الخلع في اللغة: النزع والإزالة.
وفي الاصطلاح: فِراق الزَّوجة بعِوض.
والأصل فيه: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ومن السُّنة: عن ابن عبَّاسٍ ﵄؛ أن امرأةَ ثابت بن قيس أتت النبيَّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ثابتُ بن قيس، ما أَعتِبُ عليه في خُلُق ولا دِين، ولكني أكره الكفرَ في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «أترُدِّين عليه حديقتَه؟»، قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: «اقبَلِ الحديقة، وطلِّقْها تطليقة»؛ رواه البخاري.
وقال ابن حجَرٍ في الفتح: (أجمع العلماءُ على مشروعيته، إلا بكرَ بن عبد الله المُزَني التابعي المشهور).
مسألة: يُشترط لصحة الخلع شروط:
الأول: أن يكون ممن يصحُّ تبرُّعه؛ وهو: الحرُّ، الرشيد، غير المحجور عليه، فلا يصحُّ من رقيق؛ إذ لا يَملِك إلا بإذن سيده، ولا مِنْ سفيهٍ- لا يحسن التصرف في ماله -؛ لأنه محجور عليه، ولا من محجور عليه لفَلَسٍ؛ لتعلُّق حق الغرماء بأعيانِ ماله.
الثاني: وجود الحاجة إلى الخلع؛ وذلك بأن يخافَ عدمَ إقامة حدود الله بين الزَّوجين، فإذا كَرِهت المرأةُ خُلُقَ زوجها، أو خَلْقه - أي: صورته
[ ٩٧ ]
الظاهرة - أو نقص دِينه: أبيح الخلع، فإن لم يكن حاجةٌ إلى الخلع: لم يصحَّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
الثالث: وجود العِوض عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
وذهب مالكٌ في رواية ابن القاسم، ورواية عن الإمام أحمد، وشيخ الإسلام: إلى جواز الخلعِ بلا عِوض تبذله الزَّوجة للزوج؛ لأنَّ الزَّوجَ يستفيد أمرينِ:
١ - سقوط النفقة والسُّكنى عنه زمن العِدَّة.
٢ - عدم احتساب الطلقات عليه.
ولأنَّ الرجعةَ حقٌّ للزوجينِ، فإذا تراضيا على إسقاطها، سقَطتْ.
فرعٌ: عضلُ الزوج الزَّوجة للافتداء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون بحقٍّ؛ كما لو أخلَّتْ بعِرضها أو دِينها، أو ترَكتْ حقًّا من الحقوق الواجبة عليها للزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ١٩].
القسم الثاني: أن يكون العَضْلُ بغير حق؛ فيحرُمُ، ولا يصحُّ الخلع؛ للآية السابقة.
فرعٌ: إذا كرهت المرأة زوجَها؛ لنقصِ دِينه، أو لخُلُقه، أو خَلْقه: أبيح لها الخلعُ، ومع محبته لها يسنُّ أن تصبر ولا تفتديَ نفسها؛ قال الإمام أحمد: (إن كانت المرأةُ تُبغِض زوجَها وهو يحبها، لا آمُرُها بالخلع، وينبغي
[ ٩٨ ]
لها أن تصبر)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١٩].
فرع: إن أرادت الخلعَ أو الطلاق مع تضرُّرها بالبقاء مع الزَّوج، وجَبتْ إجابتُها، والأفضل طلاقها؛ لحديث ابن عبَّاسٍ: «اقبَلِ الحديقةَ»؛ وهذا أمرٌ، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٣١]؛ وهذا من الضرر.
فرعٌ: خلعُ الأجنبي: المراد به غيرُ الزَّوجة، أو وليُّ غيرِ المرأة الرشيدة، جائز باتفاق الأئمة من حيث الجملة، وينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون المقصودُ مصلحةَ الزَّوجين أو أحدِهما: فهذا جائز، بل هو من الإحسان، فإذا تضرَّرتِ المرأةُ أو الزوج بالبقاء مع الزوج الآخر، ولم تَجِدْ المرأة عِوضًا، فبذَله الأجنبيُّ: صح.
القسم الثاني: أن يكون المقصودُ مصلحةَ غير الزوجين: فهذا يحرُمُ، ولا يصحُّ؛ فإذا بذل الأجنبي العِوض للزوج ليطلِّق زوجتَه ويتزوجها: حرُمَ، ولم يصحَّ؛ لِما فيه من الإضرار، وهو شبيهٌ بفِعل السحرة، الذين يفرِّقون بين المرء وزوجه.
القسم الثالث: أن يكون لغير مصلحة: فيحرُمُ ولا يصحُّ؛ لِما تقدم.
مسألةٌ: ليس للخلع سنَّة ولا بدعة؛ فيصحُّ حالَ الحيض، وفي الطُّهْرِ الذي جامعها فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يستفصِلْ عن حال زوجة ثابت بن قيس ﵄، ولأنَّ المقصودَ تخليصُ الزَّوجة من حِبال الزَّوج، وهذا على ضد طلاق البِدعة؛ لِما فيه من تطويل العِدَّة على الزَّوجة.
مسألةٌ: تصحُّ الجهالةُ في عِوض الخلع؛ إذ إن المقصودَ منه تخليصُ الزَّوجة من حبال الزَّوج دون المال.
[ ٩٩ ]
مسألةٌ: الخلع بأيِّ لفظ كان - سواءٌ كان بلفظ الطلاق أو غيره - لا ينقُصُ به عددُ الطلقَات؛ ويدل على ذلك: أن اللهَ ﷻ قال: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، فذكَر اللهُ ﷻ طلقتينِ والخلعَ، وتطليقةً، فلو كان الخلع طلاقًا، لكان رابعًا؛ كما ورد عن ابن عباس ﵄.
مسألةٌ: تَبينُ المرأة بالخلع بينونة صغرى باتفاق الأئمة الأربعة، فلا يَملِكُ معه الزَّوجُ الرجعةَ إلا بعقد جديد، تتوفر فيه شروطه؛ مِنْ الرضا، والوليِّ، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولا يكون فداءً إلا إذا خرَجتْ به عن عصمتِه وسلطانه، ولأنَّ المقصود من الخلع إزالةُ الضرر عن المرأة ببقائها مع الزَّوج، فلو جاز للزوجِ مراجعتُها، لعاد إليها الضرر.
وعليه: فليس عليها عدةٌ، وإنما يكفي الاستبراءُ، ولا يقع عليها طلاقٌ زمنَ الاستبراء.
مسألة: يباح الخلعُ بمثل الصداق، وبأكثرَ منه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ويُكرَه الخلعُ بأكثرَ مما أعطاها؛ لقول النبي ﷺ لثابت بن قيس: «اقبَلِ الحديقةَ»، ولما ورد عن عليٍّ ﵁؛ أنه قال: «لا يأخُذْ منها فوق ما أعطاها»؛ رواه عبد الرزَّاق، وورد أيضًا: «أن الرُّبيِّعَ بنتَ معوِّذ بن عفراء اختلَعتْ من زوجِها بكل شيء تَملِكُه، فخوصِمَ في ذلك إلى عثمانَ، فأجازه، وأمَره أن يأخُذَ عِقاصَ رأسِها فما دونه».
[ ١٠٠ ]
فرعٌ: كل ما صحَّ مهرًا، صحَّ عِوضًا في الخلعِ من الأعيان والمنافع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
فرعٌ: للأب خلعُ زوجةِ ابنه غير الرشيد، وخلع بنتِهِ من مالها لمصلحة.
مسألةٌ: إذا علَّق طلاقَ زوجته على صفةٍ، ثم أبانها بفسخٍ أو غيره، فوُجِدت الصفةُ حال البينونة، ثم عقَدَ عليها مرة أخرى فوُجِدت الصفةُ بعد العقد الثاني: طَلَقتْ.
مثاله: إذا قال لزوجته: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالق، ثم فسخها، فدخلت الدارَ حال البينونة، ثم عقد عليها، فدخلتِ الدارَ بعد العقد الثاني: طَلَقَتْ.
[ ١٠١ ]