الرضاع لغة: مَصُّ اللبَنِ من الثَّدْي.
وشرعًا: مَصُّ مَنْ دونَ الحولينِ لبَنَ امرأةٍ آدمية.
والأصل في الرَّضاع: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. والسُّنة: كما في حديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «يحرُمُ مِنْ الرَّضاع ما يحرُمُ مِنْ الولادة»؛ رواه البخاري ومسلِم.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر والنوَويُّ رحمهما الله تعالى.
مسألةٌ: يُشترط للرَّضاع المحرِّم شروط:
١ - أن يكون خَمْسَ رضَعاتٍ؛ لحديث عائشة ﵂: «كان فيما أُنْزِلَ من القرآن: عَشْرُ رضَعاتٍ معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخَمْسِ رضَعاتٍ معلومات»؛ رواه مسلِم.
ضابط الرضعة: الرضعة فَعْلة من الرضاع، فهي مرة منه، كضَرْبة وجَلْسة وأَكْلة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض، كان ذلك رضعة؛ لأن الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب، لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة.
[ ١٤٨ ]
٢ - أن يكون في الحَولينِ عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
وعند شيخ الإسلام: المعتبَرُ انتشارُ التحريم إلى انفطام الطفل؛ لحديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»؛ أخرجه الترمذي وصححه.
٣ - أن يكونَ مِنْ مَنفَذٍ معتاد؛ كالفم والأنف، وسواء شربه مباشرة من الثدي، أو من أنبوب أو إناء.
٤ - أن يكون لبن آدمية.
مسألةٌ: أكلُ ما جبِّنَ أو خُلِط بالماء وصفاتُهُ باقيةٌ: ينشُرُ التحريمَ، وكذا لبنُ الميِّتة.
وكذا لبن الموطوءة بعقدٍ باطل، أو زنًا؛ لكن ينشر التحريم من جهة الأم فقط.
مسألةٌ: الأحكام المترتبة على الرَّضاع:
الأولى: تحريم النِّكاح، وضابطُ انتشار التحريم: ينتشر إلى أصول المرضِعة؛ أمَّهاتها وإن علَوْن، وفروعها: بنتها، وبنات أولادها، وحواشيها؛ عمتها وخالتها، وإن علَوْن، دون فروع الحواشي؛ كبنت العمة والخالة.
وأمَّا صاحب اللبَن: فينتشر التحريم إلى أصوله؛ أمهاته وإن علون، وفروعه: بنته وبنات أولاده، وحواشيه؛ عمته وخالته وإن علون، دون فروع الحواشي؛ كبنتِ العمة والخالة.
[ ١٤٩ ]
وينتشر إلى فروع المرتضِع؛ أولاده، وأولاد أولاده، دون أصولِه وحواشيه.
الثانية: إباحة النظر والخلوة، فيجوز للمرتضع أن ينظر ويخلو إلى المرضعة وأمهاتها وبناتها وأخواتها وعماتها دون بنات الأخوات والعمات، وأن ينظر ويخلو بأمهات أبيه من الرضاع، وإن علون، وبنات أبيه من الرضاع وإن نزلن، وأخوات وعمات أبيه من الرضاع دون بناتهن.
الثالثة: المحرمية في السفر، فيكون المرتضع مَحرَمًا للمرضعة وأمهاتها وبناتها وأخواتها وعماتها دون بنات الأخوات والعمات، ومَحرَمًا لأمهات أبيه من الرضاع وإن علون، وبنات أبيه من الرضاع وإن نزلن، وأخوات وعمات أبيه من الرضاع دون بناتهن.
فرعٌ: مَنْ شك في الرَّضاع أو عدَدِه، بنى على اليقينِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التحريم.
مسألةٌ: يجب على الأبِ أن يستأجر لولَدِه من يُرضِعه، إلا إذا كانت أمُّه في حبال الزَّوج؛ فيجب عليها، فإن لم تكن في حباله، فلها طلبُ أجرة رَضاعه، ويَلزَمها عند الضرورة.
مسألةٌ: يثبُتُ الرَّضاعُ بشهادة امرأةٍ مَرْضيَّة في دِينها؛ لما روى عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أَمَةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: «وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما! فنهاه عنها»؛ رواه البخاري ومسلم.
[ ١٥٠ ]
مسألة: رضاع الكبير، عن عائشة ﵂ أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - تعني ابنة سهيل - النبي ﷺ فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعَقَل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال لها النبي ﷺ: «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة»، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة؛ رواه البخاري ومسلم.
فرضاع الكبير رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه، فلا يؤثر إلا رضاع الصغير.
[ ١٥١ ]