الحضانة لغة: مصدرُ حضَن، ومنه: حضَن الطائرُ بيضَه: إذا ضمَّه إلى نفسه تحت جَناحَيه.
وشرعًا: هي حفظُ مَنْ لا يستقل بأموره، وتربيتُه بما يُصلِحه.
والأصل فيها من القرآن: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥] وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، وتركها يؤدي إلى هلاك المحظون.
ومن السنة: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحِي»؛ رواه أبو داود وأحمد، وإسناده حسن.
ومن الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيتها في الجملة، قال في ابن هبيرة في الإفصاح: (واتفقوا أن الحضانة للأم مالم تتزوج).
مسألة: الحضانة واجبةٌ شرعًا؛ لأنَّ المحضون قد يَهلِكُ أو يتضرَّرُ بتركِ الحفظ.
ضابط: مدار الحضانة على مصلحة المحضون فلا يقر بيد من لا يصونه ولا يصلحه، قال ابن القيم: (الولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها، وهي ولاية المال والنكاح، ونوع تقدم فيه الأم على الأب، وهي ولاية الحضانة والرضاع، وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته، ولما كان النساء أعرف بالتربية، وأقدر عليها، وأصبر
[ ١٥٨ ]
وأرأف وأفرغ لها؛ لذلك قدمت الأم فيها على الأب، ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قدم الأب فيها على الأم، فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال، والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك).
مسألة: يشترط للحاضن شروطًا:
الأول: أن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن غير البالغ العاقل يحتاج من ينظر له، فلا ينظر لغيره.
الثاني: الإسلام، فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤١].
الثالث: القوة والأمانة، فيشترط قدرة الحاضن على حفظ المحضون، وأمانته في رعايته وتربيته حسب الشرع؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
الرابع: عدم تضرر المحضون، والعمل على مصلحته، فلو كان في الحاضن مرضٌ مُعْدٍ يتعدى ضرره إلى المحضون، أو كان الحاضن في مكان غير آمن، فلا حضانة له، إذ مدار الحضانة على حفظ المحضون.
مسألة: الأحق بالحضانة: الحضانة حق للشخص وحق عليه، فإذا تشاح أهلها في القيام بها فترتيبهم على درجات:
الأولى: الأب والأم، فالأحق بها الأم؛ لحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» رواه أحمد وأبو داود إسناده حسن.
[ ١٥٩ ]
الثانية: أن يتساويا في الجهة والدرجة، أي في جهة الأبوة أو الأمومة، فالمقدم الأنثى منهما، مثل: لو اجتمع أخ وأخت، أو عم وعمة، أو خال وخالة.
الثالثة: أن يتساويا في الجهة ويختلفا في الدرجة، مثل: أخت وبنت أخت، أو عمة وبنت عمة، أو أخ وابن أخ، فالمقدم الأقرب درجة.
الرابعة: أن يختلفا في الجهة، فالمقدم جهة الأبوة على جهة الأمومة، فتقدم العمة على الخالة، والجدة من قبل الأب على الجدة من قبل الأم، والعم على الخال، ونحو ذلك.
قال شيخ الإسلام: " أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة، كان أحقُّ الناس بها أقومَهم بهذه الصفات، وهم أقاربه، يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة، فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ، فإن كانا ذكرين أو أنثيين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما.
وإن اختلفت درجتهما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد، والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم".
مسألة: تسقُطُ الحضانة بوجودِ مانع منها، أو زوالِ شرطٍ من شروطِ استحقاقِها؛ كأن تتزوج الحاضنةُ بأجنبي عن المحضون، أو يصاب الحاضن بآفةٍ؛ كالجنون والعَتَهِ، أو مرَضٍ مُعْدٍ يضرُّ بالمحضون.
[ ١٦٠ ]
مسألة: إذا تزوجت الأم بشخص ليس من عصبات المحضون سقطت الحضانة؛ لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ولقول أبي بكر ﵁: «هي أحق بولدها ما لم تتزوج» رواه عبد الرزاق.
أما إن تزوَّجتِ الأمُّ بقريبٍ للمحضون، فإن حقَّها باقٍ؛ كأن تتزوجَ بعمِّ البنت.
ولو تزوجت بأجنبي، ورضي الأجنبي أن يبقيَ الطفل عنده: فلا تسقُطُ حضانةُ الأم.
مسألة: إذا بلغ الغلام التمييز فإنه يخير بين أبويه؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه»؛ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
وإذا اختار أحد الأبوين لم يمنع من زيارة الآخر بالمعروف.
وأما الأنثى فإنها تكون عند أمها حتى يتسلمها زوجها، قال ابن القيم: "فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت، وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال، فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة، وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة، وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك، وترديدها بين الأم وبينه، وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج، فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها، وهذا القول هو الذي لا نختار سواه".
مسألة: إذا أراد أحد الأبوين سفرًا للسكنى أو غيرها روعي مصلحة الطفل.
[ ١٦١ ]