ويعبِّرُ بعض العلماء ب: موانع النِّكاح.
الأصل في النساء: الحِلُّ؛ لقوله تعالى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، وهنَّ ضربانِ:
الضرب الأول: اللاتي يحرمن تحريمًا مؤبدًا؛ وهنَّ خمسة أنواع:
النوع الأول: من يحرمن بالنَّسَب؛ وهنَّ سَبْعٌ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ … *﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
- الأمُّ، والجَدَّة لأبٍ، أو لأم، وإن علَوْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
- البنتُ، وبنتُ الابنِ، وبنتُ البِنْتِ، وبنتُ بنتِ الابنِ، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
- الأخت؛ شقيقةً كانت، أو لأبٍ، أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
- بنتُ الأخت، وبنتُ ابنها، وبنتُ بنتِها، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
- بنت الأخ، وبنتُ بنتِ الأخ، وبنتُ ابنه، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
[ ٣٠ ]
- العمةُ والخالة مطلقًا، وإن علَوْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
النوع الثاني: اللاتي يحرمن بالرَّضاع، وبيانهنَّ كما يلي:
يحرُمُ بالرَّضاع ما يحرم بالنَّسَب من الأقسام السابقة؛ فكلُّ امرأة حرُمتْ بالنسب من الأقسام السابقة؛ حرُمَ مثلُها بالرَّضاع؛ كالأمهات والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، ولحديث عائشة ﵂: قال النبي ﷺ: «يحرُمُ مِنْ الرَّضاع ما يحرم مِنْ النَّسَب»؛ متفق عليه.
النوع الثالث: الملاعَنةُ على الملاعِن؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»؛ رواه البخاري.
النوع الرابع: المحرَّمات بالمصاهَرة؛ وهنَّ أربعٌ:
١ - تحرُمُ بالعقد زوجةُ أبيه، وزوجة جَدِّهِ، وإن علا، من جهة الأبِ أو الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٢].
٢ - تحرم زوجةُ ابنه، وابن ابنه، وابن بنته، وإن نزل، بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
٣ - تحرم عليه أمُّ زوجته، وجَدَّاتها، وإن علَوْنَ، بمجرد العقدِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
٤ - ابنة الزَّوجة تحرُمُ بالدخول بأمها -أي: جِماعها-، وابنة ابنها، وابنة بنتها، سواء كان من زوج سابق أو لاحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي
[ ٣١ ]
فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
النوع الخامس: المحرَّمات بالاحترام؛ وهنَّ زوجات النبي ﷺ.
قال ابن القيم في زاد المعاد: (وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع، وبنتها من الرضاعة، وامرأة ابنة من الرضاعة، أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينهما وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرمه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخنا وقال، إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى).
فرع: ربيبة والده وولده، وأم زوجة والده وولده، حلال؛ لأن الأصل الحل.
الضرب الثاني: ما كان تحريمُهُ منهنَّ مؤقتًا، وهن نوعان:
النوع الأول: ما يحرُمُ من أجل الجمع:
١ - يحرُمُ الجمع بين الأختينِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].
٢ - يحرم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «لا يُجمَعُ بين المرأة وعمَّتِها، ولا بين المرأة وخالتِها»؛ متفق عليه، وقد بيَّن ﷺ الحكمةَ في ذلك حين قال: «إنَّكم إذا فعَلتُم ذلك، قطَعتُم أرحامَكم»؛ وذلك لِما يكون بين الضرائرِ من الغَيرة، فإذا كانت إحداهما مِنْ أقارب الأخرى حصَلتِ القطيعةُ بينهما، فإذا طُلِّقتِ المرأةُ وانتهت عِدَّتُها؛ حلَّتْ أختُها، وعمَّتُها، وخالتها، وابنة أختها، وابنة أخيها؛ لانتفاء المحذور.
[ ٣٢ ]
٣ - ولا يجوز أن يُجمَعَ بين أكثرَ من أربعِ نسوة؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النِّسَاء: ٣]، وقد أمر النبي ﷺ مَنْ تحته أكثرُ من أربعٍ لمَّا أسلم أن يفارق ما زاد عن أربعٍ؛ رواه أبو داود، وابن ماجَهْ، والبَيْهَقي، ولأنه ﷺ قال لقيس بن الحارث: «اختَرْ منهنَّ أربعًا»؛ رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجَهْ.
وقال شيخُ الإسلام: (ولا يُشترط في جواز وطئِهنَّ انقضاءُ العِدَّة، لا في جمعِ العَدَد، ولا في جمعِ الرَّحِم؛ لأنه لم يَجمَعْ عَددًا ولا وَطْئًا).
مسألةٌ: من أسلم وتحته أكثر من أربع، أو أختان ونحو ذلك، فإنه يختار إن كان مكلَّفًا، وإن كان غيرَ مكلف اختار له وليُّه؛ لأنَّ الفسخ واجب، فيقوم الوليُّ مقامه في التعيين، كما يقوم مقامه في تعيينِ الواجب عليه؛ من المال، والزكاة، وغيرها.
وإن أبى الاختيار، أُجبِرَ بحبسٍ، ثم تعزير؛ لأنَّ الاختيار حقٌّ عليه، فأُلزِمَ بالخروج منه إن امتنَع، كما يقوم في تعيين الواجب؛ لما ورد أن فَيْروز الدَّيْلمي ﵁: «أسلَمَ وتحته أختانِ، فخيَّره النبيُّ ﷺ، فاختار إحداهما» رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: (حديث حسن).
النوع الثاني: ما كان تحريمُهُ لعارض يزول؛ وله صُوَر:
١ - يحرُمُ تزوُّجُ المعتدة من غير مَنْ فارَقَها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، والحكمة في ذلك: أنه لا يؤمَنُ أن تكون حاملًا، فيفضي ذلك إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب.
٢ - يحرم تزوج الزانية -إذا عَلِمَ زناها- حتى تتوبَ وينقضي استبراؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٣].
[ ٣٣ ]
٣ - يحرم على الرجُلِ أن يتزوج مَنْ طلقها ثلاثًا حتى يطأها زوجٌ غيرُه، بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]؛ يعني: الثالثة، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠].
٤ - يحرم تزوُّج المُحْرِمة حتى تَحِلَّ من إحرامها.
وكذا لا يجوز للمحرِمِ أن يعقد النِّكاحَ على امرأة وهو محرِم؛ لقوله ﷺ: في حديث عثمان ﵁: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكَح، ولا يخطُبُ»؛ رواه مسلم.
وكذا الوليُّ إذا كان محرِمًا لا يزوِّجُ حتى يَحِلَّ.
٥ - لا يحل أن يتزوج كافرٌ امرأةً مسلِمة حتى يُسلِمَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٢١].
٦ - الكافرة لا يجوز الزواجُ منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠].
ويستثنى الكتابيَّةُ النصرانية أو اليهودية؛ بشروط:
أ-أن تكون حُرَّة.
ب-وأن تكون عفيفة.
ج-وأن تكون باقية على دينها.
[ ٣٤ ]
لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المَائدة: ٥].
مسألةٌ: لا يصحُّ تزويجُ مَنْ نكاحُها فاسد قبل طلاق أو فسخٍ ممن تزوجها أو القاضي؛ لأنَّ تزويجَها من غيرِ فُرْقة يفضي إلى تسليط زوجينِ عليها، كلٌّ منهما يعتقد صحةَ نكاحه، فإن أبى الزوج الطلاق أو الفسخ؛ فسخه حاكمٌ؛ لقيامِهِ مقام الممتنِع فيما وجب عليه.
[ ٣٥ ]