لغة: التخلية والإرسال، يقال: طلَقت الناقةُ: إذا سرَحتْ حيث شاءت.
وفي الاصطلاح: حلُّ قيدِ النِّكاح، أو بعضه.
والأصل فيه: الكتاب: قال تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
ومن السُّنة: حديثُ ابن عمرَ ﵄ في تطليق زوجته المتفق عليه، وسيأتي.
والإجماع: حكاه ابن المنذِر رحمه الله تعالى، وغيرُه.
والأصل فيه: الكراهةُ؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، وجه الدَّلالة: أنَّ الله تعالى ذيَّل الفَيْئة - وهي الرجوع إلى العِشرة الحسَنة - بالمغفرةِ والرحمة، وذيَّل الطلاق بالسمعِ والعِلم؛ ممَّا فيه تهديد، ويُشعِر بكراهيَة الطلاق، ولما يترتب عليه من تفويتِ مصالح النِّكاح العظيمة، التي تقدَّم بيانُ شيء منها في أول الكتاب.
ويباح للحاجةِ؛ كسُوء خُلُقِ المرأة، ويجب في صُوَر:
الأُولى: عند تضرُّر المرأة ببقاءِ حبل الزَّوجية.
الثانية: إذا ترَكتْ عفَّةً، أو فرَّطتْ في الصلاة؛ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ويجب على الزَّوجِ أمرُ زوجته بالصلاة، فإن لم تصلِّ، وجَبَ عليه فِراقُها).
الثالثة: في الإيلاء؛ كما سيأتي.
الرابعة: عند شيخ الإسلام: إذا أمره أبوه بالطلاقِ، وكان عَدْلًا.
[ ١٠٢ ]
ويستحبُّ: إذا احتاجت المرأةُ إلى الطلاق، ولم تتضرَّرْ ببقاء حبل الزَّوجية؛ لئلا يُحوِجَها ذلك إلى المخالَعة.
ويحرُمُ للبدعة، سواءٌ كانت في الزمن؛ كما لو طلَّقها حال الحيض، أو للعَدَد؛ كما لو أوقع عليها أكثرَ من طلقة، ويأتي بيانُهُ إن شاء الله تعالى.
مسألةٌ: يصحُّ الطلاق إذا توفَّرتْ فيه شروط صحته الآتية:
الشرط الأول: أن يكونَ من زوجٍ، أو مَنْ يقوم مقامه؛ مِنْ وليِّ صغيرٍ ومجنون.
وعلى هذا: يخرُجُ صورتان:
الصورة الأولى: إذا طلَّق قبل الزواج؛ فإنَّه لا يصحُّ طلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٤٩].
الصورة الثانية: إذا طلَّق زوجة غيره؛ فيصحُّ بالإجازة على الصحيح.
الشرط الثاني: أن يكون مكلَّفًا؛ فلا يصحُّ من صغيرٍ غير بالغ، ولا من مجنون ولا معتوهٍ، ولا من نائمٍ ولا مُغمًى عليه؛ لحديث عليٍّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبي حتى يحتلِمَ، وعن المجنون حتى يَعقِل»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي بإسناد حسن، ولأنَّ الطلاق ضرَرٌ؛ فلا يَملِكه هؤلاء.
مسألةٌ: طلاق السَّكْران لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون معذورًا بسُكْره: فلا يقع طلاقُهُ بالاتفاق.
الحالة الثانية: أن يكون غيرَ معذور بسُكْره؛ كأن يَشرَب المسكِر مختارًا
[ ١٠٣ ]
عالِمًا متعمِّدًا: فموضع خلاف، والصحيح أنه لا يقع؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، والسكران لا يَعلَمُ ما يقول، ولحديث بُرَيدة في قصة ماعزٍ، قال رسول الله ﷺ: «أشَرِبَ خمرًا؟»، فقام رجُلٌ فاستنكَهَهُ، فلم يجد منه ريحَ خمر؛ رواه مسلِم، فقوله: «أشرب خمرًا؟»: دليلٌ على عدم اعتبار قول السكران.
مسألةٌ: طلاق الغضبان: لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ألا يغطِّيَ الغضب على عقله، ويَملِكَ نفسه: فهذا يقع طلاقُهُ بالاتفاق.
الحالة الثانية: أن يغطِّي الغضب على عقله، فلا يشعُرَ بما قال: فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.
الحالة الثالثة: أن يكون بين ذلك؛ بألا يغطِّيَ على عقله، لكنه لا يستطيع أن يَملِكَ نفسه: فموضع خلاف، والأقرب: أنه لا يقع طلاقُه؛ لأنه مغلَقٌ عليه.
الشرط الثالث: أن يكون مختارًا، فإن كان مكرَهًا فلا يخلو:
١ - أن يكون الإكراهُ بحق؛ كما لو أكرَهَ القاضي المُولِيَ بعد نهاية مدةِ التربُّص - مَنْ حلف على ترك وطءِ زوجته - على الطلاق، فيقع الطلاق بالإجماع.
٢ - أن يكون الإكراه بغير حق: فلا يقع طلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦]، ولحديث عمرَ ﵁: «إنما الأعمالُ بالنيات» متفق عليه، وهو لم يَنوِ.
[ ١٠٤ ]
فرعٌ: يشترطُ لصحة الإكراه الذي لا يقع معه الطلاق شروطٌ:
الأول: أن يكون المُكرِه قادرًا على إيقاع ما هدَّد به، فإن شكَّ الزوج في قدرته أو غلَب على ظنِّه عدمُ قدرته: وقَع الطلاق، وإن غلَب على ظنه أنه قادر: لم يقَعْ.
الثاني: حصول الإيلام للمكرَه؛ بضربٍ، أو خنقٍ، أو عصرٍ، ونحو ذلك، قال عمرُ ﵁: «ليس الرجُلُ أمينًا على نفسه إذا أَجَعْتَه، أو ضربتَه، أو أوثَقتَه»؛ رواه عبد الرزاق والبَيْهَقي، صحَّحه ابن القيم في زاد المعاد.
فرعٌ: يكون الإكراهُ بالوعيد والتهديد، فلا يقعُ به الطلاق؛ كما يكون بالعقوبة.
ومِن الإكراه: السبُّ والشتم في حقِّ ذوي المروءات.
ويكون الإكراهُ بضرب ونحوه لكل من يشقُّ على المكره تعذيبه مشقة عظيمة من أصل؛ كوالدٍ، أو فرعٍ؛ كولد، أو قريب، ونحو ذلك.
وذكر شيخ الإسلام أنه لو سُحِرَ ليطلِّقَ، كان إكراهًا.
الثالث: أن يَغلِبَ على ظن المكرَه نزولُ الوعيد به إن لم يُجِبْهُ إلى طلبه، أو يستويَ عنده الأمران.
الرابع: أن يطلِّقَ دفعًا للإكراه؛ وهذا لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يَقصِدَ بطلاقه دفعَ الإكراه فقط: فلا يقع.
الحالة الثانية: أن يقصد بطلاقه إيقاعَ الطلاق دون رفع الإكراه: فيقع.
الحالة الثالثة: أن يقصد بطلاقه إيقاعَ الطلاق من أجلِ رفع الإكراه: فلا يقع.
[ ١٠٥ ]
مسألةٌ: طلاق الموسوس لا يقع؛ إذ هي من أثَرِ فعل الشيطان في القلب، ولأنَّ الموسوس مغلَقٌ عليه.
ومثله المريض مرضًا نفسيًّا، إذا أُغلِقَ عليه بسبب المرض، ودفَعه إلى الطلاق: فلا يقع.
الشرط الرابع: أن يكون قاصدًا ظاهرًا وباطنًا، فلا يقع طلاقُ المخطئ؛ وهو الذي لم يَقصِدِ اللفظ، وإنما سبق لسانُه إليه، كما لو أراد أن يقول: أنتِ طاهر، فقال: أنتِ طالق.
ولا يقع طلاقُ الهازل على الصحيح، وهو الذي قصَد اللفظ ظاهرًا، ولم يَقصِده باطنًا؛ لعدم وجود الرضا بالطلاق باطنًا.
الشرط الخامس: أن يكون النِّكاح صحيحًا، وعلى هذا فلا يخلو الأمرُ من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون النِّكاح صحيحًا - وهو ما توفَّرتْ فيه شروطه، وانتفَتْ موانعُه -: فيقع فيه الطلاق.
القسم الثاني: أن يكون النِّكاح باطلًا - وهو ما أجمع العلماءُ على بطلانه؛ كنكاح المعتدَّة، أو ما زاد على أربعِ نِسْوة -: فلا يقع فيه الطلاق.
القسم الثالث: أن يكون النِّكاح فاسدًا - وهو ما اختلف العلماءُ في صحته؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ: فيقع فيه الطلاق.
الشرط السادس: أن يتلفَّظَ بالطلاق، وتحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يطلِّقَ بقلبه: فلا يقع طلاقه.
الصورة الثانية: أن يطلِّق بالكتابة: فإن نوى الطلاقَ وقع، وإن لم ينوِ أو
[ ١٠٦ ]
نوى غيرَ الطلاق، لم يقَعْ؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إن الله تجاوَزَ لي عن أمَّتي ما وسوَستْ به صدورُها، ما لم تَعمَلْ أو تكلَّمْ»؛ متفق عليه.
الشرط السابع: أن يكونَ طلاقَ سنَّة، وسيأتي بيانه.