القَسْمُ لغة بفتح القاف: تفرقة الشيء وتجزئته، وبالكسر: النصيب والحظ.
واصطلاحًا: توزيعُ الزمان على زوجاته إن كنَّ ثِنْتينِ فأكثرَ.
يجب على الزَّوج أن يَقسِمَ لزوجاته أو زوجته؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩].
ولقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، قال ابن حزمٍ: (فلم يُبِحِ اللهُ ﷻ هجرانها في المضجع إلا إذا خاف نشوزها).
ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: «أُخبِرَ رسولُ الله ﷺ أنِّي أقول: لأقومَنَّ الليلَ، ولأصومَنَّ النهار ما عشتُ ..»، وفيه قوله ﷺ: «فإن لزوجِكَ عليك حقًّا، ولعينَيْكَ عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا»؛ متفق عليه.
فإن النبي ﷺ أوجب للزوجة القسم لمَّا ذكَرَ عبدُ الله أنه يقوم الليل، ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقسِمُ بين نسائه.
مسألة: يجب على الزَّوجِ أن يَعدِلَ بين زوجاته في القَسْمِ باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣].
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»؛ متفق عليه، والزَّوجاتُ رعيةُ الرجل، ومن الواجب: العدلُ بين الرعية.
[ ٨٤ ]
ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كان له امرأتانِ، فمالَ إلى إحداهما: جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل»؛ رواه أحمد وأبو داود والنَّسَائي والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، لكن لم يثبت مرفوعًا.
مسألةٌ: يجب القَسْمُ على كل زوج مميِّز مطلقًا، فيدخل في ذلك: الحر والعبد، وغير القادر على الوطء؛ كالخصيِّ ونحوه، والمجنون الذي يؤمن ضررُه، والمراهِق، والمميِّز؛ لعموم أدلة القَسْم، ولأنَّ القسم للصُّحبة والمؤانَسة.
وأقل القَسْمِ ليلة، ولا يَقسِم بعضَ الليلة، ولا ليلة وبعض الأخرى؛ لأنه خلافُ هديِ النبي ﷺ؛ فإن النبيَّ ﷺ كان يَقسِم ليلةً ليلة، ولأنَّ الزيادة على الليلة تطويلٌ عليهنَّ إذا كنَّ أكثر من واحدة.
فرع: لا تفضيلَ بسبب اختلاف الدِّين باتفاق الأئمة، فيَقسِم للكتابية كما يَقسِم للمسلِمة؛ للعمومات.
مسألةٌ: مَنْ معاشُهُ النهار، فعِماد القسم له الليل باتفاق الأئمة؛ لأنَّ التسوية الواجبة في القسم تكون في البيتوتة، ولأنَّ الليل للسَّكَن والإيواء، والنهار وقت العمل والكسب؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا *وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا *﴾ [النّبَإِ: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القَصَص: ٧٣]، والنهار يدخل في القسم تبَعًا لليل، ولما ورد عن عائشةَ ﵂، قالت: «توفِّيَ رسولُ الله ﷺ في بيتي، وفي يومي»؛ رواه البخاري.
ومَن معيشتُهُ في الليل كحارسٍ يَقسِمُ بين نسائه بالنهار، ويكون النهار في حقِّهِ كالليل في حق غيره.
[ ٨٥ ]
وله أن يأتِيَهُنَّ أو أن يدعوَهنَّ إلى محَلِّه.
مسألةٌ: يَقسِمُ لكل زوجة تُطِيقُ الوطءَ، وإن امتنع وطؤُها شرعًا أو حسًّا أو طبعًا؛ فدخل في ذلك الحرائر والإماء، والحائض والنفساء، والمُحرِمة، والمريضة، والمَعِيبة، والكتابية، والمجنونة المأمونة، والمُولَى والمُظاهَر منها؛ لعموم أدلة وجوبِ العدل، ولأنَّ الغرضَ من القَسْم الصحبةُ والمؤانَسة، والسكَن والإيواء، والتحرُّز عن التخصيص الموحِش، وحاجتُهنَّ جميعًا داعيةٌ إلى ذلك.
مسألةٌ: لا يجوز للزوج السفرُ ببعض زوجاته واحدةً أو أكثرَ، إلا برضا سائرِهنَّ، أو بالقُرْعة، وإن سافر بإحداهنَّ بغير قُرْعة، أَثِمَ، وقضى للمتخلفات، سواءٌ كان السفر طويلًا أو قصيرًا؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا أراد سفَرًا، أقرعَ بين نسائه، وأيَّتُهنَّ خرج سهمُها، خرج بها»؛ متفق عليه.
ولحديث عائشة ﵂: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا خرَجَ، أقرَعَ بين نسائه، فطارت القرعةُ لعائشة وحفصة»؛ متفق عليه.
فرعٌ: إذا خرجت القرعةُ على إحداهنَّ، لم يجب عليه السفرُ بها، وله تركُها والسفرُ وحده؛ لأن القرعةَ لا توجب، وإنما تعيِّنُ مَنْ تستحق التقديم.
فإذا أراد السفر بغيرها، لم يجُزْ؛ لأنَّها تعيَّنتْ بالقرعة، فلم يجُزِ العدولُ عنها إلى غيرها، وإن وهبت حقَّها لغيرها جازَ، إذا رضيَ الزَّوج؛ لأنَّ الحق لها، فصحَّتْ هِبتُها لها، كما لو وهبتْ ليلتها في الحضر، ولا يجوز بغير رضاه، كما لو وهبتْ ليلتها في الحضر، وإن وهبته للزوجِ أو للجميع، جاز.
وإن امتنعت مِنْ السفر معه، سقَط حقُّها إذا رضيَ الزَّوج، وإن أبى فله
[ ٨٦ ]
إكراهُها على السفر معه؛ لأنه حقٌّ له، فأُجبِرتْ عليه كسائر حقوقه، وإن رضيَ الزَّوج بامتناع من خرجت لها القرعةُ في السفر، استأنف القرعةَ بين البواقي.
فرع: تَكرار السفر: إذا أراد الزَّوج سفَرًا، فتقدم أنه يُقرِعُ بين نسائه، فيبدأ بمن خرجت قرعتُها.
وقد نصَّ الشافعية: على أنه إذا مضَتْ نوبةُ مَنْ خرجت قرعتها، أقرع بين الباقيات؛ أي: في السفر الثاني، ثم بين الأخيرتينِ.
فإذا تمَّتِ النوبةُ، راعى الترتيبَ، ولا حاجة إلى إعادة القرعة؛ ففي الدور الثاني يبدأ بمن خرجت قرعتُها أولًا، ثم من خرجت قرعتُها ثانيًا، وهكذا.
أما إذا خرج بإحداهنَّ بلا قرعة، فأراد سفرًا ثانيًا، فإنَّه يُقرِع بين الباقيات، فإذا تم الدورُ الأول، ابتدأ الدورَ الثاني بالقرعة بينهنَّ، فإذا تم الدور الثاني، راعى الترتيبَ في الدور الثالث؛ كما تقدم، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
مسألةٌ: الخروج في أثناء مدة القَسْم في نوبة إحدى الزَّوجات تحته أقسام:
القِسم الأول: أن يكون مما جرت به العادةُ؛ كالعمل بالتجارة - ونحو ذلك - إلى بعدِ غروب الشمس بزمن، ونحو ذلك: فلا بأسَ به؛ لجرَيان العُرْفِ بذلك من عهده ﷺ.
القسم الثاني: أن يكون الخروج مما لم تجرِ به العادة؛ كما لو خرج في أثناء الليل مما لم تجرِ العادةُ بالخروج في أثنائه، فإن لم يَلبَثْ وعاد لم يقضِ لمن خرج من عندها هذا الوقت؛ للمسامَحة به، ولأنه لا فائدةَ في قضائه؛ لقِصَره.
[ ٨٧ ]
وإن طال زمنُ خروجه، فاختلف العلماء ﵏ في وجوب القضاء عليه، والأقرب أنه يقال: خروجُ الزَّوج ما لم تجرِ به العادة مع طولِه لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يكون خروجُهُ لغير عذر، وإنما لتفويت حق صاحبةِ النوبة؛ فيجب عليه القضاء؛ ليحصُلَ التعديل، واستدراك الظلم.
ويحتمل أنه لا قضاءَ، وإنما يأثَمُ الزَّوج؛ لِما ذكره المالكية: من أننا إذا قلنا بالقضاء، نَظلِم صاحبة الليلة المستقبلة لسببٍ لا من جهتها.
الحال الثانية: أن يكون لعذرٍ؛ فلا يجب عليه القضاء، طال خروجه أو قصُر؛ لأنه ظاهر فعلِ النبي ﷺ، لكن إن خرج قبل نصف الليل ولم يرجع حتى استهلك نوبتَها من الليل والنهار، قضى، وإن رجعَ قبل ذلك، فلا قضاءَ؛ لأن الأكثرَ له حكمُ الكل.
الحال الثالثة: أن يكون خروجه نهارًا؛ فلا قضاءَ مطلقًا، طال أم قصُر؛ لأنَّ النهار ليس أصلًا في القَسْم، وإنما عِماد القسم الليلُ؛ لأنَّ العادة جرت في الانتشار في النهار أكثرَ من الليل.
القسم الثالث: الخروج للسفَر:
إذا سافر الزَّوج في نوبةِ إحدى الزَّوجات، فلا يخلو أمرُهُ من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سفرُهُ في أول النوبة؛ كما لو سافر في أول الليل مَنْ عِمادُ قسمِهِ الليلُ: فهذه يوفي نوبتها إذا قدم؛ لأنها لم تستوفِ حقها.
الثانية: أن يكون سفرُهُ آخرَ النوبة؛ كما لو سافر آخرَ الليل مَنْ عِمادُ قسمِهِ الليلُ: فلا شيء لها؛ لاستكمال حقِّها من القسم، والنهار تابع لليل، فيُتسامَح
[ ٨٨ ]
فيه، ولأنَّ العادة جرت في الانتشار فيه أكثرَ من الليل.
الثالثة: أن يكون سفَرُهُ وسَطَ النوبة؛ كما لو سافر في منتصف الليل مَنْ عِمادُ قَسمِهِ الليلُ: فالأقرب أن يقال كما تقدم في المسألة السابقة؛ إن خرَجَ قبل منتصف الليل قضى لها، وإلا لم يقضِ، وعلى هذا، فإذا قَدِمَ من سفره، فإن قلنا: يقضي للتي سافَرَ في نوبتها، بدأ بها، وإلا بدأ بجارتها.
مسألةٌ: سفَرُ المرأة:
١ - إن سافرت بلا إذنه، فلا قَسْمَ لها؛ لأنَّ سفرها بغير إذن الزَّوج نوعٌ من النشوز.
٢ - أن يكون بإذنه في حاجتها أو حاجته، أو حاجة غيره: فلا قَسْمَ لها أيضًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يقضي القَسم؛ لأنَّ القسم فات، وقد امتنع بسببٍ من جهتها فقط.
مسألةٌ: الدخول على غيرِ صاحبة النوبة: لا يجوز الدخولُ على غير ذات النوبة ليلًا أو نهارًا إلا لضرورة، أو لقصدِ العدل؛ بأن يدخُلَ على غير صاحبة النوبة إذا دخل على ضَرَّتها في ليلتها أو يومها، فإذا دخل على هذه في غير نوبتها، دخل على الأخرى في غير نوبتها؛ للعدل؛ لحديث عائشة ﵂: «وكان إذا انصرَفَ من صلاة العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهنَّ»؛ متفق عليه.
ولِما رواه أنس ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنَّ إحدى عَشْرة، قال: قلتُ لأنس بن مالك: أوَكان يُطِيقه؟ قال: كنا نتحدَّثُ أنه أعطي قوةَ ثلاثين»؛ رواه البخاري.
فالظاهر: أنه إذا دخل على غيرِ صاحبة النوبة لا يجب عليه القضاء، وإنما
[ ٨٩ ]
يكافئ الأخرى بدخوله عليها، وعلى هذا يُحمَل فعلُهُ ﷺ.
مسألةٌ: إذا دخل الزَّوجُ على غير صاحبة النوبة، واستمتع بما دون الفَرْجِ: جاز له عند جمهور أهل العلم، ولا يلزمه قضاءُ الاستمتاع؛ لحديث عائشةَ ﵂ وفيه: «ويدنو من إحداهنَّ»؛ متفق عليه.
مسألةٌ: سقوط القَسم: باتفاق الأئمة أن الزَّوجةَ الحرة لها أن تُسقِط قَسْمَها بلا عِوض؛ لِما روت عائشة ﵂: «أن سَوْدةَ بنت زمعة ﵂ وهَبتْ يومها لعائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ يَقسِم لعائشة يومها ويومَ سَوْدة».
وإذا أسقطت الواهبةُ حقَّها من القسم، فلا يخلو من أمور:
١ - أن تُسقِطه لزوجة معيَّنة: فيصحُّ؛ لِما تقدم من فِعل سَوْدة ﵂؛ بشرط رضا الزَّوج والواهبة، وسواءٌ كان بعِوض أو بغير عوض.
٢ - أن تُسقِطه لجميع الزَّوجات: فالقسم لجميع الزَّوجات؛ كما لو طلَّق الواهبة.
٣ - أن تُسقِطه للزوج فقط: فالزَّوج ليس له أن يخصَّ بهذه الليلة زوجة دون أخرى، بل تكون كالمعدومة؛ لعمومِ أدلة وجوب العدل بين الزَّوجات.
مسألةٌ: رجوع الواهبة في قَسمها لا يخلو من مسائل:
الأولى: أن يكون إسقاطُها بلا عوض: فيجوز رجوعها، ولها حقُّها في المستقبل دون الماضي باتفاق الأئمة؛ لأنَّها هبة تتجدد شيئًا فشيئًا، فما لم يتجدَّدْ لم يستوفَ؛ فجاز الرجوع فيه، فإن رجَعتِ الواهبةُ في بعض الليلة الموهوبة، كان على الزَّوج أن ينتقل إليها، فإن لم يَعلَمْ حتى أتم الليلَ، لم يقضِ لها شيئًا.
[ ٩٠ ]
الثانية: أن يكون بعِوض ماليٍّ: يصحُّ إسقاط القسم بعِوض، ولا تَملِك الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]، وهذا يشمل الصلحَ بإسقاط القسم بعِوض، ولا يجوز لها الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]، ومقتضى الإيفاء بالعقد: عدمُ رجوع الزَّوجة في قَسمها إذا كان تنازُلُها بعِوض.
الثالثة: أن يكون العِوض غير مالي: يجوز للزوجة أن تُسقِط حقها من القسم، كله أو بعضه، مقابل عِوض غير مالي؛ كأن تُسقِطه لأجل أن يمسكها فلا يطلِّقها، ونحو ذلك؛ لِما روت عائشة ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]: أُنزِلتْ في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتُها، فيريد طلاقها، فتقول: لا تطلِّقْني، وأمسِكْني، وأنت في حِلٍّ من النفقة عليَّ، والقسمِ لي؛ فذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: ١٢٨]؛ متفق عليه، ولما تقدم من إسقاط سَوْدة لعائشة ﵂، ولا تملك الرجوع؛ لما تقدم.
مسألةٌ: العدل في الاستمتاع: لا يجب على الزَّوج أن يَعدِلَ بين نسائه في الوطءِ باتفاق الأئمة، ودواعيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٢٩]؛ أي: في الحبِّ والجماع.
ولما روى عمرُو بن العاص ﵁، قال: «قلتُ: يا رسول الله، أيُّ النساء أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: يا رسول الله، مِنْ الرجال؟ قال: أبوها»؛ رواه البخاري.
[ ٩١ ]
لكن نصَّ العلماء: أنه لا يجوز أن يَجمَع نفسه لإحدى الزَّوجات؛ كأن يرغب في الجِماع، ثم يؤخِّره للأخرى.
مسألةٌ: العدل في الهبة بين الزَّوجات: يجب التعديل بين الزَّوجات في الهبة؛ لأنَّ هذا من العِشرة بالمعروف، والله ﷻ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، وكالأولاد.
مسألةٌ: إن تزوَّجَ بِكْرًا ومعه غيرها أقام عندها سَبْعًا، ثم دار على نسائه، وإن تزوَّج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثًا، ثم دار؛ لحديث أبي قِلابة، عن أنس: (مِنْ السُّنة إذا تزوَّج البِكْرَ على الثيب أقام عندها سبعًا وقسَم، وإذا تزوج الثيِّب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم، قال أبو قِلابة: لو شئتُ لقلتُ: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ»؛ رواه البخاري ومسلِم.
والحكمةُ في التفريق بين البِكر والثيِّب: أن الحياء في البِكر أكثرُ؛ لعدم تجرِبتها للرجال، بخلاف الثيِّب؛ فقد جرَّبت الرجال، وزالت الحشمة بينهما، والثلاث مدة معتبَرة في الشرع، والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر، وحينئذ يقطع الدور.
وإن أقام عند الثيِّب سبعًا باختيارها، قضى للباقي سبعًا، وإن كان بغير اختيارها، قضى للباقي أربعًا؛ لحديث أم سلَمة ﵂: أن النبيَّ ﷺ لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: «إنَّه ليس بكِ على أهلِك هوانٌ، فإن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنسائي»؛ رواه مسلِم.
وتجب الموالاة في السبع والثلاث.
[ ٩٢ ]