في أحكام المبيت والجِماع ولزوم المنزل وغير ذلك
يجب على الزَّوج أن يَبِيتَ عند زوجته بالمعروف؛ وذلك بأن يبيتَ كل ليلة في فراشها، إلا لعُذْرٍ، أو لحاجته أحيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولحديث عبد الله بن عمرٍو ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «وإنَّ لزوجِك عليك حقًّا» متفق عليه، ولأنَّ هذا هو هديُ النبي ﷺ، فيكون بحسَبِ ما يطيِّبُ نفسَها، ويحصُلُ به الأُنس وزوالُ الوحشة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وليس من المعروف أن يهجُرَها في الفراش.
وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاء: ٣٤] مع قوله ﷺ: «ولا يهجُرْ إلا في المَضجَع»؛ رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي-: دليلٌ على وجوب المبيت في المَضجَع، ودليل على أنه لا يهجُرُ المنزل إذا وجد سببه من المرأة وكان هذا أصلح.
مسألة: إن سافَرَ الزوج فوق نصف سنة في غير حجٍّ أو غزوٍ واجبينِ، أو طلبِ رزق يحتاجه، وطلبت قدومَه، وقدَرَ: لَزِمَهُ القدومُ.
وقال شيخ الإسلام: (وحصول الضرَرِ للزوجة بترك الوطءِ مقتضٍ للفسخ بكل حال، سواءٌ كان بقصد من الزَّوج أو بغير قصد، ولو مع قدرتِهِ وعجزه كالنفقة، والقولُ في امرأة الأسير والمحبوس ونحوها ممن تعذَّر انتفاعُ امرأته به إذا طلَبتْ فُرْقته: كالقول في امرأة المفقود بالإجماع؛ كما قاله أبو محمد المقدسي).
[ ٨٠ ]
مسألةٌ: آداب الوطءِ:
أولًا: تسنُّ التسميةُ عند الوطء، وليست مختصةً بالرجل، وقولُ الواردِ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لو أن أحدَكم حين يأتي أهله، قال: بسم الله، اللهمَّ جنِّبْنا الشيطانَ، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتَنا، فوُلِدَ بينهما ولدٌ: لم يضُرُّهُ الشيطانُ أبدًا»؛ متفق عليه.
ثانيًا: يُكرَه النزعُ قبل فراغها، ولأنه خلافُ المعاشَرة بالمعروف، والله ﷻ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ويقول ﷺ في حديث عائشة ﵂: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»؛ رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي وصححه، والنَّسَائي وابن ماجَهْ.
ثالثًا: يحرُمُ الوطءُ بمرأَى أحدٍ أو مَسمَعِه؛ أي: بحيث يراه أحدٌ أو يسمعه، أو التحدُّث بما جرى بينهما؛ لحديث بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، مرفوعًا: «احفَظْ عورتَك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وحسَّنه، والنَّسَائي في الكبرى، وابن ماجَهْ، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إن مِنْ أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة: الرجُلَ يُفضي إلى امرأته، وتُفضي إليه، ثم ينشُرُ سِرَّها»؛ أخرجه مسلِم.
قال الشوكاني: (قيل: وهذا في التحريم إنما هو في نشرِ أمور الاستمتاع، ووصفِ التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإفشاء ما يجري بين المرأة من قولٍ أو فعل حال الوِقاع، وأما مجردُ ذِكر نفس الجماع، فإن لم يكُنْ فيه فائدة، ولا حاجة إليه: فمكروهٌ؛ لأنه خلاف المروءة، ومن التكلم بما لا يَعني، ومِن حُسْنِ إسلام المرء تركُهُ ما لا يَعنِيه، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليقل خيرًا، أو ليصمُتْ»، فإن كان إليه حاجة، أو
[ ٨١ ]
ترتَّب عليه فائدة: فلا كراهةَ في ذلك؛ وذلك نحو أن تُنكِرَ المرأة نكاحَ الزَّوج لها، وتدَّعيَ عليه العجزَ عن الجماع؛ كما رُوِيَ: «أن الرجُلَ الذي ادَّعتِ امرأته عليه العُنَّة، قال: يا رسول الله، إنِّي لأنفُضُها نَفْضَ الأديم»، ولم ينكر عليه).
رابعًا: له الجمعُ بين وطء نسائه بغُسْلٍ واحد؛ لقول أنسٍ: «سكَبتُ لرسول ﷺ مِنْ نسائه غُسْلًا واحدًا في ليلة واحدة»؛ أخرجه البخاري ومسلِم.
مسألةٌ: يستحبُّ للزوج أن يُفرِد كل واحدة من نسائه بدار مستقلة؛ اقتداءً برسول الله ﷺ؛ حيث أفرد كلَّ امرأة من نسائه بحجرة مستقلة؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزَاب: ٥٣].
لكن اختلَف العلماء ﵏ فيما إذا جمع زوجتيهِ وأكثر في دار واحدة، والصحيح: أنه يجوزُ أن يجمع زوجتيهِ فأكثرَ، كل بمنزلٍ، إذا استقل بمنافعِهِ؛ من مطبخ، ومرحاض، ونحو ذلك، ولا يجوز في منزل واحد إلا برضاهنَّ؛ لأنه إذا استقل كلٌّ بمنزله بمنافعه، انتفى الضررُ عن الزَّوجات؛ لبُعْدِ بعضهنَّ عن بعض.
مسألةٌ: له منعُ زوجته من الخروج من منزله؛ إذ مِنْ حق الزَّوج على زوجته ألا تخرجَ من بيته إلا بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يُوسُف: ٢٥]، فسمَّى الزَّوج سيدًا، والمرأةَ مسُودةً، وإذا كان كذلك، فلا بد من إذن السيدِ؛ لقول النبي ﷺ في حديث عمرِو بن الأحوص ﵁: «وهنَّ عوانٍ عندكم»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه، وابن ماجَهْ؛ أي: أسيرات.
واستثنى العلماءُ مسائلَ لها الخروج:
[ ٨٢ ]
منها: الخروج للمسجد للصلاة؛ لورود النهيِ عن منع الزَّوجة من المسجد.
ومنها: الخروج لحجِّ الفرض إذا وجدت مَحرَمًا تخرج معه.
ومنها: إذا احتاجت للخروج لأمرٍ لم يقُمِ الزَّوج به.
وأما زيارة أبويها أو رحمها، أو عيادتهما: فالله ﷻ أمر بالمعاشَرة بالمعروف، وليس من المعروف أن يمنعَها من زيارة أبويها، وصلةِ رحمها.
فرع: تأجيرُ المرأةِ نفسَها له حالتانِ:
الأولى: أن تكون إجارة خاصة؛ وهي ما قُدِّر نفعها بالزمن؛ كأن تُؤْجِرَ نفسها من وقت كذا إلى كذا، فله منعُها؛ لما في ذلك من تفويت حقِّه من الاستمتاع ونحوه، إلا بالشرط لفظًا في العقد، أو عُرْفًا.
الثانية: أن تكون إجارةً مشتركة؛ وهي ما قُدِّر نفعها بالعمل؛ كأن تَقبَل أعمالًا من أناس؛ كخياطة وغيرها؛ فليس له منعُها إلا إن تضرَّر.
وله منعُها من إرضاع ولدها من غيره؛ لأنَّ الرَّضاع يفوِّت عليه الاستمتاعَ بها، إلا لضرورة الولد؛ بأن لم يَقبَلْ ثديَ غيرها؛ فليس له منعُها إذًا؛ لِما فيه من إهلاك نفسٍ معصومة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩].
[ ٨٣ ]