التفويض لغة: مصدر فوَّض، يقال: فوَّضت إلى فلانٍ الأمرَ؛ أي: صيَّرته إليه، وجعلته الحاكم فيه، والتفويضُ لغةً: الإهمال.
واصطلاحًا: ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تفويض البُضْعِ: أن يزوِّج الرجُلُ مَوْليَّته دون ذِكْرٍ للمهر؛ فيصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦].
ولحديث ابن مسعودٍ ﵁ في رجُلٍ تزوَّج امرأة ولم يَفرِضْ لها صداقًا، ولم يدخُلْ بها حتى مات، فقال: «لها صداقُ نسائها، لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّة، ولها الميراث، فقام مَعقِل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسولُ الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت واشقٍ بمثل ما قضيتَ»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه.
القسم الثاني: تفويض المَهْر؛ بأن يتزوَّجَها على ما شاء أحد الزَّوجين، أو يشاء غير الزَّوجين؛ كالأبِ أو الأم.
الأحكام المترتبة على التفويض:
الأول: صحةُ العقد باتفاق الأئمة؛ للآية السابقة.
الحكم الثاني: أنه يجب لها مهرُ المثل؛ لِما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁.
الحكم الثالث: أن لها طلَبَ فرض المَهْرِ؛ لأنَّ النِّكاح لا يخلو من المَهْرِ؛ فجاز لها المطالبة ببيانِ قدره.
[ ٥٤ ]
الحكم الرابع: يَفرِض القاضي مهرَ المثل بقدره، بطلبِها؛ لأنَّ الزيادة عليه ميلٌ على الزَّوج، والنقص منه ميلٌ على الزَّوجة، وإن تراضيَا ولو على قليل، صحَّ؛ لأنَّ الحق لا يَعْدوهما، ويصحُّ إبراؤها للزوج من مهرِ المثل قبل فرضه؛ لأنه حقٌّ لها، فهي مخيَّرة بين إبقائه وإسقاطه، وسواءٌ في ذلك مفوِّضة البُضْعِ ومفوِّضة المَهْرِ.
فرعٌ: إن عفَتِ المرأةُ عن صداقها الذي لها على زوجها، أو عن بعضه، أو وهَبتْهُ إياه بعد قبضه، أو قبل قبضه، وهي جائزة التصرُّف في مالها: جازَ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤].
الحكم الخامس: مَنْ مات من الزَّوجين قبل الجماع والخَلْوة والفرض لمَهْر المِثل، وَرِثَهُ الآخَر؛ لأنَّ تركَ تسمية الصداق لا يَقدَحُ في صحة النِّكاح.
الحكم السادس: إذا مات أحدُ الزَّوجين قبل الدخول والفرض، فلها مهرُ المثل؛ لحديث مَعقِل بن سنان ﵁: «أن رسولَ الله ﷺ قضى في بَرْوَعَ بنتِ واشق، وكان زوجُها مات ولم يدخُلْ بها، ولم يَفرِضْ لها صداقًا، فجعل لها مهرَ نسائها، لا وَكْسَ، ولا شطَطَ»؛ رواه أبو داود والتِّرمِذي وغيرهما، وصحَّحه التِّرمِذي.
ومَهْرُ المِثل: مهرُ مَنْ تساويها من نساءِ عصَبتها؛ كأختها، وعمَّتِها، وبنت أخيها وعمِّها، بمن هي مثلُ جمالها، ومالها، وشرَفها، وسنها، إما بالتراضي عليه أو بحكم القاضي.
مسألةٌ: هدية الزَّوج: إن كانت الفُرْقةُ أو الفَسْخ بسببٍ من الزَّوج، فالهديةُ للزوجة، ولا يجوز الرجوعُ فيها؛ إذ العائدُ في هبته كالكلبِ يقيء ثم يعود في قيئه.
[ ٥٥ ]
وإن كان بسببٍ من المرأة لا من الزَّوج، فيجوز له الرجوعُ؛ لأنه إنما وهَبَها لكونها زوجةً، وما بُنِيَ على سببٍ، زال بانتفائه.
مسألةٌ: متعةُ المطلَّقة: اسمٌ للمال الذي يدفعه الرجُلُ لامرأته عند مفارَقته لها بطلاقٍ ونحوه، فإذا طُلِّقتِ المرأةُ قبل الدخول بها، وقبل أن يفرضَ لها مهر: فالمتعةُ لها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ *﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]؛ فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]: أمرٌ، والأمرُ يقتضي الوجوب، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ [البَقَرَة: ٢٤١]: مِنْ آكَدِ ألفاظ الإيجاب، وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٤]: فجعَلَ المتعةَ شرطًا في الإحسان.
وفي غير الحالة السابقة فالمتعة مستحبة على الزوج.
والمتعة معتبَرة بحال الزَّوج؛ يسارًا وإعسارًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، ولوروده عن ابن عبَّاسٍ ﵄.
وهي غير مقدَّرة، وإنما يُرجَع في تقديرها إلى العُرْفِ؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، فإن حصل خلافٌ، رجع إلى القاضي.
مسألةٌ: المَهْر يستقرُّ في مواضع؛ أي: يجب كلُّه للمرأة:
الأول: موتُ أحد الزَّوجين باتفاق الفقهاء؛ لحديث ابن مسعود ﵁ السابق.
الثاني: الوطءُ؛ وهذا باتفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
[ ٥٦ ]
لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، ولحديث
[ ٥٧ ]
عائشةَ ﵂: «ولها المَهْرُ بما استحلَّ مِنْ فَرْجِها»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر في الفتح: (صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم).
الثالث: الخَلْوة؛ وهذا هو المذهب، ومذهب الحنفية؛ أن الخَلْوة تقرِّر الصداقَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النِّسَاء: ٢١]، قال الفرَّاء: الإفضاء الخَلْوة، ولما ورد عن عمرَ وعليٍّ ﵄: «إذا أُجِيفَ الباب، وأُرخِيت الستورُ: فقد وجب المَهْر»؛ رواه ابن أبي شَيْبة والبَيْهَقي بإسناد صحيح.
وعند الشافعية في الجديد: أن الخَلْوة لا تقرِّرُ الصداقَ؛ لظاهر الآية السابقة.
فرع: ضابط الخلوة التي يستقر بها المهر:
عند الحنفية: هي الخَلْوة التي لا يكون معها مانعٌ من الوطء؛ لا حقيقي، ولا شرعي، ولا طبعي.
وعند الحنابلة: أن ينفرد بها عن مميِّزٍ وبالغ مطلقًا.
الرابع: الاستمتاع بما دون الفَرْجِ، إذا أخذها فمسَّها وقبض عليها من غير أن يخلوَ بها، فلها الصداقُ كاملًا؛ إذ نال منها شيئًا لا يَحِلُّ لغيره؛ كما قال الإمام أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٤٩]؛ وهذا مَسِيسٌ، ولما تقدم قريبًا عن عمر وعلي ﵄.
مسألةٌ: باتفاق الفقهاء - في الجملة - أن مَنْ فارَقَ زوجته قبل الدخول بها، أو قبل ما يستقرُّ المَهْر مما تقدَّم، وقد سمَّى لها مهرًا: فيجب عليه نصفُ المَهْر المسمى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧].
فالقاعدة: أن المَهْرَ المسمى يتنصَّفُ بكل فُرْقة من قِبَل الزَّوج، قبل الدخول، أو ما يقرِّر الصداق؛ كإسلامه، وطلاقه، والفسخ لعيبه، ونحو ذلك.
ويسقط بكل فُرْقة من قِبَلها؛ باتفاق الأئمة الأربعة في الجملة؛ مثل: الفسخ لعيبها، وإسلامها، ونحو ذلك.
فرعٌ: إن طلق الزَّوجةَ بعد الدخول، فلا متعة لها، بل لها المَهْر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦].
فأوجب اللهُ المتعةَ بشرطينِ: أن يكون الطلاقُ قبل الفرض، وقبل المَسِيس، ولم يوجد الشرطانِ.
ونوقش: بأن ذِكْرَ بعض أفراد العام بحُكْمٍ يوافق العامَّ لا يقتضي التخصيصَ.
وعن الإمام أحمد - وهو الجديد من قولَيِ الشافعي، واختاره شيخ الإسلام -: وجوبُ المتعة لكل مطلَّقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾ [البَقَرَة: ٢٤١]؛ فالآية عامة لكل مطلَّقة، ولأنَّ المتعة إنما جُعِلتْ لِما لحقها من الابتذال والإيحاش بالطلاق، والمَهْرُ في مقابلة منفعة الوطء، وقد استوفاها.
فرعٌ: يجوز الدخولُ على المرأة قبل إعطائها شيئًا من المهر.
مسألةٌ: وإن افترَقا بعد الدخول في النِّكاح الفاسد أو الباطل، وجب المسمى لها في العقد؛ قياسًا على الصحيح.
[ ٥٨ ]
مسألةٌ: إذا زنتِ المرأةُ، قال أبو حنيفةَ - واختاره شيخ الإسلام -: لا شيءَ لها من العوض، سواء كان الزنا بإكراه أو رضًا؛ لحديث رافع بن خَدِيج ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «كسبُ الحَجَّام خبيث، ومَهْرُ البغيِّ خبيث، وثمَنُ الكلب خبيث»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي، وقال الترمذي: (حسن صحيح).
لكن الأظهر أنه يؤخذ المهر من الزاني ويتصدق به؛ لئلا يجمع له بين العوض والمعوض، ويستثنى من ذلك أرش البكارة فيكون للمرأة إذا أكرهت على الزنا؛ لما فيه من الإتلاف.
مسألةٌ: للمرأة قبل الدخول منعُ نفسها حتى تَقبِضَ صداقها الحالَّ؛ لأنَّه إذا تعذَّر استيفاءُ المَهْر عليها، لم يُمكِنْها استرجاعُ عِوضها، ولها النفقة زمَنَ منعِ نفسها.
فإن كان الصداقُ مؤجَّلًا، ولم يَحِلَّ: لم تَملِكْ منعَ نفسها؛ لأنها لا تَملِك الطلب به.
ولو أبى الزَّوجُ تسليمَ الصداق حتى تسلِّم نفسها، وأبت تسليم نفسها حتى يسلِّم الصداقَ: أُجبِرَ زوجٌ، ثم زوجتُه.
فرعٌ: إن أعسر الزَّوجُ بالمهر الحالِّ:
عند الحنفية: أنه لا فسخَ لها مطلقًا، بل هي كسائر الغرماء؛ لأنَّ المَهْر دَيْنٌ يثبُتُ في ذمة الزَّوج، ومن المتفَق عليه: أن النِّكاح لا يُفسَخ بالإعسار بدَيْنٍ غيرِ الصداق، فكذا الإعسار بالصداق، ولأنَّ الأصل في الفُرْقة ألا تكون إلا بيد الزَّوج، فلا تكون لغيره إلا بدليل.
[ ٥٩ ]