الرجعةُ في اللغة: الإعادة.
وفي الاصطلاح: إعادةُ مطلَّقةٍ غيرِ بائن إلى ما كانت عليه، بغيرِ عقد.
وهي ثابتة في الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
وأما السُّنة: فحديث عِمران بن حصين، وفيه قوله لمن راجَعَ دون إشهاد: «راجعتَ لغير السُّنة»؛ رواه أبو داود وابن ماجَهْ، وصححه ابن حجر.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر.
مسألةٌ: يشترط لصحة الرجعة شروط:
الأول: أن يكون طلاقًا دون العَدَد، وعلى هذا:
- إن كان فسخًا، أو خلعًا، فلا يَملِك الرجعة؛ لأن الرجعة إنما وردت في الطلاق.
- وإن استكمل العَدَد، فلا تَحِلُّ له إلا بعد أن تتزوجَ إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
الثاني: أن يكون الطلاق بلا عِوض، فإن كان بعِوَض فلا يَملِك رَجْعتَها إلا بعقد؛ لما تقدم في باب الخلع.
الثالث: أن يكون الطلاق بعد الدخول أو الخَلْوة، فإن كان قبلهما، فقد
[ ١١٣ ]
بانت منه، فلا تَحِلُّ له إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزَاب: ٤٩].
الرابع: أن تكون في نكاحٍ صحيح، فإن كان النِّكاح باطلًا؛ وهو ما أجمع العلماء على بطلانِه، أو فاسدًا؛ وهو ما اختلف العلماءُ في صحته؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ: لم تصحَّ فيه الرجعة؛ إذ الأحكام تترتب على العقودِ الصحيحة.
الخامس: أن تكون الرجعةُ في زمن العِدَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨].
ويجوز مراجعتُها بعد طُهْرِها من الحيضة الثالثة قبل الاغتسال؛ لورودِ ذلك عن الصحابة؛ كعمرَ، وعليٍّ، وابن مسعود ﵃، ولوجود أثَرِ الحيضِ المانع للزوج من الوطء.
السادس: أن يريدَ الإصلاح بالمراجَعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، وعلى هذا إن أراد مراجعتَها لمضارَّتِها، لم تصحَّ المراجَعة.
فرعٌ: لا يشترط رضَا المرأة بالمراجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ولأنها حقٌّ للزوج.
مسألةٌ: تحصُلُ الرجعة بأحد أمرينِ:
الأول: اللفظ؛ كقوله: راجعتُ زوجتي، أو ردَدتُها، أو أمسكتها، ونحو ذلك.
الثاني: الفعل؛ وذلك بالوطءِ مع النية دون مجرد الاستمتاع.
[ ١١٤ ]
وتحصل بالكتابة مع النية.
فرعٌ: يسنُّ الإشهادُ على المراجعة؛ لِما ورد عن عِمران بن حصين ﵁: أنه سُئِلَ عن الرجل يطلِّق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِدْ على طلاقها، ولا على رجعتِها، فقال: «طلَّقتَ لغير سنَّة، وراجعتَ لغير سنَّة؛ أشهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتِها، ولا تعُدْ»؛ رواه أبو داود وابن ماجَهْ وصحَّحه الحافظ.
مسألةٌ: إذا طلق زوجتَهُ آخِرَ ما يَملِك من العَدد، لم تَحِلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
ويشترط لحِلِّ الزَّوجة المطلَّقة ثلاثًا لزوجها الأول شروط:
الأول: أن يكون النِّكاح صحيحًا: فإن كان النِّكاح باطلًا أو فاسدًا، لم تَحِلَّ له؛ لأنَّ الأحكام إنما ترتب على العقود الصحيحة.
الثاني: أن يكون نكاحَ رغبةٍ: فإن كان نكاحَ تحليل، لم يُعتدَّ به؛ لحديث ابن مسعود أنه قال: «لعَنَ رسولُ الله ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له»؛ رواه أحمد والتِّرمِذي والنَّسَائي وصحَّحه ابن القطَّان، وقد تقدَّم في الشروط الفاسدة المفسِدة من شروط النِّكاح.
الثالث: أن يطَأَها في هذا النِّكاح، وإن لم يحصُلْ إنزالٌ؛ لحديث عائشة ﵂: جاءت امرأةُ رفاعةَ القُرَظيِّ النبيَّ ﷺ، فقالت: كنت عند رفاعةَ، فطلَّقني، فأبَتَّ طلاقي، فتزوَّجتُ عبدَ الرحمن بنَ الزبير، إنما معه مثلُ هُدْبةِ الثوب، فقال: «أتُريدين أن تَرجعي إلى رفاعةَ؟ لا، حتى تذُوقي عُسَيلته، ويذُوقَ عُسَيلتك»؛ متفق عليه.
[ ١١٥ ]
فلا تحصل المراجعةُ بالخَلْوة، أو مجرد المباشَرة.
الرابع: انتشار الذَّكَر؛ لِما تقدم من حديث عائشة ﵂، وذوقُ العُسَيلة لا يحصل إلا بانتشار الذَّكَر.
فرعٌ: لا تحصل المراجعةُ في وطءِ دُبُرٍ، أو وطء شبهة، أو وطءٍ محرَّم؛ كحالِ حيضٍ وإحرام.
مسألةٌ: الرجعية لها حكمُ الزَّوجات، إلا أنه لا قَسْمَ لها - أي لا يبيت معها في الفراش -؛ لأنَّ الله ﷻ سمى المطلِّق بَعْلًا.
وعلى هذا، يباح له أن ينظر إليها، وأن يخلوَ بها، وأن تتجمل له، وأن يسافرَ بها، وتجب لها النفقةُ والكسوة والسُّكْنى مدةَ العِدَّة؛ كما سيأتي في باب النفقات.
[ ١١٦ ]