الطعامُ في اللغة: يقعُ على كلِّ ما يُطعَمُ، حتى الماء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٤٩].
وقوله ﷺ في ماء زمزم: «إنَّها طعامُ طُعْمٍ»؛ رواه مسلِم.
مسألة: الأصل في الأطعمة: الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، [البَقَرَة: ١٦٨] وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المَائدة: ٤]، فكلُّ مأكولٍ ومشروب الأصلُ فيه الحِلُّ.
مسألة: يحرُمُ مِنْ الطعام ما يلي:
الضابط الأول: كل مضرٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٢٩].
فرعٌ: حكمُ تناوُلِ السمِّ، إن كانت نسبتُهُ يسيرةً، وفيه مصلحة: جاز ولا مضرة، كاستعماله في الأدوية، والحكمُ يدور مع علَّتِه؛ وجودًا وعدَمًا.
الضابط الثاني: كل نجسٍ محرَّم، والنجاسة تنقسم إلى قسمين:
أ-نجاسة عينيَّة؛ أي: ذاتها نجس كالميتة والدم المسفوح.
ب-نجاسة حُكْمية؛ وهي: التي أصلها طاهرٌ، ثم طرأت عليها النجاسةُ؛ كما لو وقَعَ بول على طعام؛ فيحرُمُ، إلا إن طُهِّر.
[ ١٨٣ ]
والدليل على أن كلَّ نجس محرَّم: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المَائدة: ٣]، وقوله ﷺ في الخمر: «أكفِئُوها؛ فإنَّها رِجْسٌ».
الضابط الثالث: الحُمُر الأهلية محرَّمة؛ وهذا هو قولُ الجمهور رحمهم الله تعالى؛ خلافًا للإمام مالك رحمه الله تعالى.
والدليل: حديثُ جابرٍ ﵁: «أن النبيَّ ﷺ نهى يوم خَيْبَرَ عن لحوم الحُمُر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البَرِّ رحمه الله تعالى: (لا خلاف اليوم في تحريمِها).
الضابط الرابع: كل ذي نابٍ مِنْ السباع محرَّمٌ؛ مثل: الأسَد، والنَّمِر، والذئب، والفهد، والهر، ونحو ذلك.
والدليل على ذلك: حديثُ أبي ثَعْلبة الخُشَني ﵁: «نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السِّباع»؛ متفق عليه، قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا في أن القِرْدَ لا يؤكَلُ، ولا يجوز بيعُه)، وذكَرَ ابن القيِّمِ أنَّ ذا النابِ لا يحرُمُ إلا إذا كان يعدو بنابه.
الضابط الخامس: كلُّ ذي مِخلَبٍ من الطير يَصِيد بمِخلَبه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مِخلَبٍ من الطير»؛ رواه مسلم، مثل: العُقَاب، والباز، والصَّقر، والشاهين، والحِدَأة، والبُومة، ونحو ذلك.
الضابط السادس: ما أمَر الشارعُ بقَتْلِه، فإنَّه محرَّم؛ مثل: الوَزَغ، والغُرَاب الأبقع، والفأرة، والحيَّة، والعَقْرب، والكلب العقور؛ لأن الله تعالى أمر بقتلها، ولو كانت مباحة لأمر بتذكيتها.
[ ١٨٤ ]
الضابط السابع: ما نهى الشارعُ عن قتلِه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «نهى رسولُ الله ﷺ عن قتلِ أربعٍ من الدوابِّ: النملة، والنَّحْلة، والهُدْهد، والصُّرَد»؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجَه.
الضابط الثامن: ما كان مستخبَثًا، ويمثِّلُ له العلماءُ -رحمهم الله تعالى- بالحشراتِ، كالصراصير والذباب ونحوها؛ وهذا رأيُ الجمهور رحمهم الله تعالى؛ لأن الله تعالى أحَلَّ لنا الطيِّبات، وحرَّم علينا الخبائث.
قال شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى: (الطِّيب والخُبْث: وصفٌ قائمٌ بالأعيان، وليس المراد مجردَ التلذُّذ؛ فإن الإنسان قد يتلذَّذُ بما يضُرُّ من السُّموم؛ فالطيِّبات: المطاعمُ النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث: الضارةُ للعقول والأخلاق).
وعلى هذا، لا عِبْرةَ لاستقباح الناس واستطابتهم؛ لأنَّ منهم مَنْ يستطيب القبيحَ؛ فالحشرات تحرُمُ إذا كانت مُضرَّةً، وتدخل في القسم الأول.
الضابط التاسع: ما تولَّد مِنْ مباحِ الأكل ومحرَّم الأكل، مثل: البغل: متولد بين الفرس والحمار، والسِّمْع: متولِّد بين الذئبِ والضَّبُع، لأنه إذا اجتمع مبيح وحاظر؛ غلب جانب الحظر.
الضابط العاشر: الجلاَّلة: وهي التي علَفُها النجاسةُ؛ ودلَّ على ذلك حديثُ ابن عمرَ ﵄: «نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ الجلاَّلة، وألبانها»؛ رواه أحمد وأبو داود.
وقيل في تطهيرها: تُحبَسُ ثلاثًا وتطعم الطاهر؛ كما ورد عن ابن عمرَ ﵄ في مصنَّفِ ابن أبي شَيْبة رحمه الله تعالى، فإذا ظهر أثر النجاسةُ في دَمِها، أو رائحتها، أو كان يسبِّبُ أكلُها ضررًا حرمت وإلا كانت مباحة؛ لأن الأصل أن النجاسةَ تُطهَّرُ بالاستحالة.
[ ١٨٥ ]