قال شيخُ الإسلامِ كما في الاختياراتِ ٤١٦: "العُقوباتُ الشرعيَّةُ إنَّما شُرِعَت رحمةً مِنْ اللهِ تعالى بعِبادِه، فهي صادرةٌ عن رَحمةِ الخلقِ وإرادةِ الإحسانِ إليهم، ولهذا يَنبغي لمَن يُعاقِب الناسَ على ذُنوبِهم أنْ يَقصدَ بذلك الإحسانَ إليهم والرَّحمةَ لهم كما يَقصِدُ الوالدُ تأديبَ ولدِه، وكما يَقصِدُ الطبيبُ معالجةَ المريضِ". قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٣/ ٢١٦): "وكذلك الحُدودُ جعلها اللُه تعالى زَوَاجرَ للنُّفوسِ وعقوبةً ونَكالًا وتَطهيرًا، فشَرعُها مِنْ أعظمِ مَصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ، بل لا تَتِمُّ سياسةُ مَلِكٍ مِنْ ملوكِ الأرضِ إلا بزَواجِرَ وعُقوباتٍ لأربابِ الجرائمِ، ومعلومٌ ما في التَّحيُّلِ لإسقاطِها مِنْ مُنافاةِ هذا الغَرضِ وإبطالِه، وتَسليطِ النُّفوسِ الشِّرِّيرةِ على تلك الجناياتِ".
والُحدودُ: جَمعُ حَدٍّ، وهو لُغةً: المَنْعُ، وحدودُ الله: مَحارمُه.
واصطلاحًا: عُقوبةٌ مُقدَّرةٌ شَرعًا في مَعصيةٍ لتَمنعَ الوقوعَ في مِثلِها.
والأصلُ في الحُدودِ: القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المَائدة: ٣٨].
والسُّنةُ كما سيَأتي.
والإجماعُ: قال ابنُ حزمٍ في مَراتبِ الإجماعِ ص ٩٦: "أَجمعُوا أنَّ مَنْ اجتمع عليه حَدُّ الزِّنَى والخَمرِ والقَذفِ والقَتلِ أنَّ القتلَ عليه واجبٌ، واختلَفُوا أيُقامُ عليه قَبلَ ذلك سائرُ الحُدودِ أم لا؟ ".
[ ٥٩ ]
مسألة: شُروطُ وجوبِ الحَدِّ:
الأولُ: أنْ يَكون بالغًا عاقلًا؛ لحديثِ عليٍّ ﵁: «رُفِع القَلَمُ عن ثَلاثةٍ»، وتقدَّم قريبًا، وفي قِصَّةِ ماعزٍ «أَبِكَ جُنونٌ؟». رَواه مسلمٌ، ولأنه إذا سقَط عنه التَّكليفُ في العباداتِ، فالحدُّ أَولَى.
الثَّاني: أنْ يَكون مسلمًا أو ذِمِّيًا؛ لأنِّ الذِّمِّيَّ مُلتزِمٌ لأحكامِ المسلِمينَ في ضَمانِ النَّفسِ والمالِ والعِرضِ، بمُقتضَى عَقدِ الذِّمَّةِ لقولِه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المَائدة: ٤٩]، بخلافِ الحربيِّ والمستأمَنِ.
الثالثُ: أنْ يَكون عالمًا بالتِّحريمِ وإنْ جَهِل العقوبةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسرَاء: ١٥]، ولقولِ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ: "لا حدَّ إلاّ على مَنْ عَلِمَه". أخرجَه الشافعيُّ في المسنَدِ وعبد الرزاق.
الرابعُ: انتِفاءُ الشُّبهَةِ.
الشُّبهَةُ في اللُّغةِ: هي الالْتِباسُ.
وعُرِّفَت الشُّبهةُ عند الفقهاءِ: فقيل: ما يُشْبِه الثَّابتَ وليس بِثابتٍ.
وقيل: ما وُجدَت فيه صورةُ المُبيحِ ولم تَثبُت إباحتُه.
وقيل: التَّعارُض بين أدلَّةِ التَّحريمِ والتَّحليلِ.
وذهبَ الجُمهورُ: إلى دَرْءِ الحدودِ بالشُّبهاتِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالَت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «ادْرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ ما استَطعتُم» أخرجَه الترمذيٌّ، الدارقطنيُّ.
وما رُوي موقوفًا عن عمرَ ﵁: "لَأنْ أُعطِّلَ الحدودَ بالشُّبهاتِ أَحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُقيمَها بالشُّبهاتِ" رواه ابنِ أبي شيبةَ.
[ ٦٠ ]
وما رُوي موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ ﵁: "ادْرَؤُوا الحدودَ والقَتلَ عن عِبادِ اللهِ ما اسْتَطعتُم" رواه عبدِ الرزاق، وابنِ أبي شيبةَ.
قال ابنُ المنذرِ: "كلُّ مَنْ أَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ يَدرَأُ الحدَّ بالشُّبهةِ".
وعند الظَّاهريَّةِ: أنَّ الحدودَ لا تُدرَأُ بالشُّبهاتِ؛ لأدلَّةِ وجوبِ إقامةِ الحدِّ (المحلَّى ١١/ ١٥٣).
مِثالُه: لو وَطِئَ أَمَةً مُشترَكةً بينَه وبينَ غيرِه فالوَطءُ محرَّمٌ، لكنْ يَسقط عنه الحدُّ عند الجُمهورِ؛ لِشُبهةِ المِلكِ، وعند الظاهريَّةِ: يُحَدُّ؛ لِحرمةِ الوَطءِ.
مسألة: يُقِيمُ الحدَّ الإمامُ أو نائبُه، باتِّفاقِ الأئمةِ؛ لأنه ﷺ كان يُقِيم الحدودَ، ثُم خُلفاؤُه مِنْ بَعدُ، ويَقوم نائبُ الإمامِ مَقامَه؛ لقولِه ﷺ في حديثِ أَبي هريرةَ ﵁: «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنْ اعتَرَفَت فارْجُمها». متَّفقٌ عليه، وأَمرَ برَجمِ ماعزٍ ولم يَحضُرْه.
وللسَّيدِ إقامةُ الحدِّ بالجَلْدِ فقط على رَقيقِه القِنِّ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁: «إذا زَنَت الأَمَةُ فتَبيَّن زِنَاها فلْيَجلِدْها ولا يُثرِّبْ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وعن عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَقِيموا الحدودَ على ما مَلكَت أَيمانُكم». رَواه مسلمٌ.
مسألة: مَكانُ إقامةِ الحدِّ.
يُقام الحدُّ في غيرِ المسجدِ، ويَحرُم فيه؛ لحديثِ حَكيمِ بنِ حَزامٍ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ يُستَقادَ بالمسجدِ، وأنْ تُنشَد الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحدودُ". أخرجَه أحمدُ وأبو داودَ.
وعن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ هذه المساجدَ لا
[ ٦١ ]
تَصلُح لشيءٍ مِنْ هذا البولِ، ولا القَذَرِ، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ ﷿، والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ». رَواه مسلمٌ.
مسألة: تَحرُم شفاعةٌ وقَبُولُها في حَدِّ الله تعالى بَعدَ أنْ يَبلُغ الإمامَ أو نائبَه في البلدِ؛ لِما في الصَّحيحَين عن عائشةَ ﵂: "أنَّ قُريشًا أَهمَّهم شأنُ المخزوميَّةِ التي سَرقَت، فقالوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ؟ فقالوا: ومَن يَجترئُ عليه إلاّ أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: «يا أسامةُ أَتَشفَعُ في حدٍّ مِنْ حدودِ اللهِ؟ إنَّما هَلَك بَنُوا إسرائيلَ أنَّهم كانوا إذا سَرَق فيهم الشريفُ تَركُوه، وإذا سَرَق فيهم الضَّعيفُ أقامُوا عليه الحدَّ، والذي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِه لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سَرقَت لَقَطَعتُ يَدَها».
وقد أَجمعَ المسلِمونَ على أنَّ تَعطيل الحَدِّ بمالٍ يُؤخَذ أو غيرِه لا يَجوز، وأَجمعُوا على أنَّ المالَ المأخوذَ مِنْ الزِّاني والسَّارقِ والشاربِ والمحارِبِ وقاطعِ الطَّريقِ ونحوِ ذلك لِتَعطيلِ الحدِّ مالٌ سُحْتٌ خَبيثٌ.
مسألة: كَيفيَّةُ الجَلدِ.
يُضرَب الرَّجُل في الحدِّ قائمًا، والمرأةُ جالسةً، وتُشَدُّ عليها ثيابُها؛ لِما روَى السائبُ بنُ يَزيدَ قال: "كُنَّا نُؤتَى بالشاربِ في عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وإِمْرَةِ أَبي بكرٍ، وصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عمرَ، فنَقومُ إليه بأَيدِينا ونِعالِنا وأَرْدِيَتِنا، حتى كان آخرُ إِمرَةِ عمرَ، فجَلَد أربعينَ، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جَلَد ثمانينَ". رَواه البخاريُّ.
ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُتِي بيهوديٍّ ويهوديَّةٍ قد زَنَيَا، فانطلَق رسولُ اللهِ ﷺ حتى جاءَ يَهودَ … كنتُ في مَنْ رَجَمَهُما، فلقد رأيتُه يَقِيها مِنْ الحِجارةِ بنَفسِه". رَواه مسلمٌ. فدلَّ على أنَّ المرأةَ تُضرَب جالسةً.
[ ٦٢ ]
ولِما روَى أبو داودَ مِنْ حديثِ عمرانَ ﵁: "فأمَر بها النبيُّ ﷺ فشُكَّت عليها ثِيابُها ثم أَمَر بها فرُجِمَت". وإسنادُه صحيحٌ.
مسألة: صِفَةُ السَّوطِ.
اتَّفق الأئمةُ على أنه يُجلَد الصَّحيحُ القويُّ في الحدودِ بسَوطٍ معتدِلٍ، ليس رَطبًا، ولا شديدَ اليُبُوسةِ، ولا خفيفًا لا يُؤلم، ولا غليظًا يَجرَح؛ لأنَّ الجديدَ يَجرحه، والخَلَقَ لا يُؤلِمُه.
والضابطُ: أن يكون الضرب مما يُؤلمه ولا يضرُّه. قال في المُغنِي ١٠/ ٣٣٢: "لا يُمَدُّ ولا يُربَط، ولا نَعلمُ عنهم في هذا خلافًا … وجَلَد أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فلَم يُنقَل عن أحدٍ منهم مَدٌّ ولا قَيدٌ ولا تَجريدٌ، ولا تُنزَعُ عنه ثيابُه بل يَكون عليه الثَّوب والثَّوبان، وإنْ كان عليه فَروٌ أو جُبَّةٌ محشُوَّةٌ نُزِعَت عنه؛ لأنه لو تُرِك عليه ذلك لم يُبالِ بالضَّربِ. قال أحمدُ: لو تُرِكَت عليه ثِيابُ الشِّتاءِ ما بالَى بالضربِ".
ولا يُبالِغ بضَربِه بحيثُ يَشُقُّ الجِلدَ؛ لأنَّ المقصودَ تَأديبُه لا إهلاكُه، ولا يَرفعُ ضاربٌ يدَه بحيثُ يَبدُو إِبْطُه؛ لأنَّ ذلك مبالغةٌ في الضربِ، وسُنَّ أنْ يُفرِّقَ الضربَ على بَدَنِه لِيأخُذَ كلُّ عُضوٍ منه حظَّه، ولأنَّ تَوالِي الضربِ على عضوٍ واحدٍ يُؤدِّي إلى القتلِ، ويُكثِر منه في مَواضعِ اللَّحمِ، كالأَلْيَتينِ والفَخِذَين، ويَضربُ مِنْ جالسٍ ظَهرَه وما قارَبَه.
ولا يَجوز أنْ يَضربَ الرَّأسَ والوجهَ والفَرْجَ والمَقاتِلَ، كالفؤادِ والخِصيَتَين؛ لِما روَى أَبو هُريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا قاتَلَ أَحدُكم فليَجْتَنِب الوَجْهَ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. ولأنه ربَّما أدَّى ضربُه على شيءٍ مِنْ هذه إلى قَتلِه، أو ذَهابِ مَنفعتِه.
[ ٦٣ ]
ويُوالي بين الضربِ ولا يُفرِّق على الأيامِ إلا أنْ يَخشى مِنْ تَواليه هلاكَ المحدودِ.
مسألة: أَشدُّ الجَلدِ في الحُدودِ: جَلدُ الزِّنَى، ثم جَلدُ القَذفِ، ثم جَلدُ الشُربِ، ثم جَلدُ التَّعزيرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنَى بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّور: ٢]، وما دُونَه أخفُّ منه في العَددِ، فلا يَجوزُ أنْ يَزيدَ عليه في الصِّفَةِ.
ضابطٌ: ما خفَّ في عَددِه خفَّ في صِفَتِه.
ضابطٌ: وجوبُ إقامةِ الحدِّ على الفورِ؛ لقِصَّةِ ماعزٍ ﵁ حيثُ لم يُؤخِّر النبيُّ ﷺ إقامةَ الحدِّ بعد اعترافِه. فلا يُؤخَّرُ لحَرٍّ أو بَردٍ إلا مع خَشيةِ الضَّررِ أو التَّلفِ، فيؤخَّرُ حتى تَزولَ المفسَدةُ.
مسألة: المريضُ لا يَخلو مِنْ حالتَين:
الأُولى: أنْ يُرجَى بُرؤُه فيؤخَّرُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للغامديَّةِ: «ارْجِعي حتَّى تَضعِي ما في بَطنِك»، ثُم قال لها: «ارْجِعي حتَّى تُرضِعيه». رَواه مسلمٌ.
ولأنَّ في تأخيرِه إقامةَ الحدِّ على الكمالِ مِنْ غيرِ إتلافٍ، فكان أَولَى.
الثانيةُ: أنْ لا يُرجَى بُرؤُه، فيُضربُ بسَوطٍ يُؤمَن معه التَّلفُ، فإنْ خِيفَ مِنْ السَّوطِ أُقيم بالعُثْكُولِ ونحوِه، كطَرَفِ ثَوبٍ.
فرع: لا يجوز شرعًا إعادة العضوِ المقطوعِ في الحدِّ؛ لأن المقصود من الحد هو إتلاف هذا العضو الفاسد.
فرع: يجوز التَّخديرُ عند إقامةِ الحدِّ؛ لأنَّه من الإحسان، إلا في الجلدِ؛ لأنَّ المقصود حصول الألم.
[ ٦٤ ]
ضابطٌ: مَنْ مات في حَدٍّ -أي: بسَببِ إقامةِ الحدِّ- فالحقُّ قَتلَه، ولا شيءَ على مَنْ حدَّه؛ لأنه أَتَى به على الوجهِ المشروعِ، بأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه ﷺ.
ومَن تعدَّى فزادَ ولو جلدةً، أو بسَوطٍ لا يَحتمِلُه المَجلودُ فتَلِف المحدودُ؛ ضَمِنَه بِدِيَتِه.
مسألة: وهل يُحفَر للمرجومِ في الزِّنَى؟ النبيُّ ﷺ لم يَحفِر لليهوديَّين، ورَوَى بُرَيدةُ ﵁ في قصَّةِ رَجمِ الغامديَّةِ: " … ثُم أَمَر بها فحُفِر لها إلى صَدرِها، وأَمَر الناسَّ فرَجمُوها … ". رَواه مسلمٌ.
ورَوَى بُرَيدةُ أيضًا في قصَّةِ رَجمِ ماعزٍ ﵁: "فلمَّا كان الرابعةُ حُفِرَ له ثُم أُمِر به فرُجِم". رَواه مسلمٌ.
وفي حديثِ أَبي سعيدٍ ﵁ في رَجمِ ماعزٍ ﵁: " … فواللهِ ما حَفَرْنا له ولا أَوثَقْناه، ولكنْ قامَ لنا فرَمَيْناه بالعظامِ والخِرَقِ". رَواه مسلمٌ.
وجُمِع: بأنه لم يُحفَر له أوَّلَ الأمرِ ثُم حُفِر له أخيرًا.
والأقربُ: رُجوعُ الأمرِ إلى اجتهادِ الإمامِ.
ويُسَنُّ أنْ يَشهد إقامةَ الحدِّ جماعةٌ مِنْ المؤمنين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢].
فرعٌ: حُكمُ ما إذا اجتمَعَت الحدودُ: لا يَخلو مِنْ أمرَين:
الأولُ: أنْ يَكون فيها قتلٌ.
مِثلُ أنْ يَسرِقَ ويَزنِيَ وهو مُحصَنٌ، ويَشربَ الخَمرَ ويَقتُل في المُحارَبةِ: تَتَداخلُ الحدودُ، فيُقتلُ ويَسقُط سائرُ الحدودِ؛ لقولِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵃: "إذَا
[ ٦٥ ]
اجْتَمَعَ حَدَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى، فِيهِمَا الْقَتْلُ أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ". ولأنَّ القتلَ أَقوى عقوبةٍ للزَّجرِ والرَّدعِ، ولا حاجةَ لِما سِواهُ مِنْ عقابٍ، فلا فائدةَ منه.
الثاني: ألاّ يَكونَ فيها قَتلٌ.
كما لو سَرَق وزَنَى غيُر المُحصَنِ، وشَرِب الخمرَ، فلا تَتَداخلُ ويُستوفَى جميعُها اتِّفاقًا.
فرعٌ: التَّداخُل بين عقوبةِ جِنايةِ الحدِّ والقِصاصِ.
١ - اتَّفق الفقهاءُ على أنه إذا اجتَمَع على الجانِي حدُّ القذفِ والقِصاصُ بسبَبِ اعتِدائِه على ما دونَ النَّفسِ فإنَّها تُقام العُقوباتُ كلُّها؛ لأنَّ حقَّ الآدميِّ مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ فهو كالدُّيونِ، وحقُّ اللهِ تعالَى مَبنيٌّ على المُسامحةِ.
٢ - إذا اجتَمَع على الجانِي حدُّ القَذفِ والقِصاصُ في النَّفسِ يُقام عليه حدُّ القَذفِ أوَّلًا، ثم يُقتَصُّ منه؛ لأنَّ حقَّ الآدَميِّين واجبُ الأداءِ، فهو مَبنيٌّ على المُشاحَّةِ، بخِلافِ حقِّ اللهِ تعالى المبنيِّ على المُسامحةِ.
مسألة: رُجوعُ مَنْ عليه حدٌّ، لا يَخلو مِنْ أمرَين:
الأولُ: أنْ يَكون ثُبوت الحَدِّ بالتَّوبةِ: فإنْ كانَت التَّوبةُ بَعدَ الرَّفعِ إلى وليِّ الأمرِ أو نائبِه لم يُقبَل رُجوعُه؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المَائدة: ٣٤]. ونَصُّه تعالَى على اعتبارِ تَوبةِ المُحارِبِ قَبلَ القُدرةِ عليه مِنْ بابِ التَّنبيهِ على اعتبارِ تَوبةِ غيرِه بِطَريقِ الأَولَى، فإذا دَفعَت تَوبتُه مع شِدَّةِ ضَررِه وتَعدِّيه فَلَأنْ تَدفَع تَوبةُ ما دَونَه بِطَريقِ الأَولَى.
وفي الصَّحيحَين في قِصَّةِ الذي قال: أَصبتُ حدًّا، فأَقِمْه عليَّ، قال: «أَلَيسَ قَدْ صَلَّيتَ مَعَنا؟» قال: نعم، قال: «فإنَّ اللَه قد غَفَر لك ذَنْبَك». قد رَفَع اللهُ العقوبةَ عن التائبِ شَرعًا وقَدَرًا، فلَيس في شَرعِ اللهِ ولا في قَدَرِه
[ ٦٦ ]
عقوبةُ تائبٍ ألبَتَّةَ، قال شيخُ الإسلامِ في السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ (١/ ٨٧): "ولِهذا اتَّفقَ العلماءُ -فيما أَعلمُ- على أنَّ قاطعَ الطريقِ واللِّصَّ ونحوَهُما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمرِ ثم تابُوا بعد ذلك لم يَسقُط الحدُّ عنهم، بل تَجِبُ إقامتُه وإنْ تابُوا، فإنْ كانُوا صادِقِين في التوبةِ كان الحدُّ الكفَّارةَ لهم، وكان تَمكينُهم -وذلك مِنْ تَمامِ التوبةِ- بمَنزِلَةِ ردِّ الحقوقِ إلى أهلِها، والتمكينُ مِنْ استِيفاءِ القِصاصِ في حقوقِ الآدَميِّين … ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [المَائدة: ٣٤]، فاستَثنَى التائِبِين قَبلَ القُدرةِ عليهم فقَط، فالتَّائبُ بَعدَ القُدرةِ عليه باقٍ في مَنْ وَجَب عليه الحدُّ؛ للعُمومِ والمفهومِ والتعليلِ".
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٣/ ١٧٣): "فإذا رُفِع إلى الإمامِ لم تُسقِط تَوبتُه عنه الحدَّ؛ لِئَلَّا يُتَّخذ ذلك ذَرِيعةً إلى تَعطيلِ حُدودِ اللهِ؛ إذْ لا يَعجِز كلُّ مَنْ وَجَب عليه الحدُّ أنْ يُظهِر التوبةَ لِيتخلَّص مِنْ العقوبةِ، وإنْ تابَ تَوبةً نَصوحًا؛ سدًّا لذَرِيعةِ السُّقوط بالكليَّةِ"، وذكَر قِصَّةَ توبةِ ماعزٍ.
الأمرُ الثَّاني: أنْ يَكون ثُبوتُ الحدِّ بالإقرارِ؛ فإنه إنْ جاء تائبًا قُبِل رُجوعِه عن الحدِّ، وإلاّ لم يُقبَل.
[ ٦٧ ]