كفارة الظِّهار تجب على الترتيب بالإجماع؛ كما تقدم، فلا ينتقل إلى الإطعامِ إلا بشرط عدم استطاعة الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجَادلة: ٤]، وعدم الاستطاعة له صُوَرٌ:
الصورةُ الأولى: أن يَعجِزَ عن الصيام؛ لكِبَرِ سنٍّ، أو مرَضٍ لا يرجى بُرؤه؛ فهذا ينتقل إلى الإطعام باتفاق الأئمة؛ لِما تقدم من الآية، ولحديث المظاهر، وفيه: (أنَّه شيخ كبير ..).
وزاد المالكيَّةُ: ضعيفَ البنية، والمستعطش، فمن كان ضعيفَ البنية لا يستطيع معها الصَّوم، أو كان مستعطشًا؛ أي: قويَّ العطَشِ؛ بحيث يضرُّ به الصَّوم: جازَ له العدولُ عن الصومِ إلى الإطعام.
الصورةُ الثانية: أن يَعجِزَ عن الصيام لمرض يُرجى زواله؛ فاختلف العلماءُ في جواز الانتقال إلى الإطعام على قولينِ:
القول الأول: أنه لا يجوز له الانتقال، وهو قولُ جمهور أهل العلم؛ ودليلهم: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجَادلة: ٤]، والمريض الذي يُرجَى زوالُ
[ ١٣٣ ]
مرَضه: مستطيعٌ.
القول الثاني: أنه يجوز له أن ينتقل إلى الإطعام، وهو مذهب الحنابلة؛ للآية.
والراجحُ - والله أعلم -: ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم؛ إذ هذا المناسب للتغليظ.
الصورة الثالثة: المشقة الشديدة:
إذا كان المظاهِر يَقدِر على الصيام لكن تلحقه مشقة:
فإن كانت يسيرةً، فلا يجوز له الانتقال إلى الإطعام؛ باتفاق الأئمة.
وإن كانت غير يسيرة، فاختلف العلماء في اعتبار المشقة عذرًا في الانتقال إلى الإطعام على قولين:
القول الأول: أنه عذرٌ في الانتقال إلى الإطعام، وهو مذهب الحنابلة، فقد نصَّ الحنابلةُ ﵏ على أنَّ الصيامَ إذا كان يُضعِفُهُ عن طلب المعيشةِ، أو كان به شبَقٌ لا يستطيع معه الصبرَ عن زوجته شهرينِ متتابعين، وليس له زوجة أخرى: فله أن ينتقل إلى الإطعام، وكذا لو خاف زيادة المرَضِ، أو تأخُّرَه.
ودليلُهم: عموماتُ أدلة رفع الحرج عن هذه الشريعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨].
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
ولما روى البخاري عن أبي هُرَيرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلَبَه» رواه البخاري.
[ ١٣٤ ]
فرعٌ: شروط المُطعَم:
هناك شروطٌ لا بدَّ من توافرها فيمن يُطعَمُ في الكفارة؛ وهي كما يلي:
الشرط الأول: الإسلام، فلا تُدفَع للكافر الحربيِّ الكفَّارةُ بالاتفاق.
الشرط الثاني: أن يكون مسكينًا.
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجَادلة: ٤]، والمراد به: من يجوز دفعُ الزكاة إليه لحاجته؛ كالفقراء والمساكين.
الشرط الثالث: أن يكون حرًّا؛ إذ إنَّ كفايةَ الرقيقِ واجبةٌ على سيده، فلم يكُنْ محتاجًا.
الشرط الرابع: ألا يكون من تُدفَعُ إليه الكفارةُ ممن تجب نفقتُه على المكفِّر؛ كأب المكفر وابنه ونحو ذلك؛ لاستغنائه بالنفقة عن الكفارة.
مسألة: يجزئ في التكفير بالإطعام كل ما كان من قوت البلد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجَادلة: ٤] فذكر الإطعام ولم يذكر جنس الطعام؛ فيرجع في ذلك إلى العرف، ولقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩].
فرع: قدر الطعام: يرجع فيه إلى العرف، من غير تقدير ولا اشتراط تمليك، وعلى هذا فالإطعام له صورتان:
الصورة الأولى: أن يعمل طعامًا ويعشي المساكين أو يغديهم بما يشبعهم عرفًا؛ لإطلاق الآية، وورد عن ابن عمر ﵄: «من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز والزيت، ومن أفضل ما تطعمهم». رواه ابن جرير بسند صحيح.
[ ١٣٥ ]
وفي صحيح البخاري: «أن أنسًا أطعم فدية الصيام».
وفي مصنف عبد الرزاق أن أبا موسى: «كفر عن يمين فعجن وأطعم».
الصورة الثانية: أن يُملكهم حبًّا من غالب قوت البلد، والأحسن لكل مسكين مدان، وقدره كيلو وعشرون غرامًا.
فقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال في كفارة اليمين: «صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو نصف صاع من قمح»؛ رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
وورد عن علي ﵁ قال: «كل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر»؛ رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
وعن زيد بن ثابت ﵁: «مدان من حنطة لكل مسكين»، وورد عن ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت ﵃: «مد من حنطة لكل مسكين»، رواها عبد الرزاق وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة.
فرعٌ: لا يلزمه مع الإطعام إدامٌ، بل يُستحب، إلا إن كان يُطعِم أهلَه بإدام، أطعم المساكينَ بإدام؛ لما تقدم عن الصحابة إخراج الحب في كفارة اليمين.
مسألةٌ: يجب استيعاب العدد المنصوص عليه في الإطعام؛ لأن الآيةَ اشترطت العَدَدَ، وهو ستُّون، ومَن أطعَمَ واحدًا أو اثنينِ، لم يُطعِمْ العدد، فلم يكُنْ ممتثلًا للأمر.
فرع: لا يجزئُ إخراج القيمة بدل الطعام؛ لأن الله تعالى نص على الطعام بقوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجَادلة: ٤]، ولقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩] ولما تقدَّمَ مِنْ حديث سلَمةَ بن صخر: أن النبيَّ ﷺ فرضَها طعامًا، وإخراج القيمة خلافُ ما فرضه النبيِّ
[ ١٣٦ ]
ﷺ، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرُ الله ولا أمر رسوله: فهو رَدٌّ.
لكن إذا كان في بلد لا يأخذون الطعام، فيتوجَّهُ القولُ بإجزاء القيمة.
[ ١٣٧ ]