لغة: مشتقٌّ من الظَّهْر، وخُصَّ به من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضعُ الرُّكوب، والركوب غالبًا إنما يكون على الظَّهْر.
ولفظ الظَّهْر يطلق لغةً على معانٍ؛ منها: البُروز بعد الخفاء، والغلَبة، والقوة.
فشبَّه ركوبَ الزَّوجة بركوبِ الأمِّ الذي هو ممتنِع، وهو استعارةٌ لطيفة، فكأنه قال: ركوبُكِ للنكاح حرامٌ عليَّ كركوب أمي.
وفي الاصطلاح: أن يشبِّهَ الرجُلُ زوجته بمن تحرُمُ عليه على التَّأبيد فيما يتعلق بالوطء.
مسألةٌ: ظِهار الجاهلية:
الظِّهار عند أهل الجاهليَّة كان طلاقًا؛ قال طاوس: (كان طلاقُ أهلِ الجاهليَّة الظِّهارَ)؛ رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: (سمعتُ مَنْ أرضى مِنْ أهل العلم بالقرآن يذكُرُ: أنَّ أهلَ الجاهليَّة كانوا يطلِّقون بثلاثٍ: الظِّهار، والإيلاء، والطلاق).
مسألةٌ: حكمُ الظِّهار: محرَّم، ولا يجوز؛ بدَلالة الكتاب، والسُّنة، والإجماع، وقد صرَّحَ بعضُ العلماء: بأنَّه من الكبائر.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجَادلة: ٢]؛ فالآية دلَّتْ على أن قول: (أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي محرَّمٌ) من أوجه؛ منها:
[ ١٢٠ ]
الأول: من جهة الإخبار بأنه زُور؛ أي: كَذِب؛ لأنَّ إخبارَه أن زوجته تُشبِهُ أمَّه كذب؛ لأنَّه شبَّه مَنْ هي في أقصى غايات الحِلِّ بمن هي في أقصى غايات الحُرْمة.
الثاني: من جهة الإنشاء: أنه منكَرٌ؛ لأنَّ الشرع لم يجعله سببًا للتحريم.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجَادلة: ٢]: مُشعِرٌ بقيام سببِ الإثم؛ فدلَّ على التحريم.
ومن السُّنة: عن سلَمةَ بن صخرٍ قال: «كنتُ امرأً أصيبُ من النساء ما لا يصيبُ غيري، فلما دخل شهرُ رمضان، خِفتُ أن أصيبَ من امرأتي شيئًا يُتابع - أي يلازِمُني - فلا أستطيع الفَكاكَ منه حتى أصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهرُ رمضان، فبينما هي تخدُمُني ذاتَ ليلة، إذ تكشَّف لي منها شيءٌ، فلم ألبث أن نزَوتُ عليها، فلما أصبحتُ خرَجتُ إلى قومي، فأخبرتُهم الخبرَ، وقلت: امشُوا معي إلى رسول الله ﷺ، قالوا: لا والله، فانطلقتُ إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: أنت بذاك يا سلَمةُ؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتينِ، وأنا صابرٌ لأمر الله؛ فاحكُمْ فيَّ ما أراك الله، قال: حرِّرْ رقبةً، قلت: والذي بعثك بالحق، ما أملِكُ رقبةً غيرها، وضربتُ صَفْحةَ رقبتي، قال: فصُمْ شهرين متتابعين، قال: وهل أصبتُ الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعِمْ وَسْقًا من تمر بين ستين مسكينًا، قلت: والذي بعثك بالحق، لقد بِتْنا وَحْشَينِ ما لنا طعام، قال: فانطلِقْ إلى صاحب صدقةِ بني زُرَيق، فليدفعها إليك، فأطعِمْ ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالُك بقيَّتَها، فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضِّيق وسوءَ الرأي، ووجدتُ عند النبي ﷺ السَّعة وحُسْنَ الرأي، وقد أمرني، أو أمر لي بصدقتكم»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، والحديث له شواهدُ يتقوى بها.
[ ١٢١ ]
مسألة: الظهار صحيح، وتترتب عليه آثارُه وأحكامه، إذا توفَّرتْ فيه شروطُ صحته، وهي:
الشرط الأول: كون المظاهِر زوجًا، مسلِمًا كان أو غير مسلِم، ولو كان غيرَ قادر على الوطء، وعلى هذا فلا يصحُّ ظِهارُ السيد لأمَتِه؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]؛ فاللهُ ﷻ أناط حكمه بالنساءِ، ومطلَقُهُ ينصرف إلى الزَّوجات، وعمومُ الآية يشمل كل زوج.
الشرط الثاني: العقل؛ فلا يصحُّ ظِهارُ مَنْ زال عقلُه بجنون، ولا من غُطِّيَ على عقله بإغماء، أو نوم، أو سُكْرٍ، أو دواء، ولا مَنْ نقص عقله؛ كالمعتوه؛ وهذا باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشةَ ﵂؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصغير حتى يَكبَرَ، وعن المجنون حتى يَعقِلَ»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي بإسناد حسن.
ولحديث سليمانَ بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: «جاء ماعزُ بن مالك للنبيِّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، طهِّرني، قال: ممَّ أطهِّرُك؟ قال: من الزِّنا، فسأل رسولُ الله ﷺ: أَبِهِ جنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليس بمجنون، فقال: أشَرِبَ خمرًا؟ فقام رجُلٌ فاستنكَهَهُ، فلم يَجِدْ منه ريحَ خمرٍ، فقال النبي ﷺ: أزنَيتَ؟ قال: نعم، فأمَرَ به فرُجمَ»؛ رواه مسلِم.
وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشمِّ ريحِ فمِ ماعز ليعلَمَ هل هو سكرانٌ أم لا؟ فإن كان سكران، لم يصحَّ إقرارُه، وكذا ظِهاره.
قال ابن قدامة: (ومَن لا يصحُّ طلاقُه، لا يصحُّ ظِهاره؛ كالطفل، والزائلِ العقلِ بجنون، أو إغماء، أو نوم، أو غيره؛ وبه قال الشافعيُّ وأبو ثَوْر، ولا
[ ١٢٢ ]
نعلم فيه خلافًا).
فرعٌ: حكمُ ظهار السكران والغضبان: حكمُ طلاقِهم كما تقدم في باب الطلاق من التفصيل في ذلك.
الشرط الثالث: البلوغ: فلا يصحُّ ظِهار الصبي؛ لحديث عائشةَ ﵂ السابق.
الشرط الرابع: الاختيار: وعلى هذا فلا يصحُّ ظِهار المكرَه، والمخطِئ، والهازل؛ لحديث عمرَ ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنيَّات»، وجه الدَّلالة: أنَّ العملَ بلا نيَّةٍ باطلٌ لا عبرةَ به، والإكراهُ عملٌ بلا نيَّة.
ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال عند قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال اللهُ: قد فعلتُ، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال اللهُ: قد فعلتُ؛ رواه مسلِم.
ولأنَّ الهازل قصدَ اللفظَ في الظاهر دون الباطن.
فرعٌ: لا يُشترط تكليف الزَّوجة، ولا إسلامها، ولا حريتها، ولا طهارتُها من الحيض والنفاس، ولا الدخول بها؛ فيصحُّ الظِّهار من الصغيرة، والمجنونة، والكتابيَّة، والأمَة، وغير المدخول بها، ومَن لا يمكن وطؤها، وكذا الحائض، والنفساء.
وكذا يصحُّ الظِّهار من الرجعية، والمُحرِمة بحج أو عمرة؛ باتفاق الأئمة الأربعة، ودليل ذلك: عموم آية الظهار.
[ ١٢٣ ]