تشبيهُ الزَّوجة بمن تحرُمُ عليه له صِيَغ:
الصيغة الأولى: أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي، وهذا ظهارٌ بالإجماع.
ونحو ذلك لو قال: جسمُك ونفسك عليَّ كظَهْر أمي.
الصيغة الثانية: تشبيه الزَّوجة بظَهْر مَنْ تحرُمُ عليه على التأبيد من أقاربه غير الأم؛ كجَدَّته، وعمَّته، وخالته، وأخته، ونحو ذلك: فظِهارٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٣]؛ فظاهر الآية يقتضي صحةَ الظِّهار بتشبيه كل ذات مَحرَم؛ إذ لم تخصص الأم دون غيرها.
الصيغة الثالثة: تشبيه الزَّوجة بظهر من تحرُمُ عليه على التأبيد سوى الأقارب؛ كالأمهات المرضِعات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء والأبناء، ونحو ذلك: فظهار؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، وهؤلاء محرَّمات بالتأبيد؛ فأخَذْنَ حكمَ الأم.
الصيغة الرابعة: إذا شبَّه الزَّوجة بمن تحرُمُ عليه على التأقيت؛ كأخت امرأته، أو عمَّتها، أو الأجنبية، ونحو ذلك: فليس بظِهار؛ لأنَّ المحرَّمة إلى أمدٍ ليست أمًّا، ولا في معنى الأم.
لكن إن نوى الظِّهارَ أو التحريم أو لم ينو شيئًا: فكفَّارةُ يمين، وإن نوى الطلاق فطلاق؛ إذ تشبيهُ الزَّوجة بالمحرَّمة تأقيتًا إذا لم يكن ظِهارًا، فلا يخرج عن كنايات الطلاق، والطلاقُ يقع بالكناية مع النيَّةِ.
[ ١٢٤ ]
الصيغة الخامسة: تشبيه الزَّوجة بظَهْر ذَكَرٍ؛ مثل أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كظَهْر أبي، أو ابني، أو غيرهما من الرجال: فليس بظِهار؛ لأنَّ ظَهْرَ الأبِ والابن ليس أمًّا، ولا في معناها.
لكن إن نوى بهذا اللفظ الظِّهارَ أو التَّحريمَ: فكفَّارةُ يمينٍ، وإن نوى الطَّلاقَ فطلقة؛ لِما تقدم، ويأتي قريبًا أن تحريم الزوجة يأخذ حكم اليمين.
الصيغة السادسة: تشبيه عضوٍ من أعضاء الزَّوجة بظَهْر الأم، أو بعضوٍ من أعضائها: فلا يكون مظاهِرًا حتى يشبِّهَ جملةَ زوجته.
لكن يظهر أنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ إن نوى الظِّهارَ، أو التحريمَ؛ لما يأتي قريبًا من أنَّ تحريمَ الزَّوجة فيه كفَّارةُ يمين، وقد يستثنى من ذلك: ما إذا شبَّه عضوًا يفيد تشبيهَ جماع الزَّوجة بجماع الأم في الحرمة، كالفَرْج: فظهارٌ، والله أعلم.
الصيغة السابعة: تشبيه الزَّوجة بالأم بحذف لفظ الظَّهْر، أو قال: أنت أمي.
كأن يقول الزَّوج لزوجته: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، ولم يذكر الظَّهْر، أو أنت كأمي، أو مثل أمي، أو أنتِ أمي، فله حالات:
الأولى: أن ينويَ أنها مثلها في الكرامة والتوقير، أو أنها مثلها في الصفة ونحو ذلك: فلا يكون ظِهارًا باتفاق الأئمة؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢].
وهذا لم يَقصِدِ الظِّهار بهذا اللفظ، ولأنَّ هذا اللفظ لا يتعيَّن للظِّهار؛ لا عُرْفًا، ولا لغةً، إلا لقرينةٍ تدلُّ على قصده.
الثانية: أن ينويَ الظِّهار: فإنَّه يكون مظاهِرًا باتفاق الأئمة الأربعة؛ لقوله
[ ١٢٥ ]
تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، وإذا قال الزَّوج لزوجته: أنتِ عليَّ مثل أمي، ونوى به الظِّهار، كان في معنى قوله: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي؛ لدخول الظَّهْر في جملة الأم.
الثالثة: أن يُطلِقَ فلا ينوي ظهارًا، ولا غيره: فلا يكون ظهارًا؛ لأنَّ هذا اللَّفظ يُستعمل في الكرامة أكثرَ مما يُستعمل في التحريم؛ فلم ينصرف إليه بغير نيةٍ؛ ككنايةِ الطلاق.
الصيغة الثامنة: أن يقول: أنتِ عليَّ حرام، ومثله لو قال: أنت عليَّ كالميتة، أو الدمِ، أو البهيمة، فإن نوى الطلاقَ فطلْقة؛ إذ إنَّه من الكنايات، ولما يأتي عن الصحابة ﵃، وإن نوى التحريم، أو أطلق، أو الظهار: فكفَّارةُ يمين، ولا يكون ظهارًا؛ لعدم وجود التشبيه القبيح، وهو أن يشبِّهَ أحَلَّ الناس له بأحرَمِ الناس عليه.
وإن نوى الحثَّ أو المنع، أو التصديق أو التكذيب: فكفارة يمين؛ كما لو قال: إن خرجتِ فأنتِ عليَّ حرام، يَقصِد المنع.
لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التّحْريم: ١ - ٢].
وعن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: «نيَّتُهُ في الحرام ما نوى، إن لم يكُنْ نوى طلاقًا، فهي يمين»؛ رواه ابن أبي شَيْبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح، وعنه قال: «الحرام: إن نوى يمينًا فهي يمينٌ، وإن نوى طلاقًا فطلاق»؛ رواه البَيْهَقي.
وعن قَبيصة بن ذُؤَيب، قال: سألتُ زيد بن ثابت وابن عمرَ ﵄ عمَّن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام؟ فقالا جميعًا: «عليه كفارةُ يمين»؛ رواه حربٌ الكرماني في مسائله، وقال الحافظ: إسناده صحيح.
[ ١٢٦ ]
وعن سعيد بن جبير؛ أنه سمع ابن عبَّاسٍ يقول: (إذا حرَّم الرجلُ عليه امرأته، فهي يمينٌ يكفِّرها)؛ رواه البخاري.
مسألةٌ: إذا قالت الزَّوجة لزوجها: (أنتَ عليَّ كظهر أبي)، فليس ظِهارًا، وهو قولُ جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، فخصَّ الرجالَ بذلك.
وعليها كفارة يمين؛ قال الإمام أحمد: (قد ذهب عطاءٌ مذهبًا حسنًا، جعله بمنزلة مَنْ حرَّم على نفسه شيئًا مثلَ الطعام وما أشبهه).
مسألةٌ: إذا ظاهر مِنْ نسائه بكلمات: كأن يقول لكل امرأةٍ من نسائه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي: فجمهور أهل العلم: تَلزَمه كفاراتٌ؛ للآية، فأوجب اللهُ ﷻ كفارة الظِّهار في العَوْد، وقد تكرر ذلك، فتكررت الكفارة.
وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة؛ بأن قال لنسائه: أنتُنَّ عليَّ كظَهْر أمي: فتلزمه كفَّارةٌ واحدة؛ للآية؛ لأنه ظهارٌ واحد؛ وهو قول عمرَ وعليٍّ ﵄.
مسألةٌ: تعليق الظِّهار على مشيئة الله تعالى؛ كأن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن شاء اللهُ تعالى، لا يكونُ ظهارًا؛ وهو قول جمهور العلماء؛ والدليل: ما روى مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄ أنه كان يقول: (مَنْ قال: والله، ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه: لم يَحنَثْ).
مسألة: إذا علَّق ظِهارَهُ على امرأةٍ أجنبيَّة؛ كقوله: (أنتِ عليَّ كظهر أمي إن تزوَّجتك): لا يكون ظهارًا؛ والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٣]، والأجنبيةُ ليست من نسائه.
مسألةٌ: إنْ وقَّت الظهارَ؛ مثل أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي شهر رمضان، فيصح، فإن وَطِئها خلال مدة الظِّهار، لزمته الكفارة، وإن انقضت
[ ١٢٧ ]
المدة قبل وطئه، لم يَلزَمه شيء.
مسألةٌ: ما يترتب على المتلفِّظ بالظِّهار:
١ - يجبُ المبادرةُ بالتوبة؛ إذ التوبة تجب على الفور؛ لعموم أدلَّة الأمر بالتوبة؛ كقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّور: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التّحْريم: ٨]، إلى آخرِ أدلةَّ التوبة، بل حكمَ بعض العلماء بأن الظِّهار من الكبائر.
٢ - تجب الكفَّارة على المظاهِر بالإجماع؛ ويدل على هذا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ [المجَادلة: ٣].
٣ - يحرُمُ الوطءُ على المظاهر قبل أداء الكفَّارة إذا كان تكفيرهُ بالعتق، أو الصيام، أو الإطعام؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٣]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤].
وجه الدَّلالة: أنَّ الله ﷿ اشترطَ للتكفير بالصيام أن يكون قبل المسيسِ مع تطاوُلِ زمنه؛ فاشتراطُهُ مع الإطعام الذي لا يطُولُ زمنُهُ أولى.
وأما الاستمتاعُ بما دون الفَرْج: فجائز، إلا إذا ظنَّ أو عَلِمَ أنه سيؤدي ذلك إلى الجماع؛ لأنَّ التلذُّذَ يؤدي إلى الوطء، وهو حرام على المظاهر، وما كان مؤدِّيًا إلى الحرام فهو حرام.
[ ١٢٨ ]