أولًا: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتمل لفظ الحالف نيته، فتتعلق يمينه بما نواه، دون ما لفظ به؛ لقوله ﵊ في حديث عمر ﵁: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فإذا قال: والله لأنامَنَّ تحت السقف، فنام تحت السماء، وقال: أردت السقف السماء، قُبل قوله، وقدمت نيته على عموم لفظه؛ لاحتمال اللفظ للنية.
[ ١٧٤ ]
مثال آخر: قال: لأنامن على الفراش، فنام على الرمل، وقال: أردت بالفراش الأرض قُبل قوله، فإن لم يحتمل اللفظ النية لا يرجع إليها، كما لو قال: والله لآكلن تفاحة فأكل خبزًا، وقال: أردت بالتفاحة الخبزة لا يرجع للنية.
ثانيًا: إن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها؛ لدلالة ذلك على النية، فمن حلف ليقضين زيدًا حقه غدًا، فقضاه قبله، لم يحنث إذا اقتضى السبب أنه لا يتجاوز غدًا، ومثله لو حلف لا يدخل بيت زيد لوجود منكر فيها، فإذا زال المنكر ودخلها لم يحنث.
ثالثًا: إن عدم ذلك رجع إلى التعيين، فإذا حلف لا لبست هذا القميص، فجعله سراويل ولبسه، أو لا كَلَّمت هذا الصبي، فصار شيخًا، أو زوجةَ فلان هذه، فزالت الزوجية، ثم كلمهم، حنث؛ لأنه قصد عين المحلوف عليه، إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة فلا يحنث لتغير الصفة.
رابعًا: إن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم، وهو ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعرفي.
أما الشرعي من الأسماء ما له موضوع في الشرع وموضوع في اللغة؛ كالصلاة، فهي في اللغة: الدعاء وفي الاصطلاح: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع، والإجارة، فإذا حلف لا يبيع، أو لا ينكح، فعقد عقدًا فاسدًا من بيع أو نكاح لم يحنث؛ لأن البيع والنكاح لا يتناول الفاسد.
وإذا حلف لا يصلين، لم تبرأ ذمته إلا بصلاة صحيحة مكتملة الشروط والأركان.
[ ١٧٥ ]
وأما الحقيقي: فهو الاسم الباقي على حقيقته كاللحم، فإذا حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحمًا أو مخًّا أو كبدًا أو نحوه، لم يحنث؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك إلا بنية اجتناب الدسم، وإن حلف لا يلبَس شيئًا، فلبس ثوبًا أو درعًا أو نعلًا حنث؛ لأنه ملبوس حقيقةً وعرفًا.
وإن حلف لا يكلم إنسانًا، حنث بكلام كل إنسان، ولا يفعل شيئًا، فوكل من فعله، حنث إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
وأما العرفي: فما غلب فيه العرف على الأصل، كالراوية في العرف: للمزادة، وفي الحقيقة: الجمل الذي يستقى عليه، والغائط في العرف: للخارج المستقذر، وفي الحقيقة: لفناء الدار وما اطمأن من الأرض، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة؛ لأن الحقيقة في نحو ما ذكر صارت كالمهجورة، ولا يعرفها أكثر الناس.
والأقرب أن يقال بالتفصيل الآتي:
١ - إن كانت اليمين على عبادة أو عقد، قدمت الحقيقة الشرعية، ما لم تكن نية أو سبب، فمثلًا: لو حلف على فعل عبادة أو عقد، لم تبرأ ذمته إلا بفعل عبادة وعقد صحيحين.
٢ - وإن كانت على عمل أو زمن أو عين، قدمت الحقيقة اللغوية، ما لم تكن نية أو سبب أو عرف يقتضي خلاف ذلك، فمثلًا: لو حلف أن يأكل فاكهة رجع إلى تفسير الفاكهة عند أهل اللغة، ولا تبرأ ذمته إلا بهذا مالم يكن عرف.
[ ١٧٦ ]