المراد بالشروط في النِّكاح: ما يَشرِطُهُ أحدُ الزَّوجين بسبب العقد مما له فيه منفعةٌ ومصلحة، والأصل فيها الحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]، والأمرُ بالإيفاء بالعقود يتضمَّنُ الإيفاءَ بأصله ووصفِه، ومِن وصفِهِ: الشرطُ فيه، ولحديث أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «المسلِمون على شروطهم»؛ رواه البخاري معلقًا، ولحديثُ عقبة بن عامر ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إن أحقَّ الشروطِ أن تُوفُوا به ما استحلَلتُم به الفُروجَ»؛ متفق عليه.
والشروط تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشروط الصحيحة؛ وهي: ما لا يخالفُ الشرع؛ مثل: أن تشترطَ على الزَّوج ألا يخرجَها من دارها، أو لا يمنعها من العمل، أو أن يحج بها، ونحو ذلك.
القسم الثاني: الشروط الباطلة غير المبطِلة؛ وهو ما نهى عنه الشرعُ، ولم يعُدِ النهيُ إلى ذات المنهيِّ عنه، أو شَرْطِه المختص به؛ مثل: إذا شرَطتْ طلاق ضَرَّتها، لا يصحُّ هذا الشرطُ ولا يجوز؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختها لتَكفأَ صَحْفتَها، ولتَنكِحْ؛ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها»؛ رواه البخاري، ولِما فيه من الظلم على الزَّوجة الأولى، إلا إذا كان اشتراطُ طلاق الضَّرة بسببٍ شرعي؛ كنحوِ رِيبة ظهرت منها، ونحو ذلك من المقاصد.
[ ٣٦ ]
فرع: يقاس على ذلك كلُّ شرط اقتضى ظلمًا، مثل: أن يَقسِمَ لها أكثرَ من ضَرَّتها، ونحو ذلك.
القسم الثالث: الشروط الباطلة في نفسِها، المبطِلة للعقد؛ وهي: ما عاد النهيُ فيها إلى أصل العقد، أو شرْطِهُ المختص به، قال ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى: (الضابط الشرعيُّ الذي دلَّ عليه النهي: أن كل شرطٍ خالَفَ حُكْمَ الله وكتابَه، فهو باطلٌ، وما لم يخالف حُكْمَه، فهو لازم).
وهو أنواع:
النوع الأول: نكاح الشِّغار:
الشغار بالكسر: الخلو من العوض، ومنه قولهم: شغر المكان إذا خلا، وقيل: هو البعد، كأنه بعد عن طريق الحق، وقيل: مأخوذ من شَغَرَ الكلبُ رِجلَه إذا رفعها ليبول، سمي شغارًا لقبحه، تشبيهًا له بقبح الكلب حين يرفع رجله ليبول.
والشِّغار أن يزوِّجه مَوْليَّته -كأخته وبنته -على أن يزوِّجه الآخَر موليته-أي بشرطِ أن يزوِّجه موليته-؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن النبيَّ ﷺ نهى عن الشِّغار»؛ رواه البخاري ومسلِم.
وقال شيخ الإسلام: (وفصلُ الخطاب: أن الله حرَّم نكاح الشِّغار؛ لأنَّ الوليَّ يجب عليه أن يزوِّج مَوْليَّته إذا خطبها كفءٌ، ونظَرُهُ لها نظَرُ مصلحةٍ، لا نظَرُ شهوة، والصداق حقٌّ لها لا له، وليس للوليِّ ولا للأب أن يزوِّجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوِّجَها لغرضه لا لمصلحتها، وبمثل هذا تسقُطُ وِلايته، ومتى كان غرضُهُ أن يعاوِضَ فَرْجَها بفَرْجِ الأخرى، لم ينظُرْ في مصلحتها، وصار كمن زوَّجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى
[ ٣٧ ]
هذا لو سُمِّيَ صداقًا حيلةً، والمقصود المشاغَرة: لم يجُزْ؛ كما نص عليه أحمد؛ لأنَّ مقصودَهُ أن يزوِّجها بتزوُّجه الأخرى، والشرع بيَّن أنه لا يقع هذا إلا لغرضِ الوليِّ، لا لمصلحة المرأة، سواءٌ سُمِّيَ مع ذلك صداقًا أو لم يُسَمَّ؛ كما قاله معاوية وغيره، وأحمد جوَّزه مع الصداق المقصود دون الحيلة؛ مراعاةً لمصلحة المرأة في الصداق).
النوع الثاني: نكاح المحلِّل: وهو أن يتزوَّجها بشرطِ أنه متى حلَّلها للأول؛ طلَّقها، أو نوى الزَّوجُ الثاني التحليلَ بلا شرط يُذكَر في العقد، أو اتفقا عليه قبل العقد؛ ففي جميع هذه الأحوال: يبطُلُ النِّكاح؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أُخبِرُكم بالتيسِ المستعار؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: هو المحلِّل؛ لعَنَ اللهُ المحلِّلَ، والمحلَّلَ له»؛ رواه ابن ماجَهْ، والحاكم، وغيرهما.
ولنكاح التحليل صُوَرٌ:
الأولى: أن يشترِطَ عليه في العقد أن يطلِّقها بعد الدخول بها، فعند جمهور أهل العلم أنه محرَّم، وباطل.
الثانية: أن ينويَ ذلك بقلبه؛ فالمذهبُ ومذهب المالكية: بطلانُ هذا العقد، ولا تَحِلُّ لزوجها الأول؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنيات»؛ متفق عليه، ولأنه قَصَد التحليل؛ فلم يصحَّ.
وقال شيخ الإسلام: (لا يصحُّ نكاحُ المحلِّل، ونيةُ ذلك كشرطِه).
الثالثة: أن يحصُلَ تواطؤٌ بين الزَّوج والزَّوجة أو وليِّها قبل العقد، ولا يذكُرَ لفظًا في صُلْبِ العقد، لكنه منويٌّ ومعلوم؛ فحكمُ هذه الصورة حكمُ الصورة السابقة.
[ ٣٨ ]
الرابعة: أن لا تشرطَ عليه الطلاقَ بعد الوطء، لكنه يغيِّر رأيه في نفسه ويَرجِع، ويَعقِدُ عليها وفي نيته أنه نكاحُ رغبةٍ، فلا ينوي تحليلَها ولا تطليقها: فالمذهب -هو مذهبُ الأئمة الثلاثة-: أن العقدَ صحيح؛ لانتفاءِ المحذور، وحصول المقصود من الإمساك على الدوام.
الخامسة: أن تكون نيةُ التحليل من الزَّوجة، أو من الزَّوج الأول، أو الوليِّ: فقول الأئمة -: أن العقد صحيحٌ؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطِه؛ لأنَّ كلًّا من الزَّوجة والزَّوج الأول لا يَملِكانِ رفعَ العقد؛ فوجودُ نيتهما كعدَمِه.
النوع الثالث: تعليق النِّكاح:
لو عُلِّقَ النِّكاح، فجمهورُ العلماء على أنه لا يصحُّ؛ لأنَّه عقدُ معاوضة؛ كما لو قال: زوَّجتُك إذا دخل شهرُ رمضان.
وقيل: يصح، واختاره شيخ الإسلام، وهو الصواب؛ لورود تعليق الإمارة عن النبي ﷺ، ولأن الأصل في الشروط في النكاح الحل.
النوع الرابع: نكاح المتعة؛ وهو محرم، وله صُوَر:
الأُولى: أن يتزوَّجَها لمدة معينة؛ كأسبوع مثلًا.
الثانية: أن يشترط طلاقَها بمُضيِّ مدة معينة، لحديث سَبْرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة»؛ رواه مسلم.
الثالثة: النِّكاح بنيَّة الطلاق: وهو محرَّم؛ لحديث عمرَ ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنيَّات»؛ متفق عليه.
[ ٣٩ ]
والقصدُ معتبَرٌ في العقود؛ قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في بهجة قلوب الأبرار: (ومِثلُ ذلك من تزوَّج بنيته الطلاق، ظاهر زواجه أنه يريد الدوامَ والاستمرار، وباطنه يريد التمتُّع بها إلى أجلٍ يَمكُرُ بها بعد انتهاء غرضه عبَثًا وخداعًا، فهو توصَّل بهذه النية إلى ما حرَّم الله، وهو العبث والخديعة، وظلمُ المرأة وأوليائها)، ولأنَّ الضررَ الحاصل للزوجة بهذا النِّكاح كالضرَرِ الحاصل بنكاح المتعة، ولأنَّ الشريعة جاءت بتحريم ما كانت مَفسدتُهُ أعظمَ من مصلحته.