ضابط: (حكمُ نكاح الكفار كنكاح المسلِمين في الصحة)؛ يقعُ فيه الطلاق، والظِّهار، والإيلاء، ووجوب المَهْرِ، والنفقة، والإحصان، وغير ذلك، ويُقَرُّون على فاسد النِّكاح إذا اعتقدوا صحتَهُ في شرعهم، بخلاف ما لا يعتقدون حِلَّهُ؛ فلا يُقَرُّون عليه؛ لأنه ليس من دِينهم، ولا هو من دِين الإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التّحْريم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *﴾ [المَسَد: ٤]، فأضاف الله تعالى الزوجية لكل من فرعون وأبي لهب، مما يدل على صحة النكاح، ولأنَّه أسلم كثير من الصحابة، ولم يفتش ﵊ في أنكحتهم.
فإن أتونا قبل عقدِهِ، عقدناه على حكمِنا؛ بإيجاب وقَبول، ووليٍّ، وشاهدَيْ عدلٍ منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المَائدة: ٤٢].
وإن أتونا بعد العقد، أو أسلم الزَّوجان على نكاح: لم نتعرَّضْ لكيفية صدوره؛ من وجود صيغته، أو وليٍّ، أو غير ذلك؛ لأنه أسلم خَلْقٌ كثير في عهد النبي ﷺ مع نسائهم، فأقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم، ولم يسأل عن شروط النِّكاح وكيفيته؛ فإن كان العقد وقع بلا صيغة، أو وليٍّ، أو شهود: أُقِرَّ على نكاحها؛ لأنَّ ابتداء النِّكاح حينئذ لا مانع فيه؛ فلا مانعَ من استدامته؛ فالاستدامة أقوى من الابتداء.
[ ٤٣ ]
لكن يُشترط أن تكون المرأة تباح وقتَ الإسلام؛ فإن عقد على امرأة في عدتها، ثم أسلم قبل فراغ العدة، أو عقد على أختِ زوجةٍ مع وجودها في عصمته؛ لم يُقَرَّ.
ومثله لو كانت الزَّوجة ممن لا يجوز ابتداءُ نكاحها حال الإسلام؛ كذات مَحرَم من نسَبٍ أو رَضاع أو مصاهَرة؛ لم يقر، فإن عمرَ ﵁ كتب: «أنْ فرِّقوا بين كل ذي رحِمٍ من المجوس»؛ رواه البخاري.
فرع: إن وَطِئَ كافر كافرة، فأسلما، أو قدما إلينا وقد اعتقداه نكاحًا؛ أُقِرَّا عليه كنكاح بلا وليٍّ؛ لأنَّا لا نعترض على كيفية النِّكاح بينهم، وإن لم يعتقداه نكاحًا، فُرِّقَ بينهما؛ لأنه سِفاح، ولأنه ليس من أنكحتهم.
أما المَهْرُ إذا أسلم فله أحوال:
الأولى: أن يسمى المهر تسمية صحيحة؛ فليس لها غيره.
الثانية: أن يسمى المهر تسمية فاسدة، وقد قبضَتْه؛ فليس لها غيره.
الثالثة: أن يسمى المهر تسمية فاسدة - كخمرٍ - ولم تقبضه؛ فلها بدله.
مسألة: أثر الإسلام في عقد النِّكاح؛ له أحوال:
الأولى: إن أسلم الزَّوجان معًا، بأن تلفَّظا بالإسلام دفعة واحدة: فعلى نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلافُ دِين.
الثانية: إذا أسلم زوج كتابية - كتابيًّا أو غير كتابي - بقي نكاحُهما؛ لأنَّ للمسلِم ابتداءَ نكاح الكتابية؛ فمِلك استدامته بطريق الأَوْلى؛ إذ الاستدامة أقوى من الابتداء.
الثالثة: إذا أسلمت الزَّوجة الكتابية تحت كافر كتابي أو غيره.
[ ٤٤ ]
الرابعة: إذا أسلم أحد الزَّوجين غير الكتابيين - كالمجوسيَّين يُسلِم أحدهما -:
ففي الحالتين الأخيرتين، متى أسلم الزَّوج الآخر بعد العِدَّة، أو في أثناء العِدَّة: فهما على نكاحهما، سواء قبل الدخول أو بعده، لكن إذا لم يُسلِم حتى انتهت العِدَّة، فالمرأة بالخيار، إن شاءت تزوَّجتْ، وإن شاءت انتظرت زوجها حتى يُسلِم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع، ولم يجدد عقدًا، وبين إسلامهما ما يقرب من ثمان عَشْرة سنة، ولأنَّ من الصحابة ﵃ من يُسلِم أحدهما قبل الآخر، فهما على نكاحهما، وما لم يسلم الزَّوج فهي أجنبية عنه.
مسألةٌ: إذا ارتد أحد الزَّوجين، فهما على نكاحهما حتى يُسلِم المرتد، فإن رجعَ فهما على نكاحهما، وإن لم يرجع فالزَّوجة بعد العِدَّة بالخيار؛ إن شاءت انتظرت زوجها حتى يسلم، وإن شاءت تزوَّجتْ، لكن إذا ارتد الزَّوج؛ تحرُمُ عليه، وتكون أجنبية عنه حتى يرجع إلى الإسلام.
قال شيخ الإسلام: (إذا أسلمتِ الزَّوجة والزَّوجُ كافر، ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول: فالنِّكاح باقٍ، ما لم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حُكْمَ له عليها، ولا حقَّ لها عليه، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده، فهي امرأته إن اختار، وكذا إن ارتد الزَّوجان أو أحدهما ثم أسلما أو أحدهما".
[ ٤٥ ]