النفقات في اللغة: جمع نفقة، والنفقة مشتقةٌ في الأصل من النُّفوق؛ وهو الهلاك، وكذلك تُطلَق على الدراهم.
وأما في الاصطلاح: فهي كفايةُ مَنْ يمُونُه؛ طعامًا وشرابًا وسكَنًا، وكسوةً ونكاحًا.
والأصل في النفقة القرآن: قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
والسُّنة: حديث عائشةَ ﵂ في الصحيحين؛ أن النبيَّ ﷺ قال لهندٍ: «خُذِي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف».
والإجماع منعقِدٌ على ذلك.
مسألة: النفقة واجبة؛ لأن الله تعالى أمر بها؛ قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطّلَاق: ٧]، كما أنها سببٌ لحفظِ النفس، وما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
مسألة: النفقةُ لها ثلاثة أسباب ثلاثة: النِّكاح، والقَرابة، والمِلْك.
وأقوى هذه الأسباب: هو النِّكاح؛ ولهذا يرى بعض العلماء أن النفقةَ في النِّكاح من قَبيل المعاوَضة، والعلماء يتفقون على وجوبِ نفقة الزَّوجة؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطّلَاق: ٧]، ولما تقدم من حديث عائشة ﵂، ولأنَّ الزَّوجةَ محبوسةٌ لمصلحة الزَّوج؛ فيجبُ عليه أن يُنفِقَ عليها.
[ ١٥٢ ]
والطعام والكسوة: داخلةٌ في النفقة، وكذلك السُّكْنى.
مسألةٌ: الزَّوجان لا يخلوانِ من أمرين:
الأمر الأول: أن يتفقا على شيءٍ من النفقة؛ سواءٌ اتفقا على دراهمَ، أو اتفقا على أن يأتيها بالطعام كما هو عُرْفُ الناس، فجائز؛ لأن الأمر راجعٌ إليهما.
الأمر الثاني: ألا يتفقا؛ بأن يحصُلَ بينهما نزاعٌ وشِقاق:
فالمعتبَرُ هو حال الزَّوج؛ وبه قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى، وعلى هذا إذا كان الزَّوج غنيًّا، فإنَّه تجب عليه نفقةُ أغنياء، وإن كان فقيرًا تجب عليه نفقة فقراء؛ ودليله: قول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطّلَاق: ٧].
فيُفرَض للزوجة تحت الموسر قدرُ كفايتها مِنْ أرفع أكل أهل البلد وكسوتهم وسكنهم، ولمن زوجها فقير أدنى نفقة أهل البلد.
مسألةٌ: نفقة علاج الزَّوجة:
القاعدة في باب النفقة: قول الله ﷻ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وليس من المعاشَرة بالمعروف أن لا يشتري لها علاجًا، وهذا يختلف باختلاف حال الزَّوج، إذا كانت نفقةُ العلاج من الأمور الميسَّرة للزوج، فيجب على الزَّوج أن يقوم بها، أما إذا كانت نفقةُ العلاج تحتاج إلى تكاليفَ مالية كبيرة، ونحو ذلك: فالذي يظهر أن الزَّوج لا يُلزَم بها، لكن إن التزم بها للزوجة: فهذا من حُسْنِ العِشرة للزوجة.
مسألةٌ: أدوات التجميل مِنْ الأمور التي تحتاجها النساء؛ من التحمير والتصفير؛ القاعدة كما تقدم: أنه يُرجَع إلى النفقةِ بالمعروف، وليس من
[ ١٥٣ ]
المعروف أن يَحرِمَها مثل هذه الأشياء إن كانت لا تشق عليه؛ لأنها أمور ميسورة في يد الزَّوج، ولأنَّ المرأة جُبِلتْ على حب مثل هذه الأشياء؛ من التجمُّل، ونحو ذلك، والله ﷻ قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزّخرُف: ١٨].
مسألةٌ: نفقة المفارَقة بطلاق أو غيره لا تخلو من ثلاثِ حالات:
الحال الأولى: أن تكون رجعيةً؛ يعني طلقها زوجُها دون ما يَملِك من العَدَد بلا عِوض، فحكمُها حكم الزَّوجة؛ تجب لها النفقةُ؛ من طعام وشراب، وكساء وسُكْنى، حتى تنتهي العِدَّة.
ويدلُّ على ذلك قولُ الله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، والله ﷻ قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطّلَاق: ١].
الحال الثانية: أن تكون بائنًا؛ إما بينونةً صغرى، أو بينونة كبرى، البينونة الكبرى: هي التي طلَّقها زوجُها آخِرَ ما يَملِك من العَدَد، والبينونة الصغرى: مثل المختلِعة أو المفسوخة، إن كانت حاملًا فلها نفقة، وإن لم تكن حاملًا فلا نفقةَ لها.
ويدل على ذلك: حديثُ فاطمةَ بنت قيس ﵂: أن زوجَها أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتةَ وهو غائب، فأرسل لها وَكِيلُه بشعيرٍ، فسَخِطتْهُ، فذهَبتْ إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «ليس لكِ عليه نفقةٌ»؛ رواه البخاري ومسلم، وفي صحيح مسلِم: أن النبيَّ ﷺ قال: «لا نفقةَ لكِ ولا سُكْنى»، وفي سنن أبي داود: «لا نفقةَ لكِ إلا أن تكوني حاملًا»، وفي سنن النَّسَائي: «إنما النفقةُ والسُّكْنى للمرأة إذا كان لزوجِها عليها رَجْعةٌ».
[ ١٥٤ ]
الحال الثالثة: المتوفَّى عنها زوجها: لا نفقةَ لها ولا سكنى؛ ويدلُّ على ذلك قولُ الله ﷻ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّسَاء: ١٢]، ولو قُلْنا: إن النفقةَ تجبُ لها، لكان لها أكثرُ من الرُّبع، وأكثر من الثُّمن.
مسألةٌ: إذا نشَزتِ المرأة فإن نفقتَها تسقط؛ والنشوز: هو أن تمتنع الزَّوجة من بذلِ حقِّ الزَّوج؛ إذ لا تستحق النفقة لعدم بذلها المعوض.
مسألةٌ: إذا شرعت الزَّوجة بحجٍّ أو صومٍ واجبين بلا إذن الزَّوج، فإن النفقةَ لا تسقط في هذه الحال؛ لأن الشرع أذن لها في أداء ما عليها من واجب، وأما غير الواجب لا بد من إذن الزوج.
مسألةٌ: إذا لم ينفق الزوج مدة، ثم طالبته الزوجة، فالنفقةَ تسقط بمضيِّ الزمان؛ لحديث عائشةَ ﵂ في قصة هند؛ فإن هندًا أتت النبيَّ ﷺ، وذكَرتْ له أن أبا سفيان رجُلٌ شحيح، وأنه لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وبَنِيها، فقال النبي ﷺ: «خُذِي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف»، ولم يَفرِضْ لها النبيُّ ﷺ نفقةَ ما مضى؛ وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
لكن إن قَدَرَت على شيء من ماله، فلها أن تأخذ قدر النفقة بالمعروف، وإن استدانت للنفقة رجعت عليه في قضاء الدين.
مسألةٌ: إذا غاب الزَّوج ولم يدَعْ لزوجته نفقةً، فهل يحقُّ للزوجة الفسخ؟
إذا غاب الزَّوج، فله أربعُ أحوال:
الأولى: أن يدَعَ لها نفقة؛ فليس لها حقُّ الفسخ.
الثانية: أن تتمكن من أخذِ النفقة من ماله؛ فليس لها حق الفسخ.
[ ١٥٥ ]
الثالثة: أن تتمكن من الاستدانة في ذمَّة الزَّوج؛ فليس لها حق الفسخ.
الرابعة: إذا لم تتمكن من شيءٍ مما سبق، يعني لم يترك لها نفقةً، ولم تتمكن من أخذِ شيءٍ من ماله، ولم تتمكن من الاستدانة: ففي هذه الحال يحق لها الفسخُ؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، المالكية.
أما الشافعية والحنفية فلا يرون حقَّ الفسخ للزوجة في هذه المسألة؛ وهذا القول هو الصوابُ، والله أعلم.
مسألةٌ: هل يجب على الزَّوج أن يوفِّرَ خادمًا لزوجته؟
الأمر في ذلك راجع إلى العرف؛ فإذا كان مثلُها يُخدَم، فيجب أن يأتيَ بمن يخدُمُها، وإذا كان مثلُها لا يُخدَم فلا يجب.
السبب الثاني من أسباب النفقة القرابة، فتجب:
١ - للأصول: الآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب أو الأم مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليه، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» رواه مسلم.
٢ - الأولاد: الأبناء والبنات وأولادهم وإن نزلوا مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣].
٣ - الحواشي، وهم الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم، وإن نزلوا؛ لما تقدم من حديث جابر ﵁؛ بشرط أن يكون المنفِق وارثًا للمنفق عليه لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، ومع غنى المنفق وفقر المنفق عليه.
[ ١٥٦ ]
السبب الثالث: الملك، فتجب النفقة:
١ - للرقيق بالمعروف، بأن يُطعمه مما يَطْعَم الرقيقُ في زمانه عرفًا، والأفضل أن يُطعمه مما يَطعَمُ السيد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يُطيق»؛ رواه مسلم.
وعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليُطعمه مما يأكل، ولْيُلبِسُه مما يَلْبَس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه»؛ رواه البخاري ومسلم.
٢ - البهائم: فتجب لبهائمه طعامٌ، ووقاية عن الحر والبرد بالمعروف، فعن أبي هريرة مرفوعًا: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»؛ رواه البخاري ومسلم.
فإن عَجَزَ مالك البهيمة عن نفقتها أُجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن أُكِلَت؛ لأن بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.
٣ - بقية ماله، كشجره وزرعه وعَقاره وآلاته مما يحتاج إلى نفقة وصيانة إذا كان فيه مصلحة ولم يلحقه مضرة؛ للنهي عن إضاعة المال؛ روى المغيرة بن شعبة، قال: قال النبي ﷺ: «إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»؛ رواه البخاري ومسلم.
[ ١٥٧ ]