شرع اللهُ النِّكاح لمصالح عظيمة، وحِكَمٍ عديدة، سيأتي بيانها.
والنكاح لغةً: الضم، والتداخل، والجمع.
وشرعًا: عقدٌ على امرأة، يُقصَد منه امتثال أمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ، وتحصيلُ مصالح النِّكاح.
والأصل فيه: الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أمَّا الكتاب: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣].
وأما السُّنة: فكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وأجمع المسلِمون على أن النِّكاحَ مشروع).
مسألةٌ: وهو سنَّة؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباءةَ، فليتزوَّجْ؛ فإنَّه أغَضُّ للبصَر، وأحصَن للفَرْجِ، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاءٌ»؛ متفق عليه، في المصباح ٢/ ٦٥٠: والوجاء رض عروق البيضتين حتى تنفضخا من غير إخراج؛ لأنه بتقليل الطعام والشراب يحصل للنفس انكسار عن الشهوة كالموجوء.
ولأنَّ النبي ﷺ علَّقه على الاستطاعة، والواجب لا يتوقف على الاستطاعة، وقيل بوجوبه؛ للأمر به؛ وهو مذهب الظاهرية.
[ ٦ ]
وفعلُهُ مع الشهوة: أفضلُ من نوافل العبادات؛ لاشتماله على مصالحَ كثيرة؛ كما سيأتي.
قال ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى -عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرّعد: ٣٨]-: (استُدِلَّ به على تفضيل النِّكاح على التخلِّي لنوافل العبادة؛ لأنَّ الله ﷻ اختار النِّكاحَ لأنبيائه ورسله).
قال ابن مسعود ﵁: (لو لم يَبقَ من أجَلي إلا عشَرة أيام، وأعلم أني أموتُ في آخرها يومًا، لي فيهن طَوْلُ النِّكاح: لتزوَّجتُ؛ مخافةَ الفتنة)؛ رواه عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبة، وسعيد بن منصور.
ويجب على من خاف محذورًا بتركه؛ لأنَّه طريق إعفافِ نفسه، وصونِها عن الحرام.
ويحرُمُ على من لم يقُمْ بحق الزَّوجية، أو يُلحِقُها ضررًا.
ويُكرَه في حق الفقير الذي لا كسبَ له، ولا شهوة.
مسألةٌ: حِكَم النِّكاح:
للنِّكاح مصالحُ وحِكَم؛ منها:
١ - الاستجابة لأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ.
٢ - غضُّ البصَر، وحفظ الفَرْج.
٣ - تكثير الأمة، ومن ثَمَّ تحصُلُ العزة والنصر والتأييد؛ كما ذكره اللهُ تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعرَاف: ٨٦].
٤ - حصول السَّكَن والرحمة والمودة بين الزَّوجين.
[ ٧ ]
٥ - القيام على أمر المرأة، وعِفَّتها، وحِفظها.
٦ - تحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته بين الأمم.
٧ - سلامة المجتمع، وأمنه.
٨ - التخلُّص من الماء الذي بقاؤه في الجسم مضرٌّ له؛ كما ذكره ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى.
مسألةٌ: لا يجوز للرجُلِ أو المرأة أن يتعاطى علاجًا يقطع شهوةَ النِّكاح؛ لحديث سعد ﵁: «أن النبيَّ ﷺ رَدَّ على عثمان بن مظعونٍ التبتُّلَ»؛ رواه البخاري ومسلِم.
وقال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءةِ، وينهى عن التبتُّلِ نهيًا شديدًا»؛ رواه أحمد، لكن يجوز استعمال علاج يخفِّفها، إذا كان له مصلحة في ذلك، وليس فيه ضررٌ عليه.
مسألةٌ: ولا فرقَ في مشروعية النِّكاح بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، إذا كان قادرًا على الوطءِ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصبِح ويمسي وليس عنده شيء»؛ رواه البخاري.
ولحديث سهل بن سعد ﵁، وفيه: «أن النبيَّ ﷺ زوَّج رجُلًا لم يَقدِرْ على خاتَم حديد، وليس له إلا إزارُه، ولم يكُنْ له رداءٌ»؛ متفق عليه.
ولا يكتفي بالعمر فيه مرة واحدة، بل يكون في مجموع العمر، فلو تزوج وفارق زوجته فلابد من معاودة الزواج ولو طالت فترة الزواج بينهم؛ لقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ليست العزوبةُ من الإسلام)، ولا يزول هذا الاسمُ بمرةٍ واحدة.
[ ٨ ]
فرعٌ: ومَن أمره به والداه، لَزِمَه؛ لوجوب بِرهما.
وقال شيخ الإسلام: وليس للأبوينِ إلزام الولد بنكاح مَنْ لا يريد، فإن امتنع، فلا يكون عاقًّا؛ كأكل ما لا يريد.
مسألةٌ: التعدُّد سنَّة، وقيل: أنه مباح، ولكن يُشترَط له القدرةُ البدنية والمالية؛ لِما تقدم من ذِكر مصالح النِّكاح، وكلما كثُرَ الزواج كثرت هذه المصالح، ولأنَّ الله ﷻ بدأ به في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣]، ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «تزوَّجْ؛ فإن خيرَ هذه الأمَّة أكثَرُها نساءً»؛ رواه البخاري.
مسألةٌ: صفاتُ المرأة، يُسَنُّ أن يتزوَّجَ امرأةً تتصف بعدة صفات:
١ - ديِّنة؛ لحديثِ أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «تُنكَح المرأةُ لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسَبها، ولدِينها؛ فاظفَرْ بذات الدِّين، تَرِبتْ يداك»؛ متفق عليه.
ولِما روى عمرُو بن العاص ﵁ أن الرسولَ ﷺ قال: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحة»؛ رواه مسلِم.
فرعٌ: ومِن حق المرأة على وليِّها أن يزوِّجَها ذا الدِّين؛ لما روى أبو حاتم المُزَني ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا أتاكم مَنْ ترضَون دِينَهُ وخُلُقه، فزوِّجوه، إلا تَفعَلوا تكُنْ فتنةٌ في الأرض، وفساد كبير»؛ رواه التِّرمِذي، وقال: (حسن غريب).
وقالت أسماءُ بنت أبي بكر ﵄: (إنما النِّكاحُ رِقٌّ؛ فلينظُرْ أحدُكم أين يُرِقُّ عَتِيقتَهُ)، رواه البَيْهَقي.
٢ - أجنبية؛ أي: لا تكونُ في أول درجات العمومة والخُؤولة؛ كما قال الشافعيةُ؛ لأنَّ ولَدَها يكون أنجبَ، ولأنه لا يأمَنُ الطلاقَ، فيُفضِيَ مع القرابة
[ ٩ ]
إلى قطيعة الرحِمِ، وقال عمرُ ﵁ لبني السائب -وقد اعتادوا الزواجَ بقريباتهم-: (أَضْوَيْتم، فانكِحوا في النوابغ).
ولعلَّ الأقرب: أن ينظُرَ الإنسانُ في الأصلح له؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ بنتَ عمته زينبَ بنتَ جحش؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، وتزوج عليٌّ ﵁ بفاطمةَ ﵂، ولزواجِ زينبَ ﵂ -بنتِ النبيِّ ﷺ بأبي العاص بن الربيع.
٣ - بِكْرٌ؛ وهذا باتفاقِ الأئمة، وهي العَذْراء؛ لقوله ﷺ: «فهلاَّ بِكْرًا تلاعِبُها وتلاعِبُك»؛ متفق عليه من حديث جابر ﵁.
وتقدِّمُ الثيِّبَ عند المصلحة؛ لحديث جابر ﵁: أنَّ أباه ترك تِسْعَ بنات، أو سَبْعَ، وإنِّي كَرِهتُ أن آتيهنَّ بمثلِهنَّ، فأحببتُ أن آتيَ بامرأة تقوم عليهن وتُصلِحهنَّ، قال النبي ﷺ: «فبارَكَ اللهُ لك»؛ رواه مسلِم.
٤ - وَلُودٌ؛ أي: مِنْ نساءٍ يُعرَفْنَ بكثرة الأولاد، ويُعرَف ذلك بحال قريباتِها؛ مِنْ أخواتها وعماتها، وسلامة صحتها، وحُسْنِ شبابها؛ لحديث أنسٍ مرفوعًا: «تزوَّجوا الوَدُود الوَلُود؛ فإنِّي مكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»؛ رواه سعيد، وأحمد، وابن حِبَّان، والبَيْهَقي، وله شاهد من حديث مَعقِل بن يسار؛ رواه أبو داود والنَّسَائي، وإسناده حسَن.
ولقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عِمرَان: ٣٨].
٥ - جميلةٌ؛ لأنه أغَضُّ لبصَرِه، وأكمل للمودَّة، وأسكَنُ لنفسه؛ ولذلك شُرِعَ النظرُ قبل النِّكاح، ولِما روى أبو هُرَيرة ﵁، قال: «قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ قال: التي تسُرُّهُ إذا نظَر، وتطيعه إذا أمَر، ولا تخالفه
[ ١٠ ]
في نفسها ولا ماله بما يَكرَه»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي، وابن ماجَهْ، وصحَّحه الحاكم.
مسألةٌ: النظر للمخطوبة، النظر للمخطوبة مستحبٌّ؛ لحديث المغيرةِ بن شعبة ﵁، وفيه قوله ﷺ: «اذهَبْ فانظُرْ إليها؛ فإنَّه أجدَرُ أن يؤدَمَ بينكما»؛ رواه النَّسَائي، والتِّرمِذي وحسنه، وأحمد، والحاكم وصحَّحه.
فعلَّل النبي ﷺ بأن النظر سببٌ للمحبة والأُلْفة بين الزَّوجين، وإذا كان كذلك، دلَّ على مشروعيته.
فرعٌ: ما ينظُرُه الخاطب، وله نظرُ ما يظهر غالبًا؛ كوجهٍ، ورقبة، ويد، وقدم، ورأس؛ لقوله ﵊: «إذا خطب أحدُكم امرأة، فقدَرَ أن يرى منها بعضَ ما يدعوه إلى نكاحها فليفعَلْ»؛ رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده حسَنٌ، وقياسًا على ذوات المحارم.
وله أن يكرر النظرَ بقدر الحاجة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ صعَّد النظرَ للواهبة، وصوَّبه؛ متفق عليه من حديث سهل بن سعد ﵁.
ولأنَّ ما أُحِلَّ لحاجة يقدَّرُ بقدرها، ويزول بزوالها.
فرعٌ: شروط النظر للمخطوبة، يشترط لنظر المخطوبة شروطٌ:
الأول: أن يكون بلا خَلْوة بالإجماع؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأة إلا ومعها ذو مَحرَم»؛ متفق عليه.
الثاني: أن يَعلَم أو يَغلِبَ على ظنه أنه يجاب.
الثالث: ألا ينظُرَ بشهوة، فإن حصل له شهوةٌ، دافَعها.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا، وتقدم الكلام عليه.
[ ١١ ]
الخامس: وجود العزم على الزواج عند النظر؛ لحديث محمد بن مَسلَمة ﵁، وفيه قوله ﷺ: «إذا ألقى اللهُ ﷻ في قلب امرئٍ خِطْبةَ امرأة، فلا بأسَ أن ينظر إليها»؛ رواه أحمد، وفي إسناده: حجاجُ بن أرطاة؛ وهو ضعيف.
السادس: ألا تستعمل المرأةُ التحمير والتصفير، ونحو ذلك؛ لِما فيه من التغرير، ولكونها أجنبيةً.
مسألةٌ: وقت النظر، نصَّ الشافعيةُ والحنابلة: أن وقت النظر قبل الخِطْبة، وبعد العزم على النِّكاح.
وعند بعض الشافعية: أن النظرَ بعد الخِطْبة أَوْلى؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «إذا خطَبَ أحدُكم امرأة، فإن استطاع أن ينظُرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها: فليفعَلْ»؛ رواه أبو داود.
والأمر في هذا واسع.
ولا يحتاج إلى إذنها؛ لمطلَقِ الأمر، ولحديث جابر ﵁، وفيه: «فكنتُ أتخبَّأُ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها».
فإن لم يتيسَّرْ، بعَثَ امرأة ثقةً تتأملها، ثم تصفُها له؛ لحديث أنس ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ: «أرسل أمَّ سُلَيم تنظر جاريةً»؛ رواه الإمام أحمد، والحاكم وصحَّحه، والبَيْهَقي.
ولا يجوز أن تَنعَتَها لغير الخاطب؛ لنهيِ النبي ﷺ «أن تَنعَتَ المرأةُ امرأةً لزوجها حتى كأنه ينظُرُ إليها»؛ رواه مسلِم.
وله أن ينظر إلى صورة المرأة بحالتها الطبيعية بالشروط السابقة.
[ ١٢ ]
وعلى مَنْ استُشير في الخاطب أو المخطوبة أن يذكُرَ ما فيه مِنْ عيبٍ، ولا يكون غِيبةً.
مسألةٌ: ينظُرُ من ذات المَحرَم ما يظهر غالبًا: الوجه، والرقبة، واليد، والقَدم، والرأس؛ لقوله تعالى: ﴿ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ …﴾ [النُّور: ٣١].
ولِما روَتْ عائشة وأمُّ سلَمةَ ﵄ أن سَهلة بنت سهيل ﵄، قالت: «يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل اللهُ فيهم ما قد علمتَ، فكيف ترى فيه؟»؛ رواه أبو داود.
فقولها: (ويراني فُضُلًا)؛ أي: في ثياب البِذْلة، التي لا تستُرُ الأطراف.
مسألة: أقسام النظر إلى المرأة:
القسم الأول: نظر الرجل الأجنبي للمرأة، جميع المرأة عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، فلا يجوز أن ينظر إلى شيء من بدنها حتى الوجه، لقول الله ﷻ: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن، وعن عائشة ﵂ كانت تقول: (لما نزلت هذه الآية وليضربن بخمرهن على جيوبهن، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها) رواه البخاري. وقال ابن حجر في (الفتح): (قوله: فاختمرن، أي: غطين وجوههن).
ولقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزَاب: ٥٩]، والجلباب: ما يستر جميع البدن، أي يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن فيسترن أجسامهن كلها حتى وجوههن إلا ما به ترى الطريق.
[ ١٣ ]
ولما تقدم من أدلة إباحة النظر إلى المخطوبة، ودل ذلك بالمفهوم أن غير الخاطب لا ينظر إلى الوجه، ولأن الوجه مجمع المحاسن.
والأئمة يتفقون على أنه إذا كان هناك فتنة فلا يجوز النظر.
والنظر إلى الوجه وسيلة إلى الفتنة وإثارة الشهوة، والوسائل لها أحكام المقاصد.
القسم الثاني: من المرأة، يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة إلا ما بين السرة والركبة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة»، وهذا في النظر.
وأما في اللباس: فإن المرأة تلبَس لباس أمهات المؤمنين ونساء الصحابة، وهو ما ستر جميع البدن إلا الأطرافَ الرأسَ والرقبةَ واليدين والرجلين لحديث أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّه، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه» رواه البخاري ومسلم.
فترخيص النبي ﷺ أن تصلي فيه دل على أنه لباس ساتر لجميع البدن، وإذا خرجت من بيتها سترت جميع بدنها؛ لما تقدم.
مسألةٌ: ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضعِ المرض من المرأة، وبالعكس، بشروط:
الأول: أن يكون النظرُ بقدر الحاجة؛ أي: إلى موضع العلاج فقط؛ لقاعدة: (الضرورة تقدَّرُ بقدرِها)؛ لأنَّ الأصل حرمةُ النظر.
الثاني: عدم الخَلْوة؛ للنهيِ عن ذلك.
[ ١٤ ]
الثالث: أن يكون الطبيب أمينًا، غيرَ متَّهم في خُلُقه ودِينه.
الرابع: تُقدَّمُ الطبيبة في معالجة المرأة على الطبيب، إذا وُجدت.
مسألةٌ: التصريح في الخِطْبة:
التصريح: هو اللفظ الذي لا يحتمِلُ غيرَ طلب الزواج.
كقوله: أريد أن أتزوجك، أو: أريد أن أخطُبَك، أو: زوِّجيني نفسك، أو غير ذلك ممَّا لا يحتمِل غيرَ النِّكاح.
والتعريض: اللفظ الذي يحتمِل النِّكاحَ وغيره.
كأن يتكلمَ بكلام يدل فحواه على رغبتِهِ في المرأة؛ كقوله: إنِّي في مثلِك لراغبٌ، أو: فلانةُ امرأةٌ صالحة، ونحو ذلك.
والأصل: جواز خِطْبة المرأة؛ تعريضًا وتصريحًا، لكن يستثنى من ذلك المعتدَّة؛ وهي: التي فارقت زوجَها، ودخلت في العِدَّة، فيحرُمُ التصريح للمعتدة بالإجماع؛ لمفهومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]؛ فالله ﷻ لما أباح التعريضَ بالخِطْبة، دلَّ على أن التصريحَ للمعتدة محرَّم.
وخِطْبة المعتدة أقسام:
القسم الأول: المعتدة من وفاة، فلا يجوز خِطْبتُها تصريحًا؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة، والكذبِ في انقضاء عدتها، ويجوز التعريضُ.
القسم الثاني: المُبانة حال الحياة؛ بطلاق، أو فسخٍ لرَضاع، أو لِعان: فيحرم خِطْبتها تصريحًا، دون التعريض فيباح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
[ ١٥ ]
فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولحديث فاطمة بنت قيس ﵂: طلَّقها زوجها البتة، فقال لها رسول الله ﷺ: «إذا حلَلتِ، فآذِنِيني»، وفي رواية: «لا تسبقيني بنفسِك»؛ رواه مسلِم.
القسم الثالث: الرجعيَّةُ؛ وهي التي طلَّقها زوجها دون ما يَملِكُ من العَدَدِ بلا عِوَض -: فيحرُمُ التعريضُ والتصريح؛ لأنها في حُكْمِ الزَّوجات؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨].
مسألةٌ: خِطْبة الرجُلِ معتدَّتَهُ أثناء العِدة - أي: خِطْبة الرجُلِ المرأةَ التي فارقها - تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون رجعيةً؛ فصاحب العِدَّة لا يزال زوجًا؛ فلا يحتاج إلى خِطْبة، بل له إرجاعها متى شاء.
القسم الثاني: المعتدة من طلاق بائن - بينونة كبرى -: فلا يجوز للزوج خِطْبتها تصريحًا ولا تعريضًا؛ إذ لا تَحِلُّ له إلا بعد نكاح صحيح.
القسم الثالث: المعتدة من طلاق بائن -بينونة صغرى- كالمخلوعة، أو المفسوخة، ونحو ذلك: فيجوزُ للزوج التصريح والتعريض؛ لأنَّ له أن يَعقِدَ عليها في العِدَّة، ولغيره التعريض دون التصريح.
القسم الرابع: المعتدة من نكاح فاسد، أو وطءٍ بشبهة: فيجوز له التعريضُ دون التصريح؛ إذ هو أجنبيٌّ عنها، يباح له نكاحها.
مسألةٌ: يحرُمُ على الرجعية أن تجيب مَنْ خطَبَها في عدتها تصريحًا أو تعريضًا؛ لأنَّ الخِطْبة للعقد.
وأما البائن بالثلاثِ: فيباح لها إذا خُطِبتْ في عدتها التعريضُ دون التصريح لغير مطلِّقها؛ لأنها لا تحلُّ له، وأما المخلوعة والمفسوخة: فيباح
[ ١٦ ]
أن تجيب زوجَها تعريضًا وتصريحًا، وغير الزَّوج تعريضًا لا تصريحًا.
فرعٌ: الخِطْبة على خِطْبة أخيه المسلِم محرَّمة؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «لا يخطُب الرجُلُ على خِطْبة أخيه حتى ينكح أو يترك»؛ رواه البخاري.
ولما روى ابن عمرَ ﵄، قال: «نهى النبيُّ ﷺ أن يبيع بعضُكم على بيعِ بعض، ولا يخطُبَ الرجُلُ على خِطْبة أخيه حتى يترك الخاطبُ قبله، أو يأذَنَ له الخاطبُ»؛ متفق عليه.
ولما في ذلك من إيقاع العداوة بين المسلِمين.
والنهي عن الخِطْبة على الخِطْبة لا يقتضي فساد العقد؛ لأنَّ النهيَ وقع على أمرٍ خارج عن العقد؛ وهو الخِطْبة، وهي ليست شرطًا في صحة العقد.
وعن الإمام أحمد: عدمُ صحة العقد مطلقًا؛ لحديث ابن عمرَ ﵄.
فرعٌ: لا يخطُبُ على خِطْبة الكافر؛ لِما في ذلك من الظلم والاعتداء، وقوله ﷺ: «ولا يخطب على أخيه»: محمولٌ على الغالب، وما كان قيدًا أغلبيًّا فلا مفهومَ له؛ وهذا هو الأقرب.
فرعٌ: وتجوز الخِطْبة على خِطْبة الغير في أحوال:
الأُولى: إذا رُدَّ الخاطب الأول؛ لسقوط حقة بالرد؛ وهذا باتفاق الأئمة.
الثانية: أن يأذن الخاطبُ الأول لغيره في الخِطْبة، فيجوز لغيره أن يخطُبَ؛ لِما تقدم في حديث ابن عمرَ ﵄: «أو يأذن له الخاطب»؛ رواه مسلِم.
[ ١٧ ]
الثالثة: أن يترك الخاطبُ الأول الخِطْبة؛ لقوله ﷺ: «حتى يترك الخاطبُ أو يأذن له»؛ رواه مسلِم، ولأنه أسقَطَ حقَّه.
الرابعة: إذا استأذن الثاني الأولَ، فسكت الأولُ: جاز أن يخطُبَ الثاني؛ لأنه في معنى التركِ.
قال شيخُ الإسلام في الاختيارات: (ومَن خطب تعريضًا في العِدَّة أو بعدها، فلا يُنهَى غيرُه عن الخِطْبة).
مسألةٌ: يُسَن العقدُ يوم الجمعة؛ لأنَّ جماعةً من السلَفِ استحبوا ذلك؛ منهم: ضَمْرةُ بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عُتْبة، ولأنه يومٌ شريف ويومُ عيدٍ، وفيه خُلِقَ آدم ﵇.
ويُستحبُّ وقتَ المساء؛ لأنه ساعةُ الإجابة عند بعض العلماء، ومَن حضر العقدَ دعا للمتزوِّج بالدعاء الوارد.
ويُسَن أن يخطُبَ قبله بخُطْبة ابنِ مسعود ﵁؛ وهي:
إن الحمدَ لله، نَحمَده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
وفي حديثِ ابن مسعود ﵁، قال: ويَقرأ ثلاثَ آيات، ففسَّرها سفيانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *﴾ [النِّسَاء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠]؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه.
[ ١٨ ]
مسألةٌ: الفحص الطبيُّ قبل الزواج، يجوزُ اشتراطُ الفحص الطبي قبل الزواج على الرجُلِ والمرأة من قِبَل وليِّ الأمر في بعض الأمراض المُعْدية، التي لها ضرَرٌ على الطرَف الآخر، أو الأولاد؛ لِما فيه من مصلحة للطرَفينِ، ولنسلِهما.
مسألةٌ: إذا أجري عقدُ النِّكاح عن طريق آلاتِ الاتصال الحديثة -كالهاتف-: فإنَّه لا يصحُّ؛ لاشتراط الإشهاد فيه على الإيجاب والقَبول، وهذا لا يُمكِنه في هذه الأحوال؛ لأنه يُمكِنُ أن يزوَّرَ الخطُّ، وأن يقلَّدَ الصوتُ، لكنه إذا احتيج إلى العقد مع غياب الزَّوج أو الوليِّ، فإن أحدَهما يوكل شخصًا ينوب عنه في إجراء العقد.
ويجوزُ -على الصحيح-: إجراءُ عقدِ النِّكاح مع تباعدِ أماكن وجود الزَّوج والوليِّ والشهود؛ وذلك عن طريق الشبكة العالمية (الإنترنت)؛ فيُمكِن لأطرافِ العقد والشهود الاشتراكُ جميعًا في مجلس واحد حكمًا، وإن كانوا متباعِدين في الحقيقة، فيسمعون الكلامَ في نفس الوقت، فيكون الإيجابُ، ويليه فورًا القَبولُ، والشهود يرَوْنَ الوليَّ والزَّوج، ويسمعون كلامهما في نفس الوقت؛ فهذا العقدُ صحيح؛ لعدمِ إمكان التزوير، أو تقليد الأصوات، حتى على القول باشتراط اتحاد مجلسِ العقد، فإنَّهم وإن كانوا في أماكنَ متباعدة، لكنهم -حُكْمًا- في مكانٍ واحد، يرى بعضُهم البعض، ويسمع بعضُهم كلامَ بعضٍ في نفس الوقت.
وأخرج البَيْهَقي: كان ابنُ عمرَ ﵄ إذا دُعِيَ إلى تزويجٍ، قال: (لا تُفَضِّضُوا علينا الناسَ، الحمدُ لله، وصلَّى الله على محمد، إن فلانًا خطَبَ إليكم فلانةَ، إن أنكحتموه فالحمدُ لله، وإن رددتموه فسبحانَ الله)، وإسناده صحيح.
[ ١٩ ]
مسألةٌ: الدعاء للمتزوِّج، يُسَنُّ أن يقال للمتزوِّج: (بارك اللهُ لكما، وعليكما، وجمَعَ بينكما بخيرٍ وعافية)؛ أخرجه أبو داود، والتِّرمِذي، وابن ماجَهْ، وأحمد؛ من حديث أبي هُرَيرة مرفوعًا، وهو صحيح، وصحَّحه التِّرمِذي، وابن حِبَّان، والحاكم وأقرَّه الذهبي.
ولِما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ: «كان إذا رفَّأ إنسانًا إذا تزوَّجَ، قال: بارك لك، وبارك عليك، وجمَعَ بينكما في خير»؛ رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمِذي وصحَّحه، وابن ماجَهْ، قوله: (إذا رفَّأ)؛ أي: أحَبَّ أن يدعوَ له بالرِّفاء.
ولقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «بارك اللهُ لك، أولِمْ ولو بشاةٍ»؛ متفق عليه.
ويكونُ هذا الدعاءُ بعد العقد.
فإذا زُفَّتْ إليه، قال: «اللهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذُ بك من شرِّها، وشرِّ ما جبَلتَها عليه»؛ لِما روى عبدُ الله بن عمرو ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا تزوَّجَ أحدُكم أو اشترى خادمًا، فليقُلِ: اللهمَّ إنِّي أسألك خيرَها، وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما جبَلتَها عليه، وإذا اشترى بعيرًا، فليأخذ بذِروة سَنامه، وليقُلْ مثلَ ذلك»؛ رواه أبو داود، وابن ماجَهْ، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وروت عائشةُ ﵂، قالت: تزوَّجني النبيُّ ﷺ، فأتتني أمِّي، فأدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلنَ: (على الخيرِ والبركة، وعلى خيرِ طائرٍ)؛ رواه البخاري.
[ ٢٠ ]
فرعٌ: صلاةُ ركعتينِ عند الدخول، (تزوَّج أبو سعيدٍ ﵁، فحضَره عبدُ الله بن مسعود وأبو ذرٍّ وحذيفة ﵃، وغيرُهم من أصحاب النبي ﷺ، ثم قالوا له: إذا دخلتَ على أهلك، فصلِّ ركعتينِ، ثم خُذْ برأس أهلك، فقُلِ: اللهمَّ بارِكْ لي في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وارزُقْهم مني، وارزُقْني منهم)؛ رواه عبد الرزاق.