الطَّرِيقَ، وَأَخَذَ الْمَالَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ - وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صُلِبَ - وَإِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ: قُتِلَ - وَإِذَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ: نُفِيَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَنَظَرْنَا فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]
قَالُوا: وَالنَّفْيُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ: هُوَ الْإِبْعَادُ
فَصَحَّ أَنَّ الْوَاجِبَ إبْعَادُهُ مِنْ الْأَرْضِ، قَالُوا: وَلَا يُقْدَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الْأَرْضِ جُمْلَةً، فَوَجَبَ أَنْ نَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَكَانَ أَقْصَى مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ ذَلِكَ إبْعَادَهُ عَنْ كُلِّ مَا قَدَرْنَا عَلَى إبْعَادِهِ مِنْهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَغَايَةُ ذَلِكَ السَّجْنُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ حَاشَا مَا كَانَ سِجْنَهُ الَّذِي لَمْ نَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ أَصْلًا، فَلَزِمَنَا مَا اسْتَطَعْنَا مِنْ ذَلِكَ، وَسَقَطَ عَنَّا مَا لَمْ نَسْتَطِعْ مِنْهُ
وَإِنَّمَا قُلْنَا: حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً، لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَارَبَةِ فَهُوَ مُحَارِبٌ،
[ ١٢ / ٩٨ ]
فَإِذْ هُوَ مُحَارِبٌ فَوَاجِبٌ أَنْ يُجْزَى جَزَاءَ الْمُحَارِبِ، فَالنَّفْيُ عَلَيْهِ بَاقٍ مَا لَمْ يَتْرُكْ الْمُحَارَبَةَ بِالتَّوْبَةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا سَقَطَ عَنْهُ جَزَاؤُهَا أَنْ يَتَمَادَى فِيهِ، إذْ قَدْ جُوزِيَ عَلَى مُحَارَبَتِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حُجَّةِ مَنْ قَالَ: يُنْفَى أَبَدًا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَنْ قَالَ: إنَّنَا إذَا سَجَنَّاهُ فِي بَلَدٍ، أَوْ أَقْرَرْنَاهُ فِيهِ - غَيْرَ مَسْجُونٍ - فَلَمْ نَنْفِهِ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، بَلْ عَمِلْنَا بِهِ ضِدَّ النَّفْيِ، وَالْإِبْعَادِ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالْإِثْبَاتُ فِي الْأَرْضِ فِي مَكَان وَاحِدٍ مِنْهَا - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنْ نَسْتَعْمِلَ إبْعَادَهُ وَنَفْيَهُ عَنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ أَبَدًا، حَسَبَ طَاقَتِنَا، أَوْ غَايَةُ ذَلِكَ أَلَّا نُقِرَّهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا دُمْنَا قَادِرِينَ عَلَى نَفْيِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ - ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا، وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَى أَنْ لَا نَدَعَهُ يَقَرُّ سَاعَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ لَفَعَلْنَا ذَلِكَ، وَلَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْنَا فِعْلُهُ مَا دَامَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَارَبَةِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَصَحَّ وَأَوْلَى بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِمَا ذَكَرَ الْمُحْتَجُّ لَهُ مِنْ أَنَّ السَّجْنَ إثْبَاتٌ، وَإِقْرَارٌ لَا نَفْيٌ
وَمَا عَرَفَ قَطُّ أَهْلُ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَخَاطَبَنَا بِهَا اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ السَّجْنَ يُسَمَّى: نَفْيًا، وَلَا أَنَّ النَّفْيَ يُسَمَّى: سَجْنًا، بَلْ هُمَا اسْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، مُتَغَايِرَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] الْآيَةَ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ - وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٥ - ٣٦] فَمَا قَالَ أَحَدٌ - لَا قَدِيمٌ وَلَا حَدِيثٌ - أَنَّ حُكْمَ الزَّوَانِي كَانَ النَّفْيَ، إذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَبْسِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَلَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ: إنَّ يُوسُفَ - ﵇ - نُفِيَ إذْ حُبِسَ فِي السِّجْنِ - فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ، بِالسَّجْنِ جُمْلَةً
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا إمَّا نَفْيُهُ إلَى مَكَان غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِقْرَارُهُ هُنَالِكَ أَوْ نَفْيُهُ أَبَدًا، فَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَيُقَرُّ هُنَالِكَ [أَنْ قَالُوا: أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِتَكْرَارِ فِعْلِ الْأَمْرِ بَلْ يُجْزِي عِنْدَكُمْ إيقَاعُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِذَا كَرَّرْتُمْ النَّفْيَ أَبَدًا فَقَدْ نَقَضْتُمْ أَصْلَكُمْ
[ ١٢ / ٩٩ ]
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرُوهُ دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ بِمَنْعِهِمْ الْمَنْفِيَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَنْزِلِهِ، فَهُمْ يُقِرُّونَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ، فَقَدْ وَقَعُوا فِيمَا أَنْكَرُوا بِعَيْنِهِ
نَعَمْ، وَالتَّكْرَارُ أَيْضًا لَازِمٌ لِمَنْ قَالَ بِنَفْيِهِ أَوْ سَجْنِهِ سَوَاءً سَوَاءً]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَنَقُولُ: إنَّ الْمُحَارِبَ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا نَفْيَهُ حَرْبًا عَلَى مُحَارَبَتِهِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ مُصِرًّا فَهُوَ مُحَارِبٌ وَمَا دَامَ مُحَارِبًا فَالنَّفْيُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] فَمَنْ فَعَلَ الْمُحَارَبَةَ فَبِلَا شَكٍّ نَدْرِي أَنَّهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ، وَأَكْلِهِ، وَاسْتِرَاحَتِهِ، وَمَرَضِهِ: أَنَّهُ مُحَارِبٌ، كَمَا كَانَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الِاسْمُ الَّذِي وَسَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَحُقَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِهِ
هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، فَهُوَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي حَالِ إصْرَارِهِ عَلَى الْمُحَارَبَةِ بِلَا شَكٍّ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِثْمُ إلَّا بِتَوْبَةٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ
فَالْحَدُّ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْقُطَ بِالتَّوْبَةِ أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِقَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ، بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ فِي أَنَّهُ لَا يُجَدَّدُ عَلَيْهِ قَطْعٌ آخَرُ، وَيَمْنَعُ النَّصُّ مِنْ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ حَدًّا آخَرَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: ثُمَّ وَجَدْنَا مَنْ قَالَ: بِنَفْيِهِ وَتَرْكِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَنْفِيهِ إلَيْهِ - قَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ فِي أَنَّهُ أَقَرَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالْإِقْرَارُ خِلَافُ النَّفْيِ، فَقَدْ أَقَرُّوهُ فِي الْأَرْضِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقَوْلُ الَّذِي صَحَّحْنَاهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ نَقُولُ
فَالْوَاجِبُ أَنْ يُنْفَى أَبَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان مِنْ الْأَرْضِ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ يَقَرُّ إلَّا مُدَّةَ أَكْلِهِ، وَنَوْمِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ الرَّاحَةِ الَّتِي إنْ لَمْ يَنَلْهَا مَاتَ، وَمُدَّةَ مَرَضِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]
فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُقْتَلَ، وَأَنْ لَا يُضَيَّعَ، لَكِنْ يُنْفَى أَبَدًا حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً، فَإِذَا أَحْدَثَهَا سَقَطَ عَنْهُ النَّفْيُ، وَتُرِكَ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِهِ - فَهَذَا حُكْمُ الْقُرْآنِ، وَمَتَى أَحْدَثَ التَّوْبَةَ مِنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ سَقَطَ عَنْهُ النَّفْيُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
٢١٩٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا نَفْيُ الزَّانِي؟ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الزَّانِي غَيْرُ الْمُحْصَنِ، يُجْلَدُ مِائَةً، وَيُنْفَى سَنَةً - الْحُرُّ، وَالْحُرَّةُ
[ ١٢ / ١٠٠ ]
ذَاتُ الزَّوْجِ، وَغَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَأَمَّا الْعَبْدُ الذَّكَرُ فَكَالْحُرِّ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَجَلْدُ خَمْسِينَ وَنَفْيُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفَى الرَّجُلُ الزَّانِي جُمْلَةً، وَلَا تُنْفَى النِّسَاءُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفَى الْحُرُّ الذَّكَرُ، وَلَا تُنْفَى الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ - ذَاتَ زَوْجٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ - وَلَا الْأَمَةُ، وَلَا الْعَبْدُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا نَفْيَ عَلَى زَانٍ أَصْلًا - لَا عَلَى ذَكَرٍ، وَلَا عَلَى أُنْثَى، وَلَا حُرٍّ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا أَمَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَمِنْ ذَلِكَ: مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ سَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَإِنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» .
أَنَا حُمَامٌ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَأَحْبَلَهَا فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَدَهُ مِائَةً ثُمَّ نُفِيَ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَى رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أُخْتَهُ أَحْدَثَتْ - وَهِيَ فِي سِتْرِهَا وَأَنَّهَا حَامِلٌ - فَقَالَ عُمَرُ: أَمْهِلْهَا حَتَّى إذَا وَضَعَتْ وَاسْتَقَلَّتْ فَآذَنِّي بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْ جَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا إلَى الْبَصْرَةِ عَامًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ فِي الزِّنَى سَنَةً. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْأَمْرُ تَمْضِي بِهِ السُّنَّةُ حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَانُ فِي إمْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ - ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ النَّاسُ.
[ ١٢ / ١٠١ ]
وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ، تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَّا امْرَأَةً فَزَنَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَجَلَدَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِائَةَ سَوْطٍ وَنَفَاهَا سَنَةً إلَى نَهْرِ كَرْبِلَاءَ فَلَمَّا رَجَعَتْ دَفَعَهَا إلَى زَوْجِهَا، وَقَالَ: امْرَأَتُك فَإِنْ شِئْت فَطَلِّقْ، وَإِنْ شِئْت فَأَمْسِكْ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَاطِبًا تُوُفِّيَ وَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ، وَكَانَتْ لَهُ وَلِيدَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ - وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ - فَلَمْ يَرُعْهُ إلَّا حَمْلُهَا، فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَزِعًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ: أَحَبَلْتِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، مِنْ مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِهِ، وَصَادَفَتْ عِنْدَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ، وَعُثْمَانُ جَالِسٌ فَاضْطَجَعَ، فَقَالَ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، قَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ؟ قَالَ: قَدْ أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك، قَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ؟ قَالَ: أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ، فَأَمَرَ بِهَا فَجُلِدَتْ مِائَةً وَغَرَّبَهَا.
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْبِكْرُ تُجْلَدُ مِائَةً وَتُنْفَى سَنَةً.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ يُجْلَدَانِ مِائَةً وَيُنْفَيَانِ سَنَةً.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّ مَمْلُوكَةً لَهُ فِي الزِّنَى وَنَفَاهَا إلَى فَدَكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ: فَكَمَا أَنَا حُمَامٌ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْبِكْرِ يَزْنِي بِالْبِكْرِ، فَإِنْ حَبَسَهُمَا مِنْ الْفِتْيَانِ يُنْفَيَانِ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا، أَوْ مَاتَ فَزَنَتْ: أَنَّهَا تُجْلَدُ وَلَا تُنْفَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالتَّغْرِيبِ مِنْ حَدِّ الزِّنَى يَذْكُرُونَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ
[ ١٢ / ١٠٢ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: الْخَصْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قُلْ: قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا؟ قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ أَنَا هُشَيْمٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى نا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ لِذَلِكَ، وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ، قَالَ: فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: خُذُوا عَنِّي: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، الْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ» .
أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى
[ ١٢ / ١٠٣ ]
أَنَا يَزِيدَ - هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَقِيَ ذَلِكَ فَلِمَا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: خُذُوا عَنِّي: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَرَوَاهُ أَيْضًا شُعْبَةُ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، ثُمَّ اتَّفَقَ صَالِحٌ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُ فِيمَنْ لَمْ يُحْصِنْ إذَا زَنَى بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ» .
وَبِهِ - إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ أَنَا حُجَيْرٌ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ»؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: فَكَانَتْ هَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ رَوَاهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - ﵃ - عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ بِإِيجَابِ تَغْرِيبِ عَامٍ مَعَ جَلْدِ مِائَةٍ عَلَى الزَّانِي الَّذِي لَمْ يُحْصِنْ، مَعَ إقْسَامِ النَّبِيِّ - ﵇ - بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي قَضَائِهِ بِهِ أَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ وَحْيُهُ وَحُكْمُهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَعَنْ وَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُهُ.
[ ١٢ / ١٠٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] .
وَفَرَّقَ - ﵇ - بَيْنَ حَدِّ الْمَمْلُوكِ، وَحَدِّ الْحُرِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَى الَّذِي أَوْرَدْنَا قَبْلُ فِي بَابِ حَدِّ الْمَمَالِيكِ فَصَحَّ النَّصُّ أَنَّ عَلَى الْمَمَالِيكِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ - نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ، وَذَلِكَ جَلْدُ خَمْسِينَ وَنَفْيُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّغْرِيبَ عَلَى النِّسَاءِ وَالْمَمَالِيكِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ الْخَبَرَ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ، فَأَغْنَى عَنْ تَرْدَادِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﵇ - «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُجْمَلٌ فَسَّرَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ " فَلْيَجْلِدْهَا " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَدَدَ الْجَلْدِ كَمْ هُوَ؟ فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا أَحَالَ - ﵇ - بَيَانَ الْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَعَلَى الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحُدُودِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ سُكُوتُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ ذِكْرِ التَّغْرِيبِ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ: حُجَّةٌ فِي إبْطَالِ التَّغْرِيبِ الَّذِي قَدْ صَحَّ أَمْرُهُ - ﷺ - بِهِ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ.
كَذَلِكَ لَيْسَ فِي سُكُوتِهِ - ﷺ - عَنْ ذِكْرِ عَدَدِ جَلْدِهَا كَمْ هُوَ: حُجَّةٌ فِي إسْقَاطِ مَا قَدْ صَحَّ عَنْهُ - ﵇ - مِنْ أَنَّ حَدَّهَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ، لَيْسَ فِيهِ: أَنْ لَا تَغْرِيبَ، وَلَا أَنَّ التَّغْرِيبَ سَاقِطٌ عَنْهَا، لَكِنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَقَطْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ تَغْرِيبِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مُعَارِضًا لِلْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا النَّفْيُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ حَقَّ السَّيِّدِ فِي خِدْمَةِ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ، وَحَقَّ أَهْلِ الْمَرْأَةِ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ حُقُوقِهِمْ بِنَفْيِ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمَرْأَةِ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ أَيْضًا فِي زَوْجِهَا وَابْنِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ بِنَفْيِهِمْ.
[ ١٢ / ١٠٥ ]
فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ؟ وَقَالُوا: لِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا»؟ قَالُوا: صَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الْآيَةَ.
قَالَ: فَكَانَ السَّبِيلُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ.
ثُمَّ جَاءَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ، فَكَانَ نَاسِخًا لِخَبَرِ عُبَادَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - ﵀ -: هَذَا كَلَامٌ جَمَعَ التَّخْلِيطَ وَالْكَذِبَ، أَمَّا التَّخْلِيطُ: فَدَعْوَاهُمْ النَّسْخَ، وَأَمَّا الْكَذِبُ: فَهُوَ التَّحَكُّمُ مِنْهُمْ فِي أَوْقَاتِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَمَا فِي خَبَرِ عُبَادَةَ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ - بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ - فَنَقُولُ: إنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ خَبَرَ عُبَادَةَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهِ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» فَظَنٌّ مِنْهُمْ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَطْعَ بِالظَّنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] .
وَبِقَوْلِهِ - ﷺ - «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
لَكِنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، هُوَ أَنَّ الْقَطْعَ بِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ، أَوْ بِأَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ قَبْلَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، فَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ عُبَادَةَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
[ ١٢ / ١٠٦ ]
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ قَبْلَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، أَيَّ ذَلِكَ كَانَ لَا يَعْتَرِضُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يُعَارِضُ شَيْءٌ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ - عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَقُولُ: إنَّهُ إنْ كَانَ حَدِيثُ عُبَادَةَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَقَدْ صَحَّ مَا فِي حُكْمِ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ الْجَلْدِ، وَالتَّغْرِيبِ، وَالرَّجْمِ، وَكَانَتْ الْآيَةُ وَرَدَتْ بِبَعْضِ مَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَأَحَالَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بَاقِي الْحَدِّ عَلَى مَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ.
وَكَمَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ مَانِعَةً عِنْدَهُمْ مِنْ الرَّجْمِ الَّذِي ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ قَبْلَ نُزُولِهَا - بِزَعْمِهِمْ - وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، فَكَذَلِكَ لَيْسَتْ مَانِعَةً مِنْ التَّغْرِيبِ الَّذِي ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ قَبْلَ نُزُولِهَا - بِزَعْمِهِمْ - وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ.
هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ إنْ كَانَ حَدِيثُ عُبَادَةَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، كَمَا ادَّعَوْا - وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَقَدْ جَاءَ بِمَا فِي الْآيَةِ مِنْ الْجَلْدِ، وَزِيَادَةِ الرَّجْمِ، وَالتَّغْرِيبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» بِمُوجِبٍ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَلَا بُدَّ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ الْآيَةُ بِبَعْضِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ، ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ تَمَامَ السَّبِيلِ، وَهُوَ الرَّجْمُ، وَالتَّغْرِيبُ الْمُضَافَانِ إلَى مَا فِي الْآيَةِ مِنْ الْجَلْدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.