النشوز في اللغة: مِنْ النَّشْزِ؛ وهو: المكان المرتفع من الأرض، وجمعه: نشوز، ونشَزتِ المرأة: استعصت على بعلها وأبغَضته؛ فأصل النشوز: الارتفاع والامتناع.
وفي الاصطلاح: معصيةُ المرأة لزوجها فيما فرَض اللهُ عليها من طاعته.
وحكمُ النشوز: محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٣٤]؛ فالله جعل الهَجْر والضرب عقوبةً للناشز، ولا تكون هذه العقوبة إلا بفعلِ محرَّم، أو تركِ واجب.
مسألة: مراحلُ علاج نشوز المرأة:
إذا ظهر منها أماراتُهُ؛ أي: علامات النشوز؛ بألا تجيبَهُ إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرِّمة، متثاقلة، أو متكرِّهة فعلاجها بالآتي:
المرحلة الأولى: الوعظُ باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]؛ أي: خوَّفَها من الله تعالى، وذَكر ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة؛ كقوله ﷺ في حديث أبي هُرَيرة ﵁: «إذا باتت المرأةُ هاجرةً فراشَ زوجها، لعَنتْها الملائكةُ حتى تُصبِح»؛ متفق عليه، وغير ذلك من الأحاديث الآمرةِ بطاعة الزَّوج، والقيام بحقه.
وذكَّرَها ما يسقُطُ من حقها من النفقة والكسوة، وما يباح له مِنْ هَجْرِها وضربها.
[ ٩٣ ]
فإذا رجعت إلى الطاعةِ والأدب: حرُمَ الهَجْر والضرب؛ لزوال مُبِيحه.
المرحلة الثانية: فإن أصرَّتْ على النشوز بعد وعظِها، هجَرها في المضجع، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، والهجر نوعان:
الأول: هجرٌ في المضجع، واختلف العلماء في كيفيتِهِ على أقوال، فقيل: لا يجامعُها، ولا يضاجعُها على فراشه، وقيل: لا يكلِّمها حال مضاجعته إياها، لا أن يترك جماعَها ومضاجعتها؛ لأنَّ ذلك مشترَكٌ بينهما، فيكون عليه من الضرر ما عليها، فلا يؤدِّبها بما يضرُّ نفسه، ويُبطِل حقه، وقيل: يفارقها بالمضجع، ويضاجع أخرى، إن كانت له أخرى، في قَسمها؛ لسقوط حقِّها بالنشوز.
وللزوج أن يهجُرَ ما شاء - لإطلاق الآيةِ - إلى أن ترجع.
الثاني: الهجرُ بالكلام: وقد اتفق الأئمة على جواز هجرِ الزَّوج لزوجته الناشزة؛ بترك الكلام، ومدة هجر الاصلاح لا تتقيَّد بمدة، بل بقدرِ الاصلاح؛ لفعله ﷺ عندما هجر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا أكثرَ من ثلاثة أيام.
المرحلة الثالثة: إن أصرَّتْ بعد الهجر المذكور، ضرَبها؛ وهذا باتفاق الأئمة؛ للآية: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، لكن عند الشافعية: الأفضل تركُ الضرب مع جوازه؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: «ما ضربَ رسولُ الله ﷺ امرأةً، ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن تُنتهَكَ محارمُ الله؛ فينتقِمَ لله»؛ رواه مسلِم.
واشترط العلماء للضرب شروطًا:
الأول: أن يضربها ضربًا غير مبرِّح، والمبرِّح: ما تحصُلُ معه المشقة
[ ٩٤ ]
والحرج، وغير المبرِّح؛ كنحو: لكزة بالسواك، أو ما يكون باليد؛ كالصفع على الظَّهْر.
وقال الإمام أحمد: غير مبرِّح: أي غير شديد.
وعلى هذا، فيقال: يضربها ضربًا يؤلم، لكن لا يضرُّ، ولا يَجرَح، ولا يشق؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن زمعة ﵁: «لا يَجلِدْ أحدُكم امرأته جَلْدَ العبد، ثم يضاجعها في آخرِ اليوم»؛ أخرجه البخاري ومسلِم.
الثاني: ألا يزيدَ على عشَرة أسواط؛ لقوله ﷺ في حديث أبي بردة ﵁: «لا يجلد أحدُكم فوق عشَرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله»؛ متفق عليه.
الثالث: ألا يضربَ الوجه والمهالك؛ لأنَّ الغرض من الضرب التأديبُ، لا الإتلاف والتشويه، ولا يجوز ضربُ الوجه؛ لنهيِ النبي ﷺ عن ذلك.
الرابع: أن يَقصِدَ التأديبَ، واتباع أمر الله ﷻ وأمرِ رسوله ﷺ، لا الانتقام.
مسألة: وله تأديب زوجته على ترك الفرائض، سأل إسماعيلُ بن سعيد أحمدَ عما تُضرَب المرأة عليه، قال: على فرائضِ الله، وقال علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التّحْريم: ٦]، قال: «علِّموهم وأدِّبوهم»؛ رواه ابن جَرير في تفسيره.
فإن لم تصلِّ، فقد قال أحمد: أخشى ألا يَحِلَّ للرجُلِ أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن.
وقال أحمدُ في الرجل يضرب امرأته: لا ينبغي لأحدٍ أن يسأله، ولا أبوها: لمَ ضربتَها؟ لأنَّه قد يَضرِبُها لأجل الفراش، فإن أُخبِر بذلك استحى، وإن أَخبَر بغيره كذَب.
[ ٩٥ ]
المرحلة الرابعة: بعثُ الحكَمينِ؛ وهما حكَمان؛ أي: قاضيانِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥]؛ فإطلاق اسم الحكَمين: يدل على أن لهما الحُكْمَ على الزَّوجين، ولو كَرِهَا ذلك، كالحاكم، ولوروده عن عليٍّ ﵁؛ رواه عبد الرزاق.
وعلى القول بأنهما حكمانِ: إن رأيا الأصلح الطلاقَ بعِوض أو بغير عِوض، جاز، فيعملانِ ما هو الأصلح.
ويُشترط للحكَمينِ شروط:
الأول والثاني والثالث: الإسلام، والعقل، والبلوغ؛ وهذا باتفاق الأئمة.
الرابع: الذُّكورة، عند أكثر العلماء؛ لحديث أبي بكرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «ما أفلَحَ قومٌ ولَّوْا أمرهم امرأةً»؛ رواه البخاري، ولنقصِ عِلمها في الجملة عن الرجل.
وعند الحنفية: يجوز كونُ الحكَمينِ أُنثيينِ؛ لإطلاقٍ الآية.
الخامس: الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
السادس: علمُ الحكَمينِ بالجمع والتفريق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦]، والعلم: هو القوة.
السابع: كون الحكَمينِ من أهل الزَّوجين؛ للآية، ولأنَّ الأهل أعلمُ بحال الزَّوجينِ، وأشفقُ عليهما من الأجانب.
[ ٩٦ ]