لغة: مشتقٌّ من اللَّعْن؛ لأنَّ كل واحد من الزَّوجين يَلعَن نفسَه في الخامسة إذا كان كاذبًا.
واصطلاحًا: شهادات مؤكَّدات بأيمانٍ من الجانبينِ، مقرونة باللَّعْنِ وغضبِ الله ﷾.
وقد توعَّدَ الله تعالى على القذف - وهو رمي البريء بفعل الفاحشة- بأشدِّ الوعيد؛ فقال ﷾: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [النُّور: ٢٤].
ويجب جَلْدُ القاذف إذا لم يُقِمِ البينةَ - وهي أربعة شهود يَشهَدون بصحة ما قال - ثمانينَ جلدةً، ويُعَدُّ فاسقًا لا تُقبَل شهادته، إلا إن تاب وأصلح؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [النُّور: ٤ - ٥].
فإذا قذف رجُلٌ امرأتَهُ بالزنا، ولم يستطع إقامة البينةَ؛ فله إسقاطُ حدِّ القذف عنه أو التعزير بالملاعنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [النُّور: ٦ - ٩].
[ ١٣٨ ]
والدليلُ من السُّنة على مشروعية اللِّعان: ما اتفَق عليه الشيخانِ عن ابن عمر أنه لما سُئِلَ عن المتلاعنينِ: أيُفرَّقُ بينهما؟ قال: «سبحان الله! نعم، إن أولَ مَنْ سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ لو وجد أحدُنا امرأتَهُ على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلَّمَ تكلَّمَ بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك، قال: فسكت النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْهُ.
فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال: إن الذي سألتُك عنه ابتُلِيتُ به؛ فأنزل اللهُ ﷻ هذه الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فتلاهنَّ عليه، ووعَظَهُ، وذكَّره، وأخبره أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا، ما كذَبتُ عليها، ثم دعاها، ووعَظَها، وأخبَرَها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا، إنه لكاذب، فبدأ بالرجُلِ، فشَهِدَ أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنَّى بالمرأة، فشَهِدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أنَّ غضبَ الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرَّق بينهما».
والإجماع قائم على مشروعية اللعان في الجملة.
مسألة: يحتاج الزَّوج إلى اللِّعان إذا رأى امرأته تَزني، ولا يُمكِنه إقامة البينة، أو قامت عنده قرائنُ قويةٌ على فعلها الزنا؛ كما لو رأى رجلًا يُعرَفُ بالفجور يدخل عليها.
والحكمةُ في مشروعية اللِّعان للزوج: أن العارَ يَلحقه بزِناها، ويُفسِد فِراشه، ولئلا يَلحَقه ولدُ غيره.
[ ١٣٩ ]
مسألة: يُشترط لصحة اللعان:
١ - أن يكون بين زوجينِ مكلَّفين، وعلى هذا إن قذف صغيرة لم تبلغ انتظر حتى تبلغ ثم تلاعن، وإن قذف مجنونة فلا لعان.
٢ - وأن يَقذِفها بزنًا.
٣ - وأن تكذِّبَهُ في ذلك، ويستمر تكذبيها له إلى انقضاء اللِّعان.
٤ - وأن يتم بحُكْمِ قاض.
٥ - أن يبدأ الزوج باللعان أولًا.
٦ - أن يأتي كل من الزوجين بالجمل الخمس وأن يُوَاليَ بينها.
مسألة: كيفية اللعان: يبدأ الزوج أولًا فيقول بحضرة القاضي أو نائبه أربعَ مرات: أشهد بالله لقد زنَتْ زوجتي هذه، ويشير إليها إن كانت حاضرةً، ويسمِّيها إن كانت غائبةً بما تتميز به، ويَزيد في الشهادة الخامسةِ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان مِنْ الكاذبينَ، ثم تقول هي أربعَ مرات: أشهد بالله لقد كذَبَ فيما رماني به من الزنا، ثم تقول في الخامسةِ: وأنَّ غضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين، وخُصَّتْ بالغضب؛ لأنَّ المغضوبَ عليه هو الذي يَعرِف الحقَّ ويَجحَدُه.
فإذا تم اللِّعانُ على الصفة التي ذكرنا، مستوفيًا لشروط صحته، فإنَّه يترتب عليه:
أولًا: سقوط حدِّ القذف عن الزَّوج إن كانت محصنة، أي بالغة عاقلة مسلمة عفيفة عن الزنا، والتعزير إن كانت غير محصنة كالمجنونة.
[ ١٤٠ ]
لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»؛ رواه البخاري.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: «حضرت هذا عند رسول الله ﷺ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا»؛ رواه أبو داود.
ثانيًا: ثبوت الفُرْقة بينهما، وتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا.
ثالثًا: انتفاء الولد، وهذا لا يخلو من أحوال:
أ-أن تكون حاملًا وعلم أنها زنت وهي حامل منه، فالولد له قطعًا، ولا ينتفي عنه بلعانه.
ب- إن لم تكن حاملًا وجاءت به لأقلَّ من ستة أشهر من الزنى فالولد له، ولا ينتفي عنه بلعانه.
ج- إن لم تكن حاملًا وولدته لأكثر من ستة أشهر من الزنى؛ فإن كان استبرأها - أي بعد أن حاضت لم يطأ حتى زنت - انتفى الولد عنه بمجرد اللعان، سواء نفاه أو لم ينفه، وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن يكون الولد منه، وأن يكون من الزاني، فإن نفاه في اللعان انتفى، وإلا لحق به؛ لأنه أمكن كونه منه، ولم ينفه.
رابعا: أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها بانت منه.
خامسا: أنها لا ترمى ولا يرمى ولدها بالزنى.
فرع: إذا احتاج الزوج إلى نفي الولد، مثل: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، أو تقر بالزنا فيصدقها فيعتزلها، ثم تلد ما يمكن أنه من الزاني، فله أن يلاعن لنفي الولد.
[ ١٤١ ]