الأولى: تستحبُّ التسمية على الأكل والشُّرب بالإجماع.
واختلف العلماء في وجوبها؛ فجمهورُ أهل العلم على استحبابها؛ لوجود الصارفِ؛ وهو قصدُ الأدب والإرشاد.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى الوجوب؛ كابن أبي موسى، وابن حزم؛ لحديث عمرَ بن أبي سلَمة ﵁، مرفوعًا: «يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»؛ متفق عليه.
ولحديث عائشة ﵂، مرفوعًا: «إذا أكل أحدُكم، فليذكُرِ اسم الله»؛ رواه أبو داود، والتِّرمِذي وصحَّحه.
قال شيخ الإسلام: (ولو زاد الرحمن الرحيم عند الأكل، لكان حسَنًا؛ فإنَّه أكمل، بخلاف الذَّبْح؛ فإنَّه قد قيل: لا يناسب ذلك). اه.
[ ٦٨ ]
ويسمِّي الطفلُ المميِّز، ويسمِّي عمن لا عقلَ له ولا تمييزَ غيرُه.
والتسمية تراد لعدم مشارَكة الشيطان.
والسُّنة أن تكون التسمية جهرًا؛ لكي ينبِّهَ غيره، ولحديث عمرَ بن أبي سلَمة مرفوعًا: «سمِّ اللهَ يا غلام»؛ متفق عليه.
وإذا نسي التسميةَ في أوَّلَه، فليقل: «بسم الله أوَّلَه وآخِره»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي، وحسَّنه، وابن ماجَهْ.
الثانية: يسنُّ الحمد إذا فرغ؛ لحديث أنس ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إن اللهَ ليرضى عن العبد أن يأكُلَ الأَكْلةَ فيَحمَدَ اللهَ عليها، أو يَشرَبَ الشَّرْبةَ فيَحمَدَه عليها»؛ رواه مسلِم.
فيسنُّ أن يقول ما رواه أبو أمامة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ كان إذا رُفِعت المائدةُ بين يديه، قال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه ربَّنا»؛ رواه البخاري.
قوله: «غير مَكْفي»: أي غير مردود الطعام، ولا مقلوب، وقيل: الضمير راجعٌ إلى الله؛ فالله هو المطعِم الكافي، وغيرُ مطعَم ولا مَكْفي.
وقوله: «ولا مودَّع»: أي غير متروك الطلبُ إليه، والرغبةُ فيما عنده.
ولما روى أبو سعيد الخدري ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ كان إذا فرغ مِنْ طعامه، قال: «الحمدُ لله الذي أطعمنا وسقَانا، وجعلنا مسلِمين»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، إسناده ضعيف.
الثالثة: الطعام لا يخلو من أمرينِ:
الأول: أن يكون نوعًا واحدًا؛ فالسُّنة أن يأكلَ الإنسان مما يليه؛ لقوله
[ ٦٩ ]
ﷺ لعمرَ بن أبي سلَمة: «وكُلْ مما يليك»؛ متفق عليه.
الثاني: أن يكون أنواعًا متعددة؛ فلا بأس أن يأكل مما لا يليه؛ لأنَّ (النبي ﷺ جعل يتتبَّعُ الدُّبَّاء)؛ رواه البخاري من حديث أنس ﵁.
الرابعة: وجوب الأكل باليمين؛ لأنَّ الأكل بالشِّمال من عمل الشيطان، قال ﷺ: «ولا تأكُلْ بالشِّمال؛ فإن الشيطانَ يأكل بالشمال»؛ رواه مسلِم، واختاره ابن القيِّمِ.
والأكل باليدينِ جميعًا له ثلاثُ حالات:
الأُولى: أن يكون اعتماده على اليدينِ؛ فيُغلَّب جانبُ النهي.
الثانية: أن يكون اعتماده الأغلب على اليمين؛ فيغلب جانب الإباحة.
الثالثة: أن يكون اعتماده الأغلب على اليسار؛ فيحرُمُ.
ولو جعَل في يمينه خبزًا، وفي شِماله شيئًا يشربه، وجعل يأكل من هذا وهذا: فهذا مَنْهيٌّ عنه؛ كما هو ظاهر الخبر، ولأنه أكل بشِماله، ولما فيه من الشِّرَهِ.
الخامسة: يسن أكلُهُ بثلاث أصابع؛ لِما روى كعب بن مالك، قال: «كان رسولُ الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرَغَ لَعِقَها»؛ رواه مسلِم.
وفي الآداب الشرعية لابن مفلح: "ولعل المراد - والله أعلم - ما لا يُتناوَل عادةً وعُرْفًا بإصبَع أو إصبَعين؛ فإن العُرْفَ يقتضيه، ودليل الكراهيَة منتفٍ عنه".
السادسة: يسنُّ تخليل ما عَلِقَ بأسنانه؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ «كان يشُوصُ فاه بالسواك إذا استيقَظَ من نومه»؛ متفق عليه،
[ ٧٠ ]
ولأنَّ النوم مظنَّةُ تلويثٍ للأسنان والفم، وكذلك الطعام.
السابعة: يسن مسحُ الصَّحْفة؛ لما روى ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبي ﷺ، قال: «إذا أكل أحدُكم طعامًا، فلا يمسح يدَهُ حتى يَلعَقَها، أو يُلعِقَها»؛ رواه البخاري.
وروى جابر ﵁؛ أن رسول الله ﷺ: «أمر بلَعْقِ الأصابع والصَّحْفة، وقال: إنكم لا تدرون في أيِّه البركة»؛ رواه مسلِم.
الثامنة: يسن أكلُ ما تناثر؛ لما روى جابر ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا وقَعتْ لقمةُ أحدكم، فليأخُذْها، فليُمِطْ ما كان بها من أذىً، ثم ليأكُلْها ولا يدَعْها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يَلعَق أصابعه؛ فإنَّه لا يدري في أيِّ طعامه البركة»؛ رواه مسلِم.
التاسعة: لا يُكثِر النظر إلى وجوه الآكِلين؛ لأنه مما يُحشِمُهم، ولا يتكلم على الطعام بما يُستقذَر من الكلام، ولا بما يُضحِكهم؛ خوفًا عليهم من الشَّرْقة، ولا بما يحزنهم؛ لئلا ينغِّصَ على الآكلين أكلهم.
العاشرة: يسن شُرْبُهُ ثلاثًا مصًّا، ويتنفس خارج الإناء؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبيَّ ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا»؛ متفق عليه، وروى أبو قتادة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا شَرِبَ أحدكم، فلا يتنفَّسْ في الإناء»؛ رواه البخاري.
والمراد: التنفُّس وهو لا يزال يشرب، قال ابن الجوزي: (ولا يشربُ الماءَ أثناء الطعام؛ فإنَّه أجوَدُ في الطب، ثم يشرب منه مصًّا).
قال ابن القيِّمِ في مضار التنفس في الإناء: (منها: أن تردُّد أنفاسِ الشارب فيه يكسبه زهومةً ورائحة كريهة، ومنها: أنه ربما غلَب الداخلُ إلى جوفه من
[ ٧١ ]
الماء فتضرَّر به، ومنها: أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به، ومنها: أن الشُّرْب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيَضِيق عن أخذ حقِّه من الماء).
الحادية عشر: يُكرَه شُرْبُهُ من فمِ السقاء؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «نهى رسولُ الله ﷺ عن اختناث الأسقيةِ؛ أن يُشرَب مِنْ أفواهها»، وفي رواية: «أن يُقلَب رأسُها ثم يُشرَبَ منه»؛ متفق عليه.
الثانية عشر: إذا شرب الإنسانُ، فلا يخلو من أمرينِ:
الأول: أن يكون الإناء مشترَكًا يشرب منه أكثرُ من واحد، فالسُّنة لمن شرب أن يناول مَنْ على يمينه، ولو كان صغيرًا أو مفضولًا؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بلبَنٍ قد شِيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن شِماله أبو بكر، فشرب النبي ﷺ، ثم أعطى الأعرابيَّ، وقال: الأيمنَ فالأيمنَ»؛ متفق عليه، وأيضًا حديث سهل بن سعد ﵁: «لما شرب النبيُّ ﷺ وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخُ بدر، فناوله النبيُّ ﷺ للغلام»؛ متفق عليه.
الثاني: أن يكون هناك عدةُ أوانٍ، فالساقي يعطي الأفضلَ، ثم يعطي مَنْ على يمينه؛ أي: الساقي.
الثالثة عشر: قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (يستحب غسلُ اليدينِ قبل الطعام وبعده، وعنه: يُكرَه؛ اختاره القاضي، وقال مالك: لا يستحبُّ، إلا أن يكون على اليد أولًا قذَرٌ، أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة، وعن سلمانَ ﵁، عن النبي ﷺ: قال «بركةُ الطعام الوُضوء قبله وبعده»، قال مهنَّا: ذكرتُ هذا الحديثَ لأحمد، فقال: ما حدَّث به إلا قيسُ بن الربيع؛ وهذا منكَر الحديث).
[ ٧٢ ]
الرابعة عشر: يُكرَه ردُّ شيء من فمه للإناء؛ لحديث أبي قتادة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا شرب أحدُكم، فلا يتنفَّسْ في الإناء»؛ رواه البخاري.
ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، مرفوعًا: «نهى أن يتنفَّسَ في الإناء، أو ينفخَ فيه»؛ رواه أبو داود والتِّرمِذي، وصحَّحه، وابن ماجَهْ؛ فالعلةُ هي الاستقذار.
الخامسة عشر: يُكرَه أكله حارًّا؛ لقولِ أبي هُرَيرة ﵁: «لا يؤكل طعامٌ حتى يَذهَبَ بخارُه»؛ رواه البَيْهَقي، لكن إذا كانت حرارتُهُ شديدة تؤذي، فلا يُقتصَرُ على الكراهة، بل يحرُمُ؛ لِما فيه من الضرر.
[ ٧٣ ]