اشترط الشارع للنكاح شروطًا تَقطَعُ عنه السِّفاحَ؛ كالوليِّ، وغيره، وشرع إظهارَه وإعلانه؛ لأنَّ في الإخلال بها ذريعةً إلى الوقوع في السِّفاح بصورة النِّكاح، وزوال بعض مقاصده، وأثبت له أحكامًا زائدةً على مجرد الاستمتاع، وجعله وُصْلةً بين الناس بمنزلة الرحم؛ فقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفُرقان: ٥٤]. الشرطُ الأول: تعيينُ الزَّوجينِ؛ لأنَّ المقصود من النِّكاح التعيينُ؛ فلا يصحُّ بدونه، ولقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، ولقوله ﷺ في حديث سهلِ بن سعد ﵁: «زوَّجتُكها بما معك من القرآن»؛ متفق عليه.
فلا يصحُّ أن يقولَ: زوَّجتُك بنتي، ولديه غيرها، حتى يميِّزَها؛ إما بالاسم: كفاطمة، أو بالصفة التي لا يشاركُها فيها غيرها: كالصالحة، أو الإشارة: كهذه.
الشرط الثاني: رِضاهما؛ فلا يصحُّ إكراهُ أحدهما بغير حق.
ويستثنى من هذا: الزَّوج المجنون، والمجنونة، والمعتوه، والصغير؛ فيزوَّجُ هؤلاء مع الحاجة إلى تزويجهم دون اعتبار لإذنِهم للحاجة والمصلحة.
لِما روت خنساءُ بنت خِذامٍ الأنصاريةُ ﵂: «أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّبٌ، فكَرِهتْ ذلك، فأتت الرسولَ ﷺ، فردَّ نكاحها»؛ رواه البخاري.
[ ٢٢ ]
ولحديث عبد الله بن بُرَيدة ﵁: «أن فتاةً جاءت النبيَّ ﷺ، فذكَرت أن أباها زوَّجها من ابن أخيه؛ ليَرفَع به خسيستَهُ، فجعل الأمرَ إليها»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي، وابن ماجَهْ، والدارَقُطْني والبَيْهَقي.
مسألةٌ: تزويج الأب لابنته البِكْرِ الصغيرة لا يخلو من أمرينِ:
الأول: أن يكون لها أقلُّ من تسعِ سنين، قال ابن المنذِر: (أجمع كلُّ مَنْ أحفظ عنه من أهل العلم أن نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكْرَ الصغيرة جائزٌ، إذا زوَّجها من كفءٍ)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّلاِئي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطّلَاق: ٤]، فجعل للائي لم يَحِضْنَ عِدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العِدة إلا عن مفارَقة من نكاح، وقالت عائشةُ ﵂: «تزوَّجني النبي ﷺ وأنا ابنة ستٍّ، وبنى بي وأنا ابنة تسعٍ»؛ متفق عليه.
وروى الأثرمُ: (أن قُدَامة بن مظعون تزوَّج ابنةَ الزُّبَير حين نُفِستْ، فقيل له، فقال: ابنةُ الزُّبَير إن متُّ وَرِثَتْني، وإن عِشتُ كانت امرأتي).
وزوَّج عليٌّ ابنتَه أم كلثوم وهي صغيرة عمرَ بن الخطاب ﵁.
وحكى ابنُ حزم عن ابن شُبْرُمةَ: أن الأب لا يزوِّجُ ابنته الصغيرة حتى تبلُغَ وتأذَنَ، وزعم أن تزوُّجَ عائشةَ وهي بنت ستِّ سنين كان مِنْ خصائصه.
والذي يظهرُ: صحةُ العقد عليها، مع بقاء الخيار لها، إذا عرَفتْ مصالح النِّكاح.
الثاني: أن يكون للصغيرة تسعُ سنوات فأكثر؛ فقول جمهور أهل العلم أن حُكْمَها حكمُ من لم تبلُغْ تسعَ سنين على ما تقدم؛ لأنَّها غير بالغة، ولأنَّ إذنَها لا يعتبر في سائر التصرُّفات.
وعن الإمام أحمد: لا يجوز تزويجُ ابنة تسعِ سنين بغير إذنها.
[ ٢٣ ]
واختار شيخ الإسلام: عدمَ إجبار بنت تسعِ سنين، بِكْرًا كانت أو ثيِّبًا؛ لاشتراط الرضا؛ وهو الأقربُ.
فرعٌ: ولا يزوِّجُ باقي الأولياء -كالجَدِّ والأخ والعم- صغيرةً لم تبلغ؛ لِما ورد: أن قُدَامة بن مظعون زوَّج ابنة أخيه من عبد الله بن عمرَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: «إنَّها يتيمةٌ، ولا تُنكَح إلا بإذنها»؛ رواه الإمام أحمد، والدارَقُطْني، والبَيْهَقي، وهو حسَنٌ.
ولحديث أبي هُرَيرة ﵁، مرفوعًا: «تُستأمَر اليتيمةُ، فإن سكَتتْ فهو إذنُها، وإن أبَتْ لم تُكرَهْ»؛ رواه أحمد، وإسناد حسن.
وفي الصحيحينِ من حديث أبي هُرَيرة ﵁، قال رسول الله ﷺ: «لا تُنكَح الأيِّمُ حتى تُستأمَر، ولا البِكْرُ حتى تُستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنُها؟ قال: أن تسكُتَ».
وعن عائشةَ ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «البِكْرُ تُستأذن، قلت: إن البِكْرَ تُستأذن وتستحي؟ قال: إذنُها صُماتُها»؛ متفق عليه.
مسألةٌ: ضابط البِكر والثيِّب:
أولًا: اتفق الأئمةُ أن من لم تزُلْ بَكارتُها، فهي بِكر.
ثانيًا: اتفق الأئمة أن من زالت بكارتُها بوطءٍ مباح، أنها ثيِّب.
ثالثًا: من وُطِئتْ في نكاح فاسد، فهي في حكم الثيِّب.
رابعًا: من وُطِئت في الدُّبُر، فهي في حكم البِكر.
واختلف العلماءُ ﵏ فيما عدا ذلك:
[ ٢٤ ]
الأُولى: من زالت بَكارتها بسبب مرض، أو وَثْبة، أو شدة حيض، أو عبَثِ المرأة، أو غير ذلك: فهل تُعد بِكرًا أو ثيِّبًا؟ على قولينِ، والأقرب: ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم؛ من أن لها حكم البِكر؛ لعدم تجرِبتها الرجالَ، ولم تخبُرِ المقصود.
الثاني: مَنْ زالت بكارتها بوطءٍ محرَّم: فالأقرب: أنه إن كان الوطءُ مع رضًا، فهي في حكم الثيِّب، وإن كان مع الإكراه فهي في حكم البِكر؛ وبه قال بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى؛ لأنَّ علةَ تفضيل البِكر على الثيِّب في القَسْم هو الحياء، فليس المناطُ بقاءَ البَكارة أو زوالَها؛ ولهذا من زالت بَكارتها بغير وطءٍ فهي في حكم البِكر، كما تقدَّم.
الثالث: أن يكون الوطء بشبهة؛ مثل أن يجامع امرأةً يظنها زوجته، فتتبين غيرَ زوجته: ففي حكم البِكر؛ لأنه زِيدَ في قَسْم البِكر لعلة الحياء، وهذا موجودٌ فيمن وُطِئتْ بشبهة.
الشرط الثالث: أن يَعقِد على المرأة وليُّها؛ لأن الخطاب في الكتاب والسنة بالإنكاح للأولياء الرجال، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٢]، ففي صحيح البخاري: (أنها نزلت في معقل بن يسار لما منع أخته أن تتزوج زوجها الأول لما طلقها)، قال الخطابي في معالم السنن: (هذه أدل آية في كتاب الله على أن النكاح لا يصح إلا بعقد ولي، ولو كان لها سبيل إلى أن تُنكح نفسها لم يكون للعضْل معنىً).
ولحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه
[ ٢٥ ]
وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر في الفتح: (صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم).
وعن أبي موسى قال، قال رسول الله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي»؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان، وصححه ابن المديني.
(وحين تأيمت حفصة من ابن حذافة السهمي قال عمر ﵁: فلقيت أبا بكر ﵁، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري.
ولما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: (لا نكاحَ إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدَيْ عدلٍ)؛ رواه أحمدُ في المسند والبَيْهَقي، وإسناده صحيح.
فلو زوَّجتِ المرأة نفسَها بدون وليِّها، فنكاحها باطلٌ؛ ولأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى الزنى، ولأنَّ المرأة قاصرةُ النظر عن اختيار الأصلح لها.
ووليُّ المرأة هو: أبوها، ثم جَدُّها لأبٍ وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوينِ، ثم أخوها لأبٍ، ثم بنوهما، ثم عمها لأبوينِ، ثم عمها لأبٍ، ثم بنوهما، ثم أقرب عصَبتها نسَبًا؛ كالإرث، ثم المعتِقُ، ثم الحاكم.
مسألة: شروط الولي:
الأول: التكليف: (وهو البلوغ والعقل)؛ لأنَّ غير المكلَّف يحتاج إلى مَنْ ينظُرُ له، فلا ينظر لغيره.
الثاني: الذُّكورية؛ لأنَّ المرأة لا وِلايةَ لها على نفسها؛ فغيرُها أَوْلى، ولأنه يعتبر في الولاية الكمالُ، ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تزوِّجُ المرأةُ المرأةَ»؛ رواه ابن ماجَهْ، والدارَقُطْني، والبَيْهَقي.
[ ٢٦ ]
الثالث: الرُّشْد في العقد؛ بأن يَعرِفَ الكفءَ، ومصالحَ النِّكاح.
الرابع: اتفاق الدِّين؛ فلا وِلايةَ لكافر على مسلِمة، قال ابن المنذر: (أجمع عامةُ مَنْ يُحفَظ عنه من أهل العلم على هذا)؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤١].
مسألةٌ: الكافر يلي تزويجَ مَوْليَّته الكافرة؛ وهو المذهب عند الحنابلة.
وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: (قال أحمد: لا يَعقِد نصرانيٌّ ولا يهودي عقدة نكاح لمسلِم ولا مسلِمة، ولا يكونانِ وليَّيْنِ لمسلِم ولا مسلِمة، بل لا يكون الولي إلا مسلِمًا، وهذا يقتضي أن الكافرَ لا يزوِّج مسلِمة بوِلاية، ولا وَكالة، وظاهره: يقتضي أنْ لا وِلاية للكافر على ابنته الكافرة في تزويجها المسلِم).
الخامس: الأمانة؛ لأنَّها ولاية نظرية، فلا يستبدُّ بها غير الأمين؛ واستُدل عليه بقوله الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦]، وبما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدَيْ عدلٍ»؛ رواه أحمدُ في المسند والبَيْهَقي.
فرعٌ: القاضي وليُّ مَنْ لا وليَّ لها مِنْ غير المسلِمين.
فإن كانت في بلد ليس فيه قاض فرئيس الجماعة المسلمة، أو مدير المركز الإسلامي ونحو ذلك.
فرع: إن استوى وليَّانِ -كالأخوينِ فأكثر-؛ صحَّ التزويجُ من كل واحد، إن أَذِنتْ لهم، فإن أذنت لأحدهم تعيَّنَ، ولم يصحَّ نكاحُ غيره، وإن لم تأذن وتشاحّوا؛ أقرع بينهم.
[ ٢٧ ]
فرع: تجوز الوكالة في النكاح مطلقًا؛ لأن الأصل الجواز وعدم المانع.
وروي أن النبي ﷺ وَكَّل عمرَو بن أمية الضَّمْري في تزويج أم حبيبة، رواه الحاكم وهو ضعيف، وقياسًا على البيع.
فرعٌ: وإن عضَلَ الأقربُ -أي: منع تزويج موليته-، أو لم يكن أهلًا، أو غاب غَيْبةً يفوت بها الخاطبُ الكفءُ: زوَّج الأبعدُ، وإن زوَّج الأبعدُ بلا عذر، صحَّ النكاح بإجازة الأقرب.
الشرط الرابع: الشهادة على العقد؛ لأنَّ الغرض إعلانُ النِّكاح؛ احتياطًا للنسَب؛ ودليل ذلك: حديثُ عائشة مرفوعًا: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ، وشاهدَيْ عدل»؛ رواه ابن حِبَّان، وقال: (لا يصح في ذكر الشاهدين غيره)، وورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ موقوفًا عند الدارَقُطْني، وإسناده صحيح، وعن ابن عباس ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة»؛ رواه الترمذي، ورواه البيهقي موقوفًا وقال: (وهذا أصح).
وعن عمرَ ﵄: أنه أُتِيَ بنكاح لم يَشهَدْ عليه إلا رجُلٌ وامرأة، فقال: (هذا نكاح السرِّ، ولا أجيزه، ولو كنتُ تقدَّمتُ فيه، لرَجَمتُ)؛ أخرجه مالك في الموطأ بإسناد منقطع.
قال التِّرمِذي: (والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، ومَن بعدهم من التابعين، وغيرهم؛ قالوا: لا نكاحَ إلا بشهودٍ، لم يختلفوا في ذلك مَنْ مضى منهم، إلا قومٌ من المتأخرين من أهل العلم).
وجمهور العلماء على أن الشهادةَ شرطٌ في صحة النِّكاح؛ للأدلة السابقة، ولأنَّ الله تعالى أمر بالإشهاد عند الرَّجْعة؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، وهي إبقاءُ نكاحٍ سابق، فبَدْؤُهُ أَوْلى، ولعِظَم شأن النِّكاح،
[ ٢٨ ]
وما يترتب عليه.
وقال شيخ الإسلام: يصحُّ النِّكاح بدون إشهاد؛ بشرطِ الإعلان.
ويشترط في الشاهد: أن يكون بالغًا عاقلًا أمينًا قويًّا على الشهادة.
مسألةٌ: والكفاءة هي الخُلُق والدِّين؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «فاظفَرْ بذات الدِّين، تَرِبتْ يداك»؛ رواه البخاري ومسلِم.
ولحديث عائشة ﵂: «أن أبا حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة تبنَّى سالمًا، وأنكحه ابنةَ أخية هندَ بنت الوليد بن عتبة، وهو مولًى لامرأةٍ من الأنصار»؛ رواه البخاري.
ولحديث أبي حاتم المُزَني، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه»؛ أخرجه الترمذي وقال: (حديث حسن غريب).
فلا يصحُّ تزويج من لا يصلِّي، أو من يقارف الفواحش، ولا يجوز أن يزوج من تتضرر المرأةُ بالزواج منه؛ كمَن يتعاطى المخدِّرات والمُسكِرات.
[ ٢٩ ]